ملخص
مرات كثيرة أتساءل لماذا جائزة كبيرة كجائزة "غونكور" العريقة الفرنسية يعلن الفائز بها في مطعم "دروان" Drouant بباريس؟ فلماذا يا ترى لا نتخذ من مطعم "ملك اللوبيا" الشعبي العريق فضاء سنوياً للإعلان عن جائزة آسيا جبار التي كانت هي الأخرى معجبة بشارع طنجة وبمطعم "ملك اللوبيا"؟ إن الإعلان عن الجائزة في مطعم "ملك اللوبيا"، سيكون حدثاً ثقافياً بامتياز وبدمغة جزائرية خاصة وفي الوقت نفسه يعيد للمكان ذاكرته العميقة والعتيقة وللعبقرية الشعبية قيمتها التاريخية.
هناك أشياء عادية، بسيطة، شعبية، بل وفي مرات كثيرة تافهة لكنها قد تتحول، بفعل تراكم وتظافر جملة من العوامل البشرية والطبيعية والثقافية، إلى رموز تاريخية خالدة، يحدث مثل هذا في كل الميادين: في سير الشخصيات وفي عمران المدن وفي الفنون وفي الأدب وفي السياسة وفي المؤسسات.
ومطعم "ملك اللوبيا" (ملك الفاصولياء) من هذه المؤسسات الشعبية البسيطة جداً التي تحولت إلى جزء مركزي من ذاكرة مدينة كبيرة كمدينة الجزائر العاصمة التي تقف على تاريخ عميق ومعقد.
يقع مطعم "ملك اللوبيا" (ملك الفاصولياء) الشعبي في قلب مدينة الجزائر العاصمة، في شارع طنجة سابقاً، "أحمد شايب" حالياً، والذي يعد أحد أكثر الشوارع حيوية في المدينة، شارع الحياة الذي لا ينام أبداً. وقد عرف، منذ منتصف القرن الـ 19 وحتى منتصف القرن الـ 20، بشارع المطابع وورش ومكاتب دور النشر، كما أنه ينعت بشارع المثقفين والفنانين والسياسيين لاحقاً، ويسجل تاريخ الثقافة في الجزائر الكولونيالية بأن في هذا الشارع تأسست، مطلع منتصف القرن الـ 19، منشورات ليون مارسيل، ومنشورات جوردان التي طبعت كثيراً من الأعمال الكولونيالية وأيضا أعمال بعض الكتاب العمداء في الأدب الوطني، ومن ذلك يمكن ذكر كتاب الدكتور محمد بن شنب (1869-1929) "الأمثال الشعبية الجزائرية والمغاربية" (بالفرنسية وبالعربية)، وهنا كانت تطبع "المجلة الأفريقية" الدورية العالمية التي كانت تصدر عن "الجمعية التاريخية الجزائرية" ابتداء من منتصف القرن الـ 19، ومن هذا الشارع خرجت مجموعة من القواميس المزدوجة أو الثلاثية (العربية والفرنسية والأمازيغية)، ومن الكتب المهمة التي صدرت أيضا كتاب "تاريخ انتفاضة 1871 في الجزائر Histoire de l’insurrection de 1871 en Algérie.
وقد شكل هذا الشارع فضول كثيرين من الأدباء والكتاب والفنانين العالميين الذين زاروه وأعجبوا بحركيته وبطبيعة الحياة فيه ومن أمثال هؤلاء: الفنان التشكيلي الشهير بول بلموندو أب الممثل الشهير جان بول بلموندو، والذي ولد في الجزائر عام 1898 وهو أحد المغرمين بهذا الشارع، وتشارلي شابلين، وكارل ماركس، وألبير كامو، وكاتب ياسين، ومحمد ديب، وجان سيناك، وإيمانويل روبليس، وستيفان غزيل وغيرهم كثيرون، وكان هذا الشارع أيضاً فضاء استراتيجياً للمجاهدين سنوات الثورة الجزائرية.
هذه الظروف الثقافية الفنية التي عمرت وتراكمت على مدى قرن من الزمن في شارع طنجة هي التي أسهمت في صناعة رمزية مطعم "ملك اللوبيا" لاحقاً.
ومطعم "ملك اللوبيا" مؤسسة شعبية بسيطة، اشتهرت بتقديم صحن "الفاصولياء البيضاء" مطهية في مرق الطماطم بالتوابل، مع قطع اللحم أو العظم أو في شكل "لوبيا حافية" أي من دون لحم، وهي أكلة شعبية بسيطة لكنها مدهشة نظراً للأنامل التي تطبخها جيلاً بعد جيل.
والمكان ضيق جداً حتى إن بعض الزبائن يتناولون فيه وجباتهم وقوفاً، وهناك بعض الطاولات القليلة المتقاربة والمتلاصقة، ومع اقتراب موعد الغذاء يلاحظ طابور الزبائن على الباب من الرجال والنساء من كل الطبقات الاجتماعية وهو ما يمنح المكان بهجته ويعطي الشارع بهاء كبيراً.
وإذا كان مطعم "ملك اللوبيا" هو معلمة ثقافية شعبية بسيطة مرتبطة بفن الطهي الشعبي، فقد كان لمدينة الجزائر العاصمة مطاعم شعبية أخرى مثلت بحق فضاءات مفتوحة للقاءات المثقفين والفنانين والإعلاميين والناس البسطاء، ونعني بها سلسلة مطاعم المسالخ القديمة التي بنيت مطلع القرن الـ 20 في حي العناصر بحسين داي على الحدود مع حي بلكور العتيق، "محمد بلوزداد" حالياً، هنا كانت مملكة الشوائين، مملكة المشاوي بامتياز، مطاعم صغيرة مثيرة وجذابة، فيها تظهر العبقرية الشعبية في الضيافة والنظافة والفرح والموسيقى الشعبية التي لا تتوقف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حتى عام 2006، لا أحد يزور المحروسة (الجزائر العاصمة مدينة سيدي عبدالرحمن الثعالبي) إلا ويتوقف بمطاعم المسالخ يتذوق فن الشواء ويستمتع ببهجة المكان وشعبيته في جو يستقبل كل أطياف المجتمع ومن كل الطبقات، أذكر أنني تناولت وجبات الغذاء في هذه المطاعم مرات كثيرة صحبة أصدقاء من الكتاب والمفكرين والفلاسفة من أمثال بيير شوفينمان، وزوجة جاك بيرك، ومارغريت ديريدا المترجمة والعالمة النفسانية وزوجة الفيلسوف جاك ديريدا ذي الأصول الجزائرية، والفيلسوف الفرنسي جون لوك نانسي، والمفكر مصطفى شريف، والشاعر قاسم حداد، والمخرج الكبير لخضر حامينا، وكان الجميع يبدي دهشته بجمال وبساطة المكان ونبل الشخصية الجزائرية المضيافة.
وفي عام 2010، وللمحافظة على هذا الفضاء الرمزي الذي بدأ يتآكل شيئاً فشيئاً ويزحف عليه الإهمال، وبحماسة كبيرة تقدمت مجموعة من المثقفين بمشروع يدعو إلى تحويل هذه المسالخ وأطرافها إلى مركب ثقافي مميز يعمّق أصالة المدينة على غرار ما حصل للمسالخ في روما وغيرها، إلا أن الجانب النفعي العمراني هزم المشروع الثقافي، وهكذا جرى تهميش هذا المشروع ولم يكتمل حتى الآن المشروع العمراني، وحتى الآن ما بقي من بنايات المسالخ ومحيطها وشارع الشوائين يتهاوى وينهار يومياً.
هل يمكننا اليوم أن ننقذ هذا المشروع الحضاري ونعيد إحياء هذا الحلم في إقامة مركب ثقافي نموذجي يتشكل من قاعات للفنون التشكيلية، وقاعات لورش الحرف التقليدية، وبيت الشعر، وصالة للعروض السنيمائية، وغيرها، وربطها بممر نحو السابلات (خليج العاصمة) وهو الفضاء الذي أصبح مزاراً مدهشاً للعائلات العاصمية ولزوار المدينة؟
وكما كتب كثيرون عن أجواء البهجة في مطعم "ملك اللوبيا" من قبل جزائريين وعرب وأجانب، فقد كُتب أيضاً عن مطاعم مسالخ الجزائر العاصمة وشارع الشوائين لما لها من نكهة خاصة في الحياة اليومية للمدينة.
البساطة فن لا يتقنه إلا القلة، ولذلك فإن المطاعم الشعبية البسيطة والعريقة ليست فضاءات للاستهلاك، إنها فضاءات ثقافية بامتياز، فكلما تأملنا تاريخها وقرأنا مسيرة المثقفين الفاعلين الذي مروا بها أو كتبوا عنها أو أعجبوا بها فإننا ندرك بأن المدن كلما فرغت من فضاءاتنا الشعبية هذه، فإن أحياءها تفرغ من حسها الثقافي، وتتعرض أبعادها الإنسانية للتجفيف ومن حمولتها الرمزية الكبرى للثقوب والاهتراء.
مرات كثيرة أتساءل لماذا جائزة كبيرة كجائزة "غونكور" العريقة الفرنسية يعلن الفائز بها في مطعم "دروان" Drouant بباريس؟ فلماذا يا ترى لا نتخذ من مطعم "ملك اللوبيا" الشعبي العريق فضاء سنوياً للإعلان عن جائزة آسيا جبار التي كانت هي الأخرى معجبة بشارع طنجة ومطعم "ملك اللوبيا"؟ إن إعلان الجائزة في مطعم "ملك اللوبيا"، سيكون حدثاً ثقافياً بامتياز وبدمغة جزائرية خاصة، وفي الوقت نفسه يعيد للمكان ذاكرته العميقة والعتيقة وللعبقرية الشعبية قيمتها التاريخية.