ملخص
سردية "المناطق العازلة" بدت سياسة تل أبيب الجديدة، في مساع لاستغلال الفرصة وضرب الطيور جميعها بحجر واحد عبر التوسع على حساب أراضي الجوار، ورسم حدود جديدة لدولة إسرائيل التي تعيد رسم قواعد الاشتباك مع دول المنطقة.
في حين ينشغل العالم بأحداث الحرب الإيرانية وتداعياتها على المنطقة، تخوض تل أبيب معركتها في الظل، بعيداً من دخان المعارك الدائرة في الأجواء، هادفة إلى قضم مزيد من الأراضي بذريعة إنشاء منطقة عازلة تحمي حدودها الشمالية والمستوطنات المتاخمة للبنان.
سردية "المناطق العازلة" بدت سياسة تل أبيب الجديدة، في مساع لاستغلال الفرصة وضرب الطيور جميعها بحجر واحد عبر التوسع على حساب أراضي الجوار، ورسم حدود جديدة لدولة إسرائيل التي تعيد رسم قواعد الاشتباك مع دول المنطقة.
بين الثلوج
خلال الـ29 من مارس (آذار) الماضي، توغلت قوات من الجيش الإسرائيلي باتجاه الأراضي اللبنانية من الجولان في تطور ميداني غير مسبوق يوحي بفرض خطط تهدف إلى توسيع رقعة الحرب، وتنفيذ اشتباكات من جهات عدة للسيطرة على جنوب لبنان، ولكن هذه المرة يطل جبل الشيخ (ارتفاعه 2814 متراً) كرأس حربة في الحرب الجديدة.
وبين الثلوج المتراكمة، وفي أعقاب تدريبات عسكرية مكثفة استمرت حتى وقت قصير في جبل الشيخ لمعركة تحاكي الهجوم على قرى لبنانية، نفذت قوات من وحدة "رجال الألب" التابعة للواء الجبال 810 في الجيش الإسرائيلي عملية عابرة للحدود للمرة الأولى، انطلقت من جبل الشيخ في شقه السوري نحو منطقة جبل روس جنوب لبنان، وبرر الجيش ذلك بإحباط محاولات تموضع ما وصفها بـ"تنظيمات إرهابية" داخل منطقة الحدود مع لبنان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان جبل الشيخ، ويسمى أيضاً جبل حرمون، سقط بيد الإسرائيليين بعد أسابيع من سقوط نظام بشار الأسد خلال الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 وهربه إلى موسكو، وعمدت وحدات خاصة إلى التوغل جنوب سوريا وصولاً إلى القمة الجبلية الاستراتيجية في تطور ميداني خطر، نظراً إلى ما تتميز به هذه القمة بإطلالتها على دول لبنان وسوريا وفلسطين. ويمتد الجبل من بانياس السورية مروراً بالجولان وصولاً لوادي الحرير، ويعد أعلى نقطة مطلة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط.
وجاء في بيان خاص للجيش الإسرائيلي حول العملية "عملت القوة الخاصة في تضاريس جبلية معقدة، وعبرت الحدود من خلال تسلق الثلوج من جبل الشيخ في الجانب السوري باتجاه العمق الحدودي اللبناني، لتنفيذ أعمال تمشيط وجمع معلومات استخباراتية، وكشف بنى تحتية إرهابية في المنطقة باستخدام القدرات الفريدة لوحدة الكوماندوز الجبلية".
في عمق لبنان
"إنشاء منطقة عازلة" هو ما تريده إسرائيل داخل الأراضي الجنوبية وفق ما كشفه وزير الدفاع يسرائيل كاتس أمس الثلاثاء الـ31 من مارس الماضي، التي تمتد حتى نهر الليطاني، مع فرض سيطرة كاملة وتمركز شبه كامل للقوات في جنوب لبنان بمنطقة تصل لنحو 40 كيلومتراً شمال الخط الأزرق (الفاصل بين إسرائيل ولبنان). ولم يخف كاتس عدم تمكن 600 ألف مدني نزحوا من مناطق الجنوب المأهولة بالسكان من العودة إلى المناطق الواقعة جنوب الليطاني.
ولعل منع المدنيين من العودة يثير مخاوف من إعادة احتلال أراضٍ لبنانية كما حدث في فترة الاجتياح الإسرائيلي خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وثمة طريق يسير فيه فريق الصقور في قيادة تل أبيب السياسية بفرض موقف حازم باتجاه "جولنة" جنوب لبنان ولا سيما جنوب الليطاني، وتحويل هذه المناطق إلى جولان جديد. وذكرت القناة 12 العبرية أن الفريق العسكري الذي عارض هذه الخطة في البداية عاد وأيدها لاحقاً، باعتبارها الأنسب لتغير الواقع الأمني على الحدود الشمالية، بالتالي نقل خط الدفاع العملياتي للجيش إلى العمق اللبناني على بعد ثماني كيلومترات في الأقل من الحدود الدولية، وسط أنباء عن تنفيذ خطط توسعية لإنشاء منطقة عازلة.
وأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جيشه أوائل مارس الماضي باحتلال مناطق إضافية جنوب لبنان بذريعة حماية المستوطنات الشمالية، ومنع احتمال أي قصف مباشر لها، في حين قصف "حزب الله" اللبناني قواعد عسكرية إسرائيلية منها قاعدة "رامات" وتحوي ثلاث قواعد جوية، وقاعدة "ميرون" وقاعدة "نفح" في مرتفعات الجولان.
يجزم المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية العقيد محسن حمدان لـ"اندبندنت عربية" باستغلال إسرائيل ضعف الجيش السوري اليوم، في ظل التجاذبات السياسية وعدم استقرار الوضع الداخلي، لتوسيع المنطقة العازلة في الجنوب السوري، متابعاً "أما بالنسبة إلى جنوب لبنان فالهدف خلق واقع جديد بإيجاد منطقة أمنية عازلة حتى نهر الليطاني واحتلالها، وتدمير البنية العسكرية التحتية لـ’حزب الله‘ وأسلحته، وإبعاد أي خطر للقصف على شمال إسرائيل، ودفع قوات الحزب إلى الشمال، مع استمرار الضغط على حاضنته في الضاحية الجنوبية".
نشاط عابر للحدود
ويعتقد حمدان أن هذا الطريق سالك بالنسبة إلى تل أبيب، وبخاصة أنه يأتي مع وجود الانقسامات والخلافات داخل الحكومة اللبنانية، وضعفها تجاه نزع سلاح الحزب، وحتى الموقف من إيران وتدخلها في الشأن الداخلي اللبناني، وهو ما ظهر خلال طلب الحكومة اللبنانية من السفير الإيراني مغادرة لبنان، وظهور انقسام حيال القرار.
في المقابل، أطلق "حزب الله" قرابة 50 صاروخاً وطائرة مسيرة على دفعات ليلية منذ الـ31 من مارس الماضي نحو بلدات ومواقع في حيفا ومنطقة الجليل، مع معلومات عن سقوط شظايا صاروخية بمواقع عدة من دون الإبلاغ عن وقوع إصابات، وذلك مع إعلان الحزب عن عمليات أطلق عليها "خيبر 2" استهدفت قواعد وبلدات إسرائيلية.
ويروج الجيش في تل أبيب إلى أن قواته، ولا سيما الفرقة 210، تواصل انتشارها داخل المنطقة لحماية أمن مواطني إسرائيل وخصوصاً سكان الشمال، بينما قال المتحدث باسم الجيش أفيخاي أدرعي "قواتنا دخلت الجنوب اللبناني من الجولان السوري، الذي نسيطر عليه منذ عام 2024، للمرة الأولى ضمن نشاط عابر للحدود".
يأتي هذا وسط تحضيرات عسكرية واستعدادات في تل أبيب لتوسيع نطاق سيطرتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة ترفع نسب التصعيد إلى أعلى مستوياتها في المنطقة.