Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إليزابيت رودينيسكو تواجه ذكورية علم النفس بـ"أريكة النساء"

تعيد الاعتبار إلى شخصيات نسوية تم تهميشها وتكشف مسارها التاريخي والعلمي

المرأة في مرآة التحليل النفساني (المكتبة الوطنية الفرنسية)

ملخص

"أريكة النساء" كتاب المؤرخة والمحلّلة النفسية الفرنسية إليزابيت رودينيسكو (منشورات "سوي"، 2026) محاولة لإعادة كتابة تاريخ التحليل النفسي أو المنهج العلاجي الذي طوره سيغموند فرويد لفهم العمليات العقلية اللاشعورية من زاوية النساء اللواتي شاركن في تأسيس هذا الحقل المعرفي وأسهمن في تطوّره النظري والسريري.

بينما ارتبط تاريخ التحليل النفسي تقليدياً بأسماء رجال كبار أمثال سيغموند فرويد وكارل غوستاف يونغ وألفريد أدلر وجاك لاكان، تسعى إليزابيت رودينيسكو إلى إظهار أن هذا التاريخ لا يمكن فهمه من دون استعادة الدور المركزي الذي لعبته النساء إما كمريضات شكّلت معاناتهن مادة أولية للنظرية النفسية، أو كمفكرات ومحللات نفسانيات أسهمن في بناء هذا العلم الجديد.

يندرج الكتاب في سياق مشروع فكري طويل للمؤلفة التي كرّست جزءاً كبيراً من أعمالها لدراسة تاريخ التحليل النفسي وشخصياته الرئيسة. لكنها في هذا العمل لا تكتفي بسرد وقائع تاريخية أو تقديم سيّر فردية تعيد الاعتبار لشخصيات نسوية ظلّت مساهماتها مهمّشة أو منسية، بل تقترح قراءة نقدية لمسار التحليل النفسي من خلال تاريخ النساء اللواتي شاركن في صناعته. هكذا يتحول الكتاب إلى نوع من "تاريخ موازٍ" يكشف عن شبكة من المصائر النسوية التي ظلت طويلاً مهمّشة في الروايات التقليدية.

تنطلق إليزابيت رودينيسكو من ملاحظة أساسية مفادها أن النساء كنّ حاضرات منذ اللحظة الأولى لولادة هذا العلم السيكولوجي الجديد. فقبل أن يصبحن محللات أو باحثات، ظهرت أسماءهن في موقع المريضات اللاتي خضعن للتجارب السريرية الأولى. ففي نهاية القرن التاسع عشر، حين كانت ظاهرة "الهستيريا" التي عُدّت مرضاً أنثوياً بامتياز، تشغل بال الأطباء والباحثين، مثّلت النساء النسبة الأكبر من الحالات التي دُرست في المصحات والمستشفيات الأوروبية. وقد أسهمت حالاتهن وأعراض أمراضهن وقصصهن الشخصية في توجيه أبحاث سيغموند فرويد وتلامذته وبلورة المفاهيم الأساسية وصياغة النظريات الأولى للتحليل النفسي.

تُظهر رودينيسكو أن أولئك المريضات لم يكنّ مجرد "موضوعات" للبحث العلمي، إذ لعبت بعضهن دوراً حاسماً في تكوين النظرية النفسية. فالكثير من المفاهيم التي طوّرها فرويد وتلامذته نشأت من الحوار مع أولئك النساء ومن تحليل تجاربهن السيكولوجية. غير أن التاريخ العلمي التقليدي أخفى أسماءهن الحقيقية وقدمهن غالباً  كـ"حالات سريرية" حملت أسماءً مستعارة.

رد اعتبار

وقد أرادت إليزابيت رودينيسكو ردّ الاعتبار لتلك السيدات، كـ بيرتا بابنهايم التي عُرفت باسم "آنا أو"، والتي عانت من اضطرابات نفسية وعصبية بعد مرض والدها، فخضعت للعلاج على يد الطبيب النمساوي جوزيف بروير الذي أعلم فرويد بحالتها، بانياً انطلاقاً من مرضها أول تحليل له عن الهستيريا؛ أو "بلانش ويتمان" أشهر مريضة هيستيريا عند طبيب الأعصاب جان مارتن شاركو والتي عُرضت حالتُها في مستشفى "بيتي لا سالبيتريير" في باريس، أو "مارغريت آنزيو" المريضة الذُهانية التي عُرفت في كتابات جاك لاكان باسم "حالة إيميه"، أي الحالة الإكلينيكية التي اعتمد عليها في تحليل ذُهان البارانويا وتطوير نظرية "مرحلة المرآة". أولئك النسوة كنّ برأي رودينيسكو "القابلات" الحقيقيات اللاتي ساعدن على ولادة النظريات النفسية، وأن معاناتهن وتجاربهن الخاصة شكّلت المادة الأولى التي تفكّر فيها رواد العلم النفسي الجديد.

تتمثل إحدى الأفكار الرئيسة التي يدافع عنها الكتاب في التحول التاريخي الذي جعل بعض أولئك النساء ينتقلن من موقع المريضة إلى موقع المحللّة النفسية. ففي بدايات القرن العشرين، ومع انتشار أفكار فرويد، تقول رودينيسكو إن نساء كثيرات بدأن الانخراط في هذا الحقل العلمي الجديد. بعضهن كن تلميذات لفرويد أو ليونغ، وبعضهن الآخر شكل ارتباطهن العائلي بالرواد مدخلاً لاشتراكهن في هذا العمل الفكري.

تتتبع رودينيسكو مسارات الرائدات اللاتي أسهمن في تأسيس التحليل النفسي وتطويره. فتتوقف عند سيرة النفسانية والطبيبة والكاتِبة الروسية سابينا شبيلرين التي عملت خلال فترة دراستها في الكلية الطبيّة كمساعدة ليونغ، وكانت كذلك أحد مرضاه، وهي من أوائل من يعود إليهم الفضل في إدخال مفهوم حافز الموت ودرس حالة الفصام؛ والروسية الألمانية لو أندرياس-سالومي التي لعبت دوراً فكرياً مهماً في مناقشة مفاهيم النرجسية وسيكولوجية الجنس الأنثوي؛ والنمساوية مارغريت هيلفردينغ التي كانت أول امرأة تنضم إلى الجمعية التحليلية النفسية في فيينا.

مسار فكري ومهني

تُظهر هذه الشخصيات النسوية كيف تحولت تجربة العلاج النفسي بالنسبة لبعض النساء إلى مسار فكري ومهني جديد. فقد وجدْن في التحليل النفسي فضاءً يسمح لهن بممارسة التفكير والعمل العلمي في زمن كانت فيه فرص التعليم والعمل محدودة بالنسبة للمرأة. وتوضح رودينيسكو أن الحركة التحليلية في بداياتها كانت أشبه بشبكة عائلية تجمع بين الصداقة والعلاقات الشخصية والمهنية. فالعديد من النساء اللواتي دخلن هذا المجال كنّ زوجات وبنات أو قريبات لمحللين نفسيين، أو مريضات سابقات تحولن لاحقاً إلى زميلات لهم. ولعل هذا الطابع "العائلي" للحركة التحليلية النفسية أسهم في البداية في توسيع مشاركة النساء، لكنه في الوقت عينه جعل موقعهن هشّاً. إذ كان وجودهن في أغلب الأحيان مرتبطاً بعلاقات شخصية مع الرجال المؤسسين، الأمر الذي جعل الاعتراف بإسهاماتهن العلمية أمراً متأخراً أو محدوداً. مع ذلك استطاعت بعض النساء أن يفرضن حضورهن كمفكرات مستقلات.

يُبرز الكتاب كذلك الدور الذي لعبته آنا فرويد التي تعدّ من أوائل مؤسسي التحليل النفسي للطفل، وميلاني كلاين التي درست التكوين النفسي للأطفال. وقد نشب بين الباحثتين جدل نظري كبير حول طبيعة الحياة النفسية لدى الطفل، أسهم في إثراء النظرية التحليلية وتوسيع مجالاتها.

يبيّن كتاب "أريكة النساء" أيضاً أن تاريخ مساهمة النساء في تطوير علم التحليل النفسي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الهجرات الفكرية في القرن العشرين. فمع صعود النازية في أوروبا، اضُطر العديد من المحللين والمحللات النفسانيات إلى مغادرة القارة العجوز والانتقال إلى بلدان أخرى، لا سيّما بريطانيا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية. وقد لعبت بعض النفسانيات دوراً بارزاً في نشر العلم الجديد في هذه البلدان. ففي الولايات المتحدة الأميركية، أسهمت محللات نفسانيات كـ هيلين دويتش وكارين هورني في تطوير اتجاهات نظرية جديدة.

عوامل وعلاقات

فقد كانت هورني من الفرويديين الجدد ومن منظري الشخصية الذين تأثروا كثيراً بفرويد، غير أنها خالفته في بعض أفكاره الرئيسة، لا سيّما تحليله لنفسية الإناث وتأكيده على الغرائز الجنسية، مشددةً على العوامل البيئية والعلاقات الاجتماعية في تشكيل الشخصية التي يعيشها الفرد في طفولته. أما في أميركا اللاتينية وفي الأرجنتين تحديداً، فقد شاركت النمساوية ماري لانغر في إدخال التحليل النفسي إلى الأوساط الثقافية والطبية. وتشير رودينيسكو إلى أن هذه الهجرات لم تكن مجرد انتقال جغرافي بقدر ما كانت انتقالاً فكرياً أدى إلى تنوع المدارس التحليلية وتعدد مقارباتها. وهكذا تحول التحليل النفسي من حركة أوروبية محدودة إلى شبكة عالمية من الممارسات والنظريات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الموضوعات المهمة التي يتناولها الكتاب أيضاً علاقة النساء بالتحليل النفسي للأطفال. فبسبب القيود الاجتماعية التي كانت مفروضة آنذاك على تعليم النساء وعملهن، وُجهت كثيرات منهن نحو دراسة الطفولة والاضطرابات النفسية لدى الأطفال. لكن هذا التخصص لم يكن مجرد نتيجة للقيود الاجتماعية، بل أصبح مجالاً خصباً للإبداع النظري. فقد طورت محللات نفسانيات كإبنة فرويد آنا وميلاني كلاين وفرانسواز دولتو مقاربات جديدة لفهم النمو النفسي عند الأطفال، وأسهمن في تحويل المنهج النفسي العلاجي والنظري، إلى أداة لفهم العلاقات العائلية والتربوية.

يتبين مما سبق أن النساء لم يكتفين بالمشاركة في الحركة التحليلية النفسية، بل لعبن دوراً حاسماً في توسيع نطاقها النظري والسريري.

إلى جانب تقديم كتاب رودينيسكو تاريخ نسوي للتحليل النفسي، تقترح الكاتبة قراءةّ نقدية لميراث هذا العلم. فهي تشير إلى أن العلاج التحليلي، نشأ في سياق ثقافي كان ينظر إلى المرأة ككائنٍ أقل عقلانية من الرجل وأكثر خضوعاً للعاطفة. وقد انعكست هذه التصورات في بعض المفاهيم النظرية التي طورها فرويد وتلامذته. لكنها توضح كيف أن مشاركة النساء في هذا المجال أسهمت في إعادة النظر في تلك المفاهيم والتصورات. ذلك أن العديد من المحللات النفسانيات حاولن إعادة تفسير مفاهيم مثل النرجسية أو الأنوثة أو العلاقة بالأم من منظور مختلف، مما أدى إلى إثراء النقاشات النظرية داخل الحركة التحليلية. هذا يعني أن كتاب "أريكة النساء" أظهر، إلى جانب إنصاف شخصيات نسوية منسية، كيف أن مساهمة النساء كانت جزءاً أساسياً من تطور الفكر التحليلي النفسي.

خلاصة القول، إن كتاب "أريكة النساء" يقدم رؤية شاملة لتاريخ التحليل النفسي من منظور جديد. فمن خلال تتبع مسارات عدد كبير من النساء المشهورات وشبه المجهولات تكشف إليزابيت رودينيسكو عن شبكة معقدة من العلاقات الفكرية والشخصية التي أسهمت في تشكّل هذا الحقل المعرفي.

لا تكمن أهمية الكتاب في إعادة الاعتبار لدور النساء في تاريخ التحليل النفسي فحسب، بل في إظهار أن هذا التاريخ نفسه لا يمكن فهمه إلا إذا أُعيدت قراءته بوصفه تاريخاً جماعياً شاركت في صنعه شخصيات نسوية متعددة، يتتبع الكتاب مسارهن خارج فيينا، مهد الاكتشاف الفرويدي، ليصل إلى عدة مدن كبرلين ولندن وباريس ونيويورك وبوينس آيرس وريو دي جانيرو، حيث لعبت النساء دوراً مهماً في تطوير الممارسة السريرية وفي نشر الأفكار التحليلية في كل أنحاء العالم.

إن كتاب رودينيسكو هو نوع من التكريم للنساء اللواتي شاركن في بناء التحليل النفسي، سواء كنّ مشهورات أو بقين في الظل. فهو يقدّم سرداً تاريخياً يجمع بين السيرة الذاتية والتحليل الفكري، ويظهر أن النساء كنّ جزءاً أساسياً من تطور هذا العلم، وأن فهم تاريخ التحليل النفسي يظل ناقصاً من دون الاعتراف بمساهماتهن.

اقرأ المزيد

المزيد من كتب