Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قزوين... بحر مغلق وصراعات مفتوحة

كنز الغاز والنفط وممر الطاقة والأسلحة ونقطة ربط جيوسياسية بين آسيا وأوروبا ومحور استراتيجي في التنافس بين الولايات المتحدة والصين

لعب دوراً مهماً في بلورة أوراسيا الحديثة واليوم يعاد اكتشافه (مواقع التواصل)

ملخص

كانت هذه الضربة الأولى من نوعها من جانب إسرائيل في هذا الموقع، وأعادت للواجهة أهمية أكبر بحر مغلق في العالم، الذي يربط موانئ روسية وإيرانية تفصل بينها مسافة تقارب 600 ميل، مما جعله ممراً حيوياً لتبادل الأسلحة والسلع مثل القمح والنفط، بعيداً من نطاق البحرية الأميركية.

في الأسبوع الثالث من الحرب الدائرة في إيران، نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية تقريراً عن ضربة عسكرية إسرائيلية استهدفت موقعاً بحرياً في بحر قزوين. وقالت مصادر مطلعة إن الخطوة تهدف إلى تقويض الدعم الروسي لإيران خلال الحرب، عبر ضرب أحد خطوط الإمداد المستخدمة لنقل الذخائر والطائرات المسيرة والأسلحة.

كانت هذه الضربة الأولى من نوعها من جانب إسرائيل في هذا الموقع، وأعادت للواجهة أهمية أكبر بحر مغلق في العالم، الذي يربط موانئ روسية وإيرانية تفصل بينها مسافة تقارب 600 ميل، مما جعله ممراً حيوياً لتبادل الأسلحة والسلع مثل القمح والنفط، بعيداً من نطاق البحرية الأميركية.

وفي إطار المواجهات الإيرانية - الإسرائيلية، قال القائد السابق للبحرية الإسرائيلية أليعازر ماروم "الهدف الرئيس من الضربة كان الحد من عمليات التهريب الروسية، وإظهار ضعف الدفاعات البحرية الإيرانية في بحر قزوين".

وعلى رغم حساسية المواجهات العسكرية بين طهران وتل أبيب، أثارت أنباء هذه الضربة تساؤلات حول بحر قزوين وأهميته، ومستقبل بيئته الجيولوجية وأخطارها. كما سلطت الضوء على وضعه كنقطة ربط جيوسياسية بين القارتين الأوروبية والآسيوية، إضافة إلى أهميته الاستراتيجية في التنافس بين الولايات المتحدة والصين.

في هذه القراءة نحاول مساءلة عدد من القضايا المتعلقة ببحر قزوين، من حيث الواقع والآفاق.

بحر قزوين.. رؤية جغرافية

يبقى بحر قزوين أحد أهم المسطحات المائية الداخلية في العالم، ويقع بين قارتين لذلك لا يعد مجرد خليج كبير ضمن محيط قديم، بل بحيرة ضخمة ذات تاريخ طويل وموقع استراتيجي مهم للدول المحيطة به.

وبمزيد من التفصيل، هو بحر مغلق يعرف كذلك باسم بحر الخزر، وباللاتينية Mare Caspium. يقع في غرب آسيا على مساحة 371 ألف كيلومتر مربع، مما يجعله أكبر بحر مغلق في العالم.

يبلغ طول بحر قزوين 1200 كيلومتر، ويصل عرضه إلى 300 كيلومتر، بينما يبلغ أقصى عمق له 1023 متراً.

يمثل بحر قزوين نقطة مهمة على خريطة الجغرافيا العالمية، إذ يقع قرب الحدود الأوروبية - الآسيوية، تحديداً جنوب شرقي أوروبا وغرب آسيا، وتحده خمس دول هي روسيا وكازاخستان وإيران وأذربيجان وتركمانستان.

وتملك هذه الدول منفذاً بحرياً، ومزايا اقتصادية مرتبطة بهذا الموقع الاستراتيجي.

تاريخياً، سكن جوانب بحر قزوين القزوينيون، ومنهم عروة القزويني، الشخصية الأسطورية التي ذاعت أخبارها في تلك المنطقة. وعرف بحر قزوين أيضاً في القرون الوسطى باسم بحر الخزر، نسبة إلى مملكة الخزر اليهودية التي قامت على شواطئه الشمالية بين القرنين السابع والعاشر الميلادي.

وإذا كان لموقع بحر قزوين أهمية جغرافية، فإن الطبيعة أضفت عليه أهمية إضافية عبر موارده الكثيرة، التي تعد كنزاً استراتيجياً للدول الواقعة على شواطئه.

صراع على الموارد

تعد منطقة بحر قزوين من المناطق الغنية بموارد الطاقة من النفط والغاز، ويضاف إليهما مورد آخر هو الكافيار (بيض السمك).

اكتشف النفط في منطقة بحر قزوين منذ قرون عديدة، ويعد حقل تنجيز ثاني أكبر حقول النفط في العالم، ويقع في مستنقعات الشاطئ الشمالي الشرقي للبحر في كازاخستان.

وحتى مطلع القرن الـ20، كانت حقول نفط باكو في أذربيجان تؤمن كميات كبيرة من النفط لدول آسيا.

وعطفاً على النفط، فإن منطقة بحر قزوين غنية بالغاز الطبيعي، ويقدر احتياط دول المنطقة بنحو 232 تريليون قدم مكعب من الغاز، ويحتل البحر المرتبة الرابعة بعد روسيا وإيران وقطر من حيث حجم احتياطه من هذه المادة، التي تشكل مع النفط الخام عامل جذب لكثير من الدول الكبرى وشركات النفط الساعية إلى استخراجه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونظراً إلى ثراء بحر قزوين بالنفط والغاز الطبيعي، تصارعت الدول الخمس المطلة عليه لتقاسمه، حتى اتفقت على معاهدة الوضع القانوني لبحر قزوين عام 2018، بعد أكثر من 20 عاماً من المداولات.

تتمتع دول منطقة بحر قزوين، وتحديداً أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، باقتصادات قائمة على الموارد الطبيعية عالية القيمة. ويشكل النفط والغاز أكثر من 10 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، و40 في المئة من صادراتها، وتعتمد اقتصادات دول المنطقة على هذه الثروات بدرجة كبيرة. كما تأثرت أسواق الطاقة العالمية بأذربيجان وكازاخستان بعد اكتسابهما أهمية استراتيجية في هذا المجال، مما جذب حصة كبيرة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

تاريخياً، سمح انهيار الاتحاد السوفياتي بفتح الأسواق في المنطقة، وأدى ذلك إلى إقبال شركات النفط العالمية على الاستثمار وتطوير المنطقة بصورة مكثفة.

وقال نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني عام 1998 "لا يسعني التفكير، في وقت برزت منطقة احتلت قدراً مماثلاً من الأهمية الاستراتيجية، كما هي الحال في بحر قزوين".

وعلى رغم الاتفاقات التي نظمت تعاون الدول المطلة عليه، لا يزال الجدل قائماً حول خطوط أنابيب النفط والغاز المقترحة العابرة لبحر قزوين. ومن شأن هذه المشاريع أن تفتح الأسواق الغربية على إمكان الوصول بسهولة إلى النفط الكازاخي، وربما الغاز الأوزبكي والتركماني أيضاً.

بحر مغلق وصراعات مفتوحة

فرضت جغرافياً بحر قزوين أدواراً مختلفة على الدول المشاطئة له، بعضها قاد إلى تفاهمات، وبعضها أشعل صراعات.

وبالنظر إلى خريطة بحر قزوين، تظهر ثلاث دول لا تملك منافذ على البحار الأخرى، هي أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان، بينما تملك روسيا وإيران منافذ أخرى. لذلك تحتاج الدول الثلاث إلى مد أنابيب للنفط والغاز لإيصال إنتاجها إلى الخارج، وهي بحكم الواقع تحتاج إلى روسيا وإيران.

تمتلك روسيا، بوصفها وريثة الاتحاد السوفياتي السابق، جزءاً كبيراً من هذه الخطوط التي تمر عبر أراضيها إلى البحر الأسود أو إلى أوروبا مباشرة، مما يمنحها قدرة على التحكم بممرات الطاقة.

ومع تزايد أهمية حوض بحر قزوين كمنطقة ذات ثقل سياسي واقتصادي، ازدادت حدة المنافسة العالمية السياسية والتجارية بين الدول الكبرى لإيجاد موطئ قدم في هذه الموارد.

منذ تسعينيات القرن الماضي، وبعد تفكك الاتحاد السوفياتي، بدأت كبريات شركات النفط الأميركية التطلع إلى الاستحواذ على حصة كبيرة من موارد المنطقة الطاقوية، بحثاً عن نفط بديل أو مكمل لنفط الخليج العربي.

 

وفي سياق متصل، رسمت دوائر الاستخبارات الغربية أدواراً لتلك الشركات بهدف تعزيز النفوذ في آسيا الوسطى، انطلاقاً من أن ما لا يتحقق بالسياسة قد ينجز عبر الاقتصاد، وبذلك كانت واشنطن تسعى إلى الحد من عودة موسكو للعب دور مهيمن على تلك الدول.

وظهر أيضاً أن من ينجح في بسط نفوذه على بحر قزوين قد يتمكن في مرحلة ما من منافسة منظمة "أوبك"، أو الضغط عليها.

وفي موازاة ذلك، حضرت فكرة الحد من تمدد الصين في المنطقة، باعتبارها قوة صاعدة ومتطلبة للطاقة، وبذلك تبقى منطقة بحر قزوين مساراً أساسياً في الحسابات المرتبطة بالتنافس الدولي.

كما لم تغب إيران عن حسابات القوى الغربية، إذ عد تعزيز الوجود الغربي عاملاً لكبح نفوذ طهران في دول آسيا الوسطى.

ويضاف إلى ذلك السعي إلى قطع الطريق على تقارب روسي - صيني، لا سيما بعد اندلاع الأزمة الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022.

هل كان على رؤساء الدول المطلة على بحر قزوين اليقظة لما يجري من حولهم؟

قمة عشق آباد ومواجهة المستقبل

بمبادرة من تركمانستان، عقدت في أبريل (نيسان) 2002، في مدينة عشق آباد، قمة لرؤساء دول بحر قزوين، وكان لها أثر في مسارين.

من جهة، أرست أساساً لعملية تفاوض منهجية متعددة المستويات ومنتظمة في المنطقة.

ومن جهة ثانية، طرحت رؤى مستقبلية للتعامل مع السيولة الجيوسياسية الدولية.

بدت تركمانستان واعية مبكراً لما يجري، وأدركت أهمية تحديد أولويات سياسة مشتركة لدول البحر، بخاصة بعد تنامي أهمية المنطقة جيوسياسياً واقتصادياً، بوصفها نقطة وصل بين أوروبا وآسيا.

كانت قمة عشق آباد محطة لتفاهمات بين قادة الدول الخمس، وبفضل هذا المسار جرى التوصل إلى اتفاقات متعددة في المجالين السياسي والدبلوماسي، مما فتح الباب أمام حوار أوسع وتعاون أكثر استدامة.

وكانت القمة خطوة أولى في مسيرة انتهت عام 2018 بتوقيع رؤساء الدول الخمس اتفاق الوضع القانوني، بين إيران وروسيا وتركمانستان وكازاخستان وأذربيجان.

 

هدف الاتفاق تنظيم العلاقات بين الدول الخمس المطلة على بحر قزوين، ونصت على ترسيم حدود قاع بحر قزوين الغني بالمعادن وفق مبدأ القطاعات، مع تقسيم المياه إلى مياه داخلية وإقليمية ومناطق صيد ومساحات مائية مشتركة.

وفي السياق ذاته، كانت اتفاقات صون الموارد البيولوجية المائية واستخدامها الرشيد قد وقعت في قمة أستراخان في الـ29 من سبتمبر (أيلول) 2014، ودخلت حيز التنفيذ.

وبفضل التنسيق بين الدول الخمس، جرى تطوير موانئ بحر قزوين، بما في ذلك ميناء تركمانباشي الدولي، وهو الأكبر والأحدث في بحر قزوين، ويعد مركزاً للنقل والخدمات اللوجستية لحوض البحر الأسود وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى.

ولا يحق للسفن الحربية والغواصات وغيرها من السفن العسكرية التابعة لدول بحر قزوين التي تعبر المياه الإقليمية دخول موانئ أخرى أو الرسو فيها، باستثناء الحالات التي يصرح فيها بذلك، أو إذا اقتضت الضرورة ذلك بسبب ظروف قاهرة أو محلية، أو لتقديم المساعدة في حالات الطوارئ.

كيف كانت هذه القمة، ثم اتفاق 2018، مدخلاً إلى محاولات دول المنطقة للتحول إلى رقم صعب في معادلة الطاقة العالمية؟

بحر قزوين وأمن الطاقة الأوروبي

في سياق البحث في الدور الجيوسياسي لدول بحر قزوين، تبرز العلاقة بين المنطقة وأمن الطاقة الأوروبي.

تسعى دول بحر قزوين إلى ترسيخ مكانتها منتجاً رئيساً، ومركز نقل للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والمواد الخام الحيوية.

وفي هذا الإطار، تهدف أذربيجان وكازاخستان إلى أن تصبحا من أبرز مصدري الطاقة الخضراء، عبر إبرام اتفاقات مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء لإنشاء ممرات للطاقة الخضراء.

وترتبط إشكال أوروبا الرئيسة حالياً بالحصول على الطاقة، لا سيما في ظل التهديدات الروسية المتواترة منذ حرب أوكرانيا.

وتدرك دول الاتحاد الأوروبي أن نفوذ روسيا على دول المنطقة يشكل تحدياً لمصالح أمن الطاقة الأوروبية، لذلك تسعى إلى عقد صفقات مع كل دولة على حدة.

على سبيل المثال، تتمتع أذربيجان بموقع جغرافي يساعد في تزويد الاتحاد الأوروبي بالطاقة المتجددة، تبعاً للتطورات الأمنية والسياسية في أوكرانيا وجورجيا.

كما أن الاستثمار في الطاقة المتجددة في دول مثل كازاخستان وأوزبكستان قد يعزز مكانة الاتحاد الأوروبي الجيوسياسية في المنطقة، ويضمن الوصول إلى المواد الخام الحيوية.

وخلال السنوات الأخيرة، وجهت أوروبا اهتمامها إلى بحر قزوين باعتباره منطقة رئيسة لتنويع مصادر الطاقة بعيداً من روسيا وتعزيز أمنها الطاقوي.

وبعد الهجوم الشامل على أوكرانيا، أبرم الاتحاد الأوروبي اتفاق مع أذربيجان لمضاعفة إمدادات الغاز الطبيعي إلى 20 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2027، مما يغطي نحو ستة في المئة من استهلاك الاتحاد الأوروبي السنوي من الغاز.

وعلاوة على ذلك، زادت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وإيطاليا، وارداتها من النفط الكازاخستاني لتغطية الطلب قصير الأجل.

وإلى جانب الوقود الأحفوري التقليدي، تسعى دول بحر قزوين إلى ترسيخ مكانتها منتجاً رئيساً ومركز ثقل للطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والمواد الخام الحيوية على المدى البعيد.

ويتيح ممر الطاقة الخضراء المقترح في بحر قزوين، الذي كان مخططاً له مبدئياً أن يمتد بين جورجيا والاتحاد الأوروبي، فرصاً لكازاخستان وأذربيجان وأوزبكستان لتزويد السوق الأوروبية بالكهرباء المتجددة عبر كابلين في بحر قزوين والبحر الأسود، ولم ينشآ بعد.

وإذا كان بحر قزوين بهذه الأهمية لأوروبا، فهل تغيب هذه الأهمية عن الولايات المتحدة؟

أميركا في قزوين

مع الزيارة الأخيرة التي قام بها نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى أرمينيا وأذربيجان، ركزت معظم عناوين الأخبار على جهود السلام التي قادها الرئيس ترمب عقب الاجتماع الذي عقد في "البيت الأبيض" في أغسطس (آب) الماضي بين زعيمي البلدين.

وفي السنوات الأخيرة، بدت السياسة الأميركية تجاه المنطقة فاترة في كثير من الأحيان، ولم تكن هذه الحال دائماً. ففي أعقاب هجمات الـ11 من سبتمبر 2001، أدرك صناع القرار الأميركيون الأهمية الجيوسياسية لحوض بحر قزوين، وسارعت واشنطن إلى تعزيز قدرات أذربيجان في مكافحة الإرهاب والأمن البحري، ولا سيما في بحر قزوين.

وفي عام 2003، أطلقت الولايات المتحدة مبادرة "حرس بحر قزوين"، وهو برنامج تابع لوزارة الدفاع يهدف إلى تعزيز أمن بحر قزوين من خلال تحسين التعاون في المجال الجوي والبحري ومراقبة الحدود، وكجزء من هذا الجهد، نقلت الولايات المتحدة ثلاث سفن دورية تابعة لخفر السواحل الأميركي إلى أذربيجان لتعزيز قدراتها البحرية.

ومع تراجع اهتمام الولايات المتحدة بأفغانستان وآسيا الوسطى خلال إدارة أوباما، تلاشت تدريجاً مبادرات مثل مبادرة "حرس بحر قزوين".

وفي ما يقول بعض صناع السياسة الأميركية إن واشنطن تعمل على تحسين نهجها تجاه المنطقة بهدف الحفاظ على التوازن بين الدول الخمس المطلة على البحر، ومنع إيران أو روسيا من تحقيق هيمنة بحرية، يبرز أيضاً هدف آخر يتعلق بمواجهة الصين.

الصين في بحر قزوين

عبر موقع "ناشونال إنترست"، كتب المحلل السياسي الأميركي ويسلي ألكسندر هيل، تحت عنوان "لمواجهة الصين، يجب على الولايات المتحدة أن تنخرط مع منطقة بحر قزوين"، أن توسيع الأطر الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة في منطقة بحر قزوين يمثل حجر الزاوية لحملة دبلوماسية ناجحة.

وأضاف أنه بفضل اندماج أذربيجان الجديد في مجموعة C5، بات بإمكان الولايات المتحدة تعزيز مشاركتها التجارية في المنطقة عبر الممر الأوسط، وهو طريق عبور اقتصادي يمتد من البحر الأسود مروراً بالقوقاز وعبر بحر قزوين وصولاً إلى آسيا الوسطى.

 

وأشار إلى أن هذا المسار لا يعتمد على وصول أذربيجان إلى بحر قزوين فحسب، بل يبني أيضاً على مسار السلام الذي دشن أخيراً بين أذربيجان وأرمينيا.

وتخشى واشنطن من أن يمنح الممر الأوسط، الذي يمر عبر دول بحر قزوين، طريقاً تجارياً مع أوروبا يصعب على البحرية الأميركية اختراقه، ويرى أصحاب هذا الطرح أنه في حال استمرار تدهور العلاقات الأوروبية - الأميركية وتفاقم العلاقات الصينية - الأميركية في الشرق الأقصى، يمكن لبكين أن تقدم نفسها لأوروبا شريكاً تجارياً بوصول آمن، مما يسمح بنقل البضائع من دون المرور عبر روسيا أو الممرات الملاحية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة.

وبحسب الكاتب، فإن وجود مثل هذا الخيار قد يضعف الجهود الغربية لاحتواء الصين، ويرى أن تجنب هذه الإشكالات يمر عبر تعزيز القوة الناعمة الأميركية ونفوذها في آسيا الوسطى بما يتجاوز الاتفاقات التجارية الأخيرة أو المبادرات السياسية العاجلة.

ودعا إلى إزالة الحواجز القانونية أمام التجارة، ومنها قانون "جاكسون – فانيك" لعام 1974، بما يسمح بإقامة علاقات تجارية طبيعية وروابط استثمارية منتظمة مع أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان.

قلق من تدخل روسي عسكري

بالعودة للخبر الذي شكل مدخلاً لهذه المقالة، يطرح سؤال عن أسباب قلق روسيا من الضربات التي جرت في بحر قزوين، بينما يلتزم الآخرون الصمت.

على مدى عقود، قدمت دول بحر قزوين هذا البحر منطقة خاصة مغلقة أمام أي تدخل عسكري خارجي، وتخضع لتعاون بين الدول الخمس المطلة عليه، وتستند إلى اتفاقات تهدف إلى صون السلام والتوازن الإقليمي، وقد تعرض هذا المبدأ للاختبار أخيراً.

وكانت ردود الفعل متفاوتة، إذ وجهت روسيا انتقادات مباشرة وقوية، بينما التزمت أذربيجان وكازاخستان وتركمانستان صمتاً حذراً.

ولم يكن لدى أي من الدول الثلاث ما تكسبه من الاحتجاج علناً على الضربة التي استهدفت بنية تحتية عسكرية إيرانية، بخاصة في ظل خطر الانجرار إلى مواجهة أوسع تشمل إيران وإسرائيل وربما الولايات المتحدة.

في المقابل، رأت روسيا في الضربات تأثيراً مباشراً في مصالحها، واعتبرت موسكو الهجوم تهديداً لممر استراتيجي واقتصادي في بحر قزوين.

وقال المحلل السياسي الأميركي بول غوبل، في تصريحاته لصحيفة "كييف بوست"، إن الضربة حملت رسالتين: أولاً هدفت إلى إظهار أنه "لا توجد ملاذات آمنة في أي مكان في إيران"، بما يعني أن الهجمات قد تصل إلى ما هو أبعد من الساحل الجنوبي للبلاد أو المواقع النووية أو مجمعات القيادة، ثانياً الضربة أوضحت أن إسرائيل، وضمنياً الولايات المتحدة، تراقبان الروابط بين إيران وروسيا عبر بحر قزوين، بما في ذلك حركة البضائع المحظورة بموجب العقوبات، وربما الأسلحة عبر الموانئ الشمالية.

وبحسب تفسيره، لم تكن الضربة مهمة لما أصابته فقط، بل لما كشفت عنه، فالنظام القائم على إبعاد القوى الخارجية والحفاظ على الحوض مساحة إقليمية سلمية، تراجع عملياً بفعل التعاون العسكري واللوجستي بين روسيا وإيران، ولهذا جاء رد فعل موسكو قوياً، إذ باتت مصالحها وممراتها النقلية تحت تهديد مباشر.

هل يواجه بحر قزوين تهديداً آخر في المدى المنظور؟

هل يحتضر قزوين إيكولوجياً؟

تبدو البيئة المتغيرة لأكبر بحر مغلق في العالم عرضة لتغيرات بنيوية، إذ تشهد مياهه انخفاضاً حاداً في المستوى، ويتوقع أن يتسارع بحلول نهاية القرن.

ويقول علماء بحار إن مستوى بحر قزوين قد ينخفض بين تسعة و18 متراً، وهو مقدار يتجاوز ارتفاع معظم المنازل.

ويعني ذلك أن البحيرة ستفقد ما لا يقل عن 25 في المئة من مساحتها السابقة، مما سيكشف عن 93 ألف كيلومتر مربع من اليابسة، ولو كانت هذه الأرض الجديدة دولة لكانت بحجم البرتغال.

ويعد تغير المناخ السبب الرئيس، فمياه بحر قزوين معزولة، وسطحه يقع على عمق نحو 28 متراً تحت مستوى المحيطات العالمية. ويتحدد مستواه بكمية المياه المتدفقة من الأنهار، ولا سيما نهر الفولغا في الشمال، إضافة إلى كمية الأمطار ومقدار التبخر.

لبحر قزوين تاريخ من الارتفاعات والانخفاضات العنيفة، ففي مدينة ديربند على ساحل القوقاز الروسي، تظهر أسوار المدينة القديمة المغمورة دلائل على انخفاض مستوى البحر في العصور الوسطى، وقبل نحو 10 آلاف عام، كان مستوى بحر قزوين أقل بنحو 100 متر، وقبل ذلك ببضعة آلاف من السنين كان أعلى بنحو 50 متراً مما هو عليه اليوم، حتى إنه كان يفيض إلى البحر الأسود.

يستدعي وضع بحر قزوين تحركاً عاجلاً، لكن الإمكانات محدودة، فارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون عالمياً، وهو المحرك الرئيس للظروف المناخية المسببة لأزمة بحر قزوين، لا يمكن معالجته إلا عبر اتفاقات عالمية.

وفي الحقبة السوفياتية، اقترحت تحويلات مائية واسعة النطاق من أنهار سيبيريا لمعالجة انحسار بحر آرال شرقاً، لكن مشاريع ضخمة مثل إنشاء قناة تصل البحر الأسود ببحر قزوين تنطوي على أخطار بيئية وجيوسياسية جسيمة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات