ملخص
الحكومة الأردنية لا تطالب فقط بتغيير اليافطة، بل "تصفير الأجندات" التي كانت تجعل من الحزب صدى لملفات إقليمية.
مراقبون يرون أنها مناورة سياسية لفك الارتباط بالإخوان وامتصاص غضب الدولة... فهل نجا الحزب من قرار الحل؟
بموافقة الأغلبية المطلقة، قرر إسلاميو الأردن الانحناء للعاصفة وخلع معطفهم التاريخي في محاولة أخيرة للنجاة من مقصلة الحل الحزبي، إذ "لم يكن قرار مجلس شورى جبهة العمل الإسلامي بتغيير اسم الحزب وشطب كلمة إسلامي منه، مجرد إجراء إداري تفرضه بيروقراطية الهيئة المستقلة للانتخاب، بقدر ما كان لحظة مكاشفة قاسية مع الذات، وتمريناً على الواقعية السياسية"، وفق مراقبين.
ويقرأ متابعون هذه الخطوة على أنها "انحناءة اضطرارية" أمام رياح قانون الأحزاب الجديد، بينما يراها آخرون هرباً للأمام وتكتيكاً للبقاء بعدما ضاقت الخيارات أمام الذراع السياسية لجماعة "الإخوان المسلمين" المحظورة.
انتحار سياسي
تقول مصادر قريبة من الحزب إنه أدرك أخيراً أن الاستمرار بالهوية القديمة يعني انتحاراً سياسياً صامتاً، بخاصة بعدما نجحت الدولة الأردنية في إدارة ملف تصويب الأوضاع بهدوء قانوني حذر، بعيداً من الصخب الأمني أو الصدام الخشن.
واستخدمت الدولة خلال الأشهر الماضية "مشرط" الهيئة المستقلة للانتخاب كأداة جراحية دقيقة لمحاصرة الحزب قانونياً، فالقانون الجديد للأحزاب لم يعد يسمح بالمناطق الرمادية أو عدم تصويب الأوضاع.
بينما كانت خطوة الإنذار النهائي للحزب بمثابة فرصة أخيرة بموازاة منظومة قانونية مغلقة لا تسمح بمرور أي أجندة خارجية.
تضيف المصادر أن غالبية وازنة في الحزب حاولت القفز من سفينة "جماعة الإخوان المسلمين" التي باتت توصف قانونياً بـ"المحظورة" أو "المحلولة" بقرارات قضائية قطعية، بينما حاولت أقلية اللجوء لخيار الصدام مع الدولة.
وعمدت هذه الأغلبية لتأمين بقاء الحزب عبر التصويت على تغيير الاسم كسترة نجاة سياسية وضمان مقاعده في البرلمان.
وتراهن الجماعة على أن تغيير "اليافطة" الخارجية سيحمي "النواة الصلبة" للتنظيم في الداخل، وأن الحفاظ على الوجود التنظيمي داخل البرلمان ومؤسسات الدولة يبرر التخلي عن أي تسميات تاريخية، مهما بلغت رمزيتها.
تصفير أجندات
لعقود، ظل "إخوان الأردن" يراوحون في منطقة رمادية بين ولائهم للدولة الأردنية وتبعيتهم الفكرية والتنظيمية لـ"التنظيم الدولي للإخوان المسلمين"، لكن الحكومة الأردنية لا تطالب فقط بتغيير اليافطة، بل "تصفير الأجندات" التي كانت تجعل من الحزب صدى لملفات إقليمية سواء في مصر وسوريا وغزة على حساب الأجندة المحلية.
ووفق تسلسل تاريخي للأعوام منذ عام 1945 وحتى 1989 كانت الجماعة حليفاً تاريخياً للنظام الملكي ضد المد القومي واليساري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعام 1992 كانت الولادة القانونية للحزب كذراع سياسية للجماعة بعد عودة الحياة البرلمانية، وما بين الأعوام 2014 - 2016 كانت بداية التصدع وصدور قانون الأحزاب الذي منع التبعية لجهات خارجية، وتلاه قرار قضائي عام 2020 باعتبار "الجماعة" محلولة حكماً لعدم تصويب أوضاعها.
وفي الأعوام بين 2022 و2024 صدر قانون الأحزاب الجديد الذي وضع "مشرط" التصويب على رقبة الجميع، وهو ما أدى في النهاية إلى قرار تغيير اسم الحزب.
على جانب آخر، يفسر مراقبون محاولة "حزب جبهة العمل الإسلامي" الحفاظ على بقائه، بإدراكه أن وزنه الانتخابي إلى تراجع. ففي برلمان 1989 حصد الإسلاميون نحو 22 مقعداً، وفي برلمان 2020 حصدوا نحو 10 مقاعد فقط، ويشترط قانون الأحزاب الجديد وجود 1000 عضو مؤسس من ست محافظات في الأقل، بنسبة 20 في المئة للشباب و20 في المئة للنساء.
صراع تيارين
خلال الأشهر الماضية، عاش الحزب وأنصاره حالة تشظ داخلي في المقر الرئيس في "العبدلي"، كذلك دارت في شُعب الحزب وفروعه معركة صامتة حول الهوية الجديدة.
إذ إن قرار التخلي عن "الاسم التاريخي" نزل كالصاعقة على القواعد، وأعاد إنتاج الاستقطاب التقليدي بين تيارين في الحزب وهما تيار "الصقور" الذي ينظر إلى الاسم بوصفه إرثاً مقدساً، ويخشى هذا التيار أن يكون تغيير الاسم هو الخطوة الأولى في سلسلة خطوات أخرى.
في المقابل هنالك تيار "الحمائم" الذي يضم البراغماتيين والشباب وبعض القيادات التاريخية ممن يؤمنون بأن التشبث بالاسم في ظل قانون الأحزاب هو انتحار مجاني.
قرار براغماتي
يؤكد المتخصص الأمني عمر الرداد أن قرار مجلس شورى "حزب جبهة العمل الإسلامي" الذي استجاب لمطلب الهيئة المستقلة للانتخابات بتعديل اسم الحزب، لا يمكن فصله عن سياق أوسع من التحولات القانونية والسياسية التي يشهدها المشهد الحزبي في الأردن.
يضيف الرداد "على رغم عدم الإعلان رسمياً عن الصيغة الجديدة للاسم، فإن المؤشرات ترجّح التوجه نحو حذف مفردة ‘الإسلامي‘، وربما إعادة صياغة التسمية بالكامل باتجاه نموذج أقرب للأحزاب ذات الدلالات السياسية العامة، على غرار تجارب إقليمية مثل ‘حزب العدالة والتنمية‘ أو ‘حركة النهضة‘، بما يعكس محاولة للجمع بين الحفاظ على المرجعية الفكرية من جهة، وإرسال إشارات انفتاح وتكيّف مع مفاهيم الدولة المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة أخرى".
ويصف الرداد القرار بأنه أقرب إلى خطوة تكتيكية مدروسة اتخذها تيار براغماتي داخل الحزب، يدرك حجم الضغوط والتحولات الإقليمية التي لم تعد تصب في صالح تيارات الإسلام السياسي، ويسعى من ثم إلى إعادة التموضع بما يضمن بقاء الحزب ضمن الإطار القانوني والسياسي الجديد.
كذلك يمكن قراءته كمحاولة لـ"أردنة" الحزب، أي تعزيز طابعه الوطني المستقل، وكمقدمة محتملة لفك الارتباط مع "جماعة الإخوان المسلمين"، بخاصة في ظل واقعها القانوني في الأردن، إلى جانب التمهيد لفصل نسبي بين العمل الدعوي والسياسي، والاقتراب من نموذج الأحزاب المحافظة ذات البرامج المدنية الحديثة.
ويرى الرداد أن المطالب الأكثر حساسية وتعقيداً تتمثل في مطالبة الحزب بإثبات استقلاله المالي والإداري الكامل عن جماعة "الإخوان المسلمين"، وتقديم وثائق تؤكد أن قراراته وموازناته تصدر بصورة مستقلة، بالتوازي مع إنهاء حال "ازدواجية العضوية".
مخاوف الحظر
بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي نضال منصور أن القراءة المتأنية لهذا التحول تكشف عن إدراك قيادي لدى الإسلاميين لخطورة التموضع في المنطقة الرمادية، فالمخاوف من استنساخ سيناريوهات الحظر الإقليمية، وتصنيفات الإدارة الأميركية (في عهد ترمب) للجماعات المرتبطة بـ"الإخوان المسلمين" كتنظيمات إرهابية، جعلت من خيار المكاسرة القانونية مع الحكومة انتحاراً سياسياً غير محسوب العواقب.
يضيف منصور "اليوم، يدرك إسلاميو الأردن أن رادارهم الذي كثيراً ما راقب تجارب تركيا وتونس ومصر، يشير الآن إلى أن زمن الاستثناء الإسلامي قد ولى، وأن البقاء في المشهد يتطلب تصفير الأزمات والتماهي مع منظومة التحديث السياسي"، ورأى أن التخلي عن كلمة "الإسلامي" من اليافطة ليس مجرد تنازل عن حرفية النص، بل استثماراً في الوحدة الوطنية، لتجاوز حال الاستعصاء السياسي نحو حياة حزبية راشدة تقترح الحلول ولا تكتفي بالاحتجاج.