Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبد الله زريقة المنفرد في المعترك الشعري

كتاب جماعي يحتفي بتجربة الشاعر الحداثي والأثر الذي تركه في الحركة المغربية

الشاعر المغربي عبدالله زريقة (غيتي)

ملخص

اختارت مجموعة من النقاد والكتاب المغاربة الاحتفاء بعبدالله زريقة، أحد أبرز شعراء الحداثة في المغرب، عبر إعداد كتاب جماعي، من 330 صفحة، يتناول تجربته الشعرية بالنقد والتحليل. حمل الكتاب عنوان "كأنّ الشعر يسكننا" وصدر حديثا عن دار بصمة، وأعدّه الباحث والإعلامي أشرف الحساني.

يكتسب الكتاب أهميته من زاويتين، فالشاعر المحتفى به راكم منذ السبعينيات تجربة أدبية في غاية الأهمية، وهو بالمقابل أحد أكثر الشعراء جنوحاً إلى الهامش الاجتماعي، وتخففاً من الحياة الثقافية الرسمية. فمن النادر، وربما غير الممكن، أن تجد عبدالله زريقة في المعارض والمهرجانات العربية، أو أمام مايكروفونات التلفزيون والإذاعة. إنه شاعر يقيم بين كلماته، مفضلاً العزلة الثقافية والاجتماعية. ويأتي هذا الاختيار انسجاماً مع مواقفه الفكرية والسياسية القديمة.

درس زريقة السوسيولوجيا، لكنه أُخرج من الجامعة وأُدخل إلى السجن بسبب مواقفه ونضالاته، وصوته الصارخ الذي رفض الظلم والاستبداد وقمع الحريات، حكم عليه في نهاية السبعينيات بسنتين سجناً، وكانت التهمة جاهزة: "الإخلال بالنظام العام".

ينتقد الباحث أشرف الحسّاني، معدُّ الكتاب، ما تقوم به الآلة الإعلامية المغربية والعربية من حجب لجماليات الشعر المغربي، وإلغاء لأسماء تتفادى ثقافة الماركوتينغ الأدبي والفني. ربما لهذا السبب اختار زريقة أن يقاطع الحياة الثقافية العربية وينفتح بالمقابل على المهرجانات واللقاءات الأدبية خارج العالم العربي، فضلاً عن ترجمة نصوصه إلى لغات أجنبية عديدة.

شعر غزير بكلمات قليلة

يقول أشرف الحساني: "قرّر عبد الله زريقة البقاء وحيداً مع قصيدته". هذه العزلة تضاعفت بسبب عزوف النقد العربي عن تناول أعمال صاحب "مقبرة السعادة" بالدراسة والحفاوة التي تستحق. فقصيدة عبدالله زريقة تتسم بنوع من التمنع، مردّه إلى بناءاته المتقشفة للجمل الشعرية، وجنوحه إلى التكثيف والإيحاء بدل التفصيل والإسهاب، فضلاً عن انشغالاته الوجودية، وتقاطعه الدائم مع ثقافات أخرى ترد من حقول مختلفة مثل الموسيقى والتشكيل والتاريخ والسوسيولوجيا وعلم النفس والفلسفة وغيرها.

يسعى زريقة في معظم نصوصه إلى أن يضمّنها أكبر قدر من المعاني والدلالات، لكن بكلمات قليلة. يفعل ذلك بيأس حالم أو بحلم يائس. فهو يكتب متمسكاً بأحلامه، لكنه يدرك أن هذه الأحلام ستظل عالقة في الهواء. يقول أشرف الحساني: "كل شيء انتهى. هكذا يقول لي عبدالله زريقة بمرارة كلما التقينا. وهو تعبير، على رغم اقتضابه، يختزن جرحاً غائراً في أجسادنا عن مصير المثقف والثقافة اليوم، وأن ما يوجد الآن على سطح واقعنا الثقافي لا يمثل صورة الثقافة المغربية الحقيقية بفنونها ورموزها".

يشير الشاعر والروائي محمد الأشعري في تقديمه للكتاب إلى أن عبدالله زريقة ينتمي إلى صنف نادر من الشعراء الذين أخلصوا للشعر. فهو لم يعتبر الحياة الشعرية عملاً موازياً، بل اعتبرها حياته الأساس، وبنى عليها وجوده. يقول الأشعري عن شعراء جيله: "بينما تآلفنا جميعاً مع الإقامة المربكة بين الشعر وغيره، اختار عبدالله وجودياً وفلسفياً، وعبر حياته اليومية، أن يقيم في الشعر وحده". يعود الأشعري إلى سنوات السبعينات ليستحضر الحركة الشعرية التي تخلّقت في الأوساط الجامعية وتصادمت مع السلطة أو ما سماه الشاعر "اليد الحديدية"، بحيث قوبلت الثقافة الجديدة والمُمانعة بالاعتقال والمنع والمصادرة. وإذا كان الجميع تقريباً قد تخفّف من أحلام الماضي ومن الإيمان بقدرة الشعر على التغيير، أو على الأقل على ترك أثر ما، أو الإيمان بأن "الشعر يستطيع شيئاً من أجلنا" وفق تعبير الأشعري، فإن عبدالله زريقة ظل، على العكس، متشبثاً بهذا الحلم وجانحاً إلى هذا الإيمان.

العزلة والتوتر الوجودي

يرى الشاعر والناقد صلاح بوسريف أن عبدالله زريقة بعد تجربة الاعتقال السياسي وانحيازه إلى العزلة، لم ينسلخ عن الواقع، بل جعل هذا الواقع يمر عبر مصفاة الخيال والمجاز، منوهاً بالوعي البصري الكبير لدى الشاعر موازاة بوعيه الكتابي. فصاحب "إبرة الوجود" منشغل بإفراغ صفحاته أكثر من انشغاله بملئها. إذ تستطيع كلمات قليلة موزعة بتقشف كبير على الصفحة أن تفتح للقارئ والباحث على السواء أبواباً كثيرة من التأويل والقراءة وإعادة إنتاج المعنى.

يدعم بوسريف اختيار الشاعر الهروب من التجمعات التي قد تحوله إلى آلة. يقول في هذا السياق: "حين يختار الشاعر عزلته، فهو يكون اختار الشعر، اختار تجربته، وانكب يشتغل عليها في مشغله، من دون الالتفات إلى غيره، سوى في قراءة الشعر، ومعرفة ما يكون به كل شاعر". بالتالي فزريقة يميل إلى شعرية التخوم، بحسب بوسريف، بحيث "ما يقال أو يكتب يكون بحبر الشاعر، بسيرته، بدمه الشخصي، بعيداً من التجمهر، أو الاختلاط، ومكبرات الصوت والصورة التي أخفت الشعر لصالح الدعاية والإعلام".

أكد الأكاديمي المغربي منير السرحاني أن مشروع الشاعر المحتفى به انبنى على "مقاومة الاطمئنان الجمالي، وعلى جعل القلق الوجودي شرطاً من شروط الكتابة"، فنصوصه قادمة من صدوع وجودية عميقة، وهو، بحسب السرحاني، ليس شاعر موضوعات، بل شاعر حالات وجودية قصوى. يصف الباحث المغربي انشغال الشاعر بالدلالة على النحو التالي: "إنه يقشر المعنى طبقة بعد أخرى، إلى أن يبلغ إلى نواته القلقة". ثمة إحساس مأساوي بالوجود في نصوص زريقة، إحساس بفداحة العالم، وهشاشة الذات أمامها. بالتالي فاللغة التي تنقل هذه المشاعر المحتدمة هي أيضاً مادة قلقة، "تتعطل فيها الوظيفة التواصلية لصالح وظيفة شعرية خالصة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا ما يخلص إليه الناقد منير السرحاني ويدعمه الناقد محمد علوط حين يعود إلى الكتاب الشعري "سلالم الميتافيزيقا" إذ هيمنت "اللغة الميتا شعرية المحايثة، التي تشتغل من داخل الجملة الشعرية كتفكير شعري جواني، يوجد في كينونة مضاعفة الذات والموضوع". يقف علوط عند تناظر المعرفة الفلسفية مع المعرفة الجمالية المتعلقة بالفنون التشكيلية. ففي هذا الكتاب الشعري تلاقح كبير بين الفلسفة والتشكيل. في "سلالم الميتافيزيقا" تتجاور الملهاة مع المأساة جوار احتدام ومناكفة، ويتفادى النص محاكاة الواقع، بل كما يقول علوط" "يجرد الواقع من أقنعة يقينياته، ومن وهم الانعكاس والقياس والمماثلة، باحثاً عن المعنى الجوهري في الظل المجازي للوجود".

الغرائبية وإدانة الواقع

يميل الشاعر والناقد صالح البريني إلى أن قراءة تجربة عبدالله زريقة تقتضي استحضار مجسات نقدية جديدة ومتجددة، فالكتابة النقدية عنه محاطة بالكثير من المهابة وفق البريني. والحقيقة أن قراءة زريقة، وقراءة من يكتب على شاكلته تتطلب الكثير من الحذر والتريث والإلمام بحقول معرفية وفنية مختلفة، مع عدم القفز على التاريخ الشخصي والجمعي للشاعر.

يتوقف الناقد المغربي عند الملمح الغرائبي في نصوص زريقة، وربما هذا ما يجعل المعنى غير مرئي للوهلة الأولى، بل متمنعاً، خصوصاً مع يبنى عليه النص من "مفارقات ومطابقات عجيبة ومربكة للقارئ".

هذه الغرائبية توقف عندها الشاعر والمترجم محمد العرابي في قراءته لتجربة زريقة، حيث أفرد دراسة عن حضور العوالم السفلية في شعره، حيث تيمة الحيوان الأخرس المنبوذ الذي يقيم أسفل وجودنا، كما لو أنه شاهد على فظاعة العالم المبثوث على السطح وهارب منها.

وهذا الهروب الرافض، الذي يشكل الوجه الآخر للمواجهة، هو إدانة للمحيط، و"نتاج لواقع عبثي يغيب عنه الأفق الإنساني والحضاري، ويحاصره الانحطاط من كل جانب" وفق تعبير العرابي.

يضم الكتاب قراءات وإضاءات أخرى للباحثين مراد الخطيبي، إبراهيم الكراوي، راوية يوسف، نور الدين محقق، محمد عرش، عبد الواحد كفيح، حميد ركاطة، يونس الديدي، حفصة الخال، عبد اللطيف نجيب وفوزية ضيف الله. وقد أسهمت كلها في تقريب القارئ العربي من العوالم الشعرية لعبدالله زريقة بما يميزها من غموض وعمق وتوتر ومرواحة دائمة بين الشك واليقين.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة