ملخص
مواجهة تنامي خطاب الكراهية ضد المغاربة في الخارج لا يمكن أن تظل حبيسة المقاربة الحقوقية، بل تستوجب تفكيك البنى الفكرية التي تغذي هذه الظاهرة، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا يعد مدخلاً أساسياً، حتى تتحول الأبعاد الثقافية والإعلامية والتربوية إلى حاجز فعال في وجه التيارات التي تقوم على منطق الصدام بدل التعاون، وتغذي الكراهية بدل ترسيخ قيم التسامح.
يواجه المغرب ظاهرة تنامي خطاب الكراهية والاعتداءات العنصرية ضد عدد من أفراد جاليته في إسبانيا، بسبب ترويج الخطابات العدائية لليمين المتطرف ضد المهاجرين عموماً، والمغاربة خصوصاً، مما دفع الرباط إلى تكثيف البحث عن سبل حماية "مغاربة إسبانيا"، ونزع فتيل العنصرية ضد الجالية داخل هذا البلد الأوروبي.
وخلال وقت أعلنت فيه الحكومة المغربية جعل مسألة الدفاع عن حقوق الجالية بإسبانيا في صلب عملها ومحور سياساتها، يرى محللون أن تفشي هذه الاعتداءات العنصرية يعود إلى دوافع سوسيولوجية وتاريخية وسياسية معقدة، وأيضاً إلى انتشار الأخبار الزائفة في مواقع التواصل الاجتماعي حول القاصرين والمهاجرين العاطلين من العمل بالديار الإسبانية.
كرونولوجيا
شهد عام 2024 تنامياً لافتاً لظاهرة رواج خطاب الكراهية وتنامي الاعتداءات العنصرية على بعض أفراد الجالية المغربية في إسبانيا، خصوصاً بسبب تصاعد ترويج خطاب اليمين المتطرف ضد المهاجرين في البلاد، الذي كان يركز على أخبار الهجرة غير النظامية، وعلى تضخيم أحداث منعزلة تورط فيها مهاجرون قادمون من المغرب.
في بدايات عام 2025، انتقل الخطاب في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والسرديات التي تلصق المهاجر بالخطر الأمني إلى توترات حقيقية في الشارع، من خلال ارتكاب جرائم كراهية وتفاقم الاعتداءات اللفظية والجسدية على المهاجرين عموماً، والمغاربة منهم على وجه الخصوص.
وانفجر الوضع خلال صيف 2025، عندما وقعت أحداث عنف جماعي ضد مهاجرين مغاربة في Torre-Pacheco، وهي بلدية تقع في منطقة مرسية جنوب شرقي إسبانيا، وتعرضت حينها ممتلكاتهم للتخريب كما تعرضوا لاعتداءات جسدية.
وفي أواخر عام 2025، تمكنت السلطات الإسبانية من تفكيك شبكات تعمل على التحريض ببث أخبار زائفة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وفي بدايات العام الحالي استمر خطاب الكراهية عبر بعض وسائل الإعلام الإسبانية بصورة حذرة.
وخلال مارس (آذار) الجاري، شهدت بعض المناطق في إسبانيا اعتداءات فردية على مهاجرين مغاربة. وعلى رغم أن هذه الأحداث لم تصل إلى العنف الجماعي، فإن استمرار جذور الاحتقان دفع السلطات المغربية إلى التحرك.
وكشف وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة قبل أيام قليلة عن أن من أولويات الحكومة "حماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنات والمواطنين المغاربة المقيمين في الخارج"، مبرزاً أن الحكومة جعلت مسألة الدفاع عن حقوق هذه الفئة في صلب عملها ومحور سياساتها، من خلال مقاربة قوامها الحماية والدعم.
ووفق المسؤول الحكومي ذاته، فإن "التعامل مع مثل هذه الحالات يتم عبر مواكبة ضحايا هذه الممارسات ومصاحبتهم في مختلف الخطوات المتعين اتخاذها، إضافة إلى التواصل مع السلطات المتخصصة بمكان الإقامة، وحث حكومات دول الاستقبال على اتخاذ الإجراءات والتدابير الوقائية والردعية اللازمة تجاه أعمال الكراهية والعنصرية".
"صناعة العدو"
يقول الأستاذ الجامعي خالد التوازني ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي (مساق)، إن محددات سوسيولوجية وتاريخية وسياسية معقدة تتداخل في قضايا العنصرية وخطاب الكراهية ضد الجالية المغربية في إسبانيا، ويمكن رصد أبرز سياقاتها في أربعة محددات.
المحدد الأول، وفق التوازني، هو التوظيف السياسي والأيديولوجي لملف الهجرة من طرف تيارات اليمين المتطرف، إذ تعتمد هذه الأجندات على "صناعة العدو" لحشد القواعد الانتخابية، عبر ربط المغرب والمغاربة حصراً بالأزمات الأمنية والاقتصادية، وتحويل "الموريسكي الجديد" إلى فزاعة لتهديد الهوية الإسبانية والقيم الأوروبية.
ويضيف التوازني محدداً ثانياً هو "وجود نزعة قومية وذاكرة تاريخية مثقلة برصيد من العنصرية والإقصاء والكراهية للمسلمين بصورة عامة، تتمثل في حروب استرداد الأندلس وطرد المسلمين"، مبيناً أن "هذا المخيال الجمعي يُستحضر في الأزمات الدبلوماسية لتصوير الجالية المغربية كـ"طابور خامس" أو كأداة ضغط سياسي، مما ينقل الخلاف من مستواه الرسمي بين الدولتين إلى مستوى شعبي يستهدف الأفراد في الشارع والمؤسسات، ويؤدي إلى زيادة العنف ضد المغاربة المهاجرين والمقيمين في إسبانيا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والمحدد الثالث تبعاً للمحلل نفسه هو البعد الاقتصادي، إذ تسهم الأزمات الاقتصادية في تغذية الشعور العام لدى الإسبان بمنافسة المهاجرين المغاربة على الموارد المحدودة في إسبانيا، مردفاً أنه على رغم أن التقارير الرسمية في إسبانيا تثبت المساهمة الحيوية والمهمة جداً للمغاربة في الاقتصاد الإسباني، فإن الخطاب الشعبوي ينجح في فرض سردية مغلوطة تربط بين المهاجر والجريمة أو العبء المالي، فتدعو إلى طرده أو نبذه أو إقصائه، وفي أقل الحالات تدعو إلى كراهيته.
ويصل التوازني إلى المحدد الرابع وهو المحدد الرقمي، إذ انتقل خطاب الكراهية من الظل إلى الواجهة بفضل خوارزميات التواصل الاجتماعي التي تسمح بانتشار الأخبار الزائفة (Fake News) حول القاصرين والمهاجرين العاطلين من العمل، مما يخلق حالاً من "الذعر الأخلاقي" في المجتمع الإسباني، تؤدي بالضرورة إلى ممارسات تمييزية على أرض الواقع.
اعتماد مقاربة متكاملة
يرى مراقبون أن ما يحصل في إسبانيا يتجاوز أن يكون موجة عابرة من ترويج خطاب الكراهية والاعتداءات العنصرية، ليصبح مساراً واضح المعالم تحض عليه أصوات سياسية، خصوصاً من اليمين المتطرف، ينطلق من الخطاب السياسي و"السوشيال ميديا" ويمر عبر نشر الأخبار الزائفة وتضخيم الأحداث، وينتهي بالعنف في الشارع ضد المهاجرين، مما يستدعي مواجهة حقوقية من طرف المغرب لهذه التوجهات العنصرية ضد أفراد من جاليته داخل إسبانيا.
في هذا السياق، يقول رئيس مرصد التواصل والهجرة بأمستردام جمال الدين ريان، إن دعم الجالية المغربية داخل إسبانيا في مواجهة خطاب الكراهية والحد من مظاهر العنصرية يقتضي اعتماد مقاربة متكاملة، تجمع بين البعد القانوني والدبلوماسي.
وأورد ريان، وهو ناشط حقوقي في مجال الهجرة أيضاً، أن المغرب مطالب بتعزيز التنسيق مع السلطات الإسبانية لضمان حماية حقوق المهاجرين، مع الدفع نحو اتخاذ إجراءات رادعة في حق مرتكبي الاعتداءات ذات الطابع العنصري.
واستطرد المتحدث أن "تمكين أفراد الجالية من الوعي بحقوقهم يشكل ركيزة أساس في مواجهة التمييز"، مبرزاً أهمية مواكبة ذلك ببرامج توعوية تعنى بطرق التعامل مع مختلف صور الإقصاء، واعتبر أن "تعزيز الاندماج الثقافي والاجتماعي يظل خياراً استراتيجياً، من خلال تنظيم أنشطة ومبادرات تسهم في ترسيخ قيم التفاهم والتعايش بين مختلف المكونات الثقافية".
واستعرض ريان ضرورة تفعيل دور الإعلام والثقافة في التصدي لخطاب الكراهية، عبر دعم المبادرات التي تروج للتعددية الثقافية وتعمل على تفكيك الصور النمطية السلبية، لافتاً إلى أهمية توسيع مجالات التعاون مع منظمات حقوق الإنسان سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، بما يعزز من جهود الحماية والمناصرة.
وذهب ريان إلى أن القنوات الدبلوماسية تتيح للمغرب إمكانية ممارسة ضغط إيجابي من أجل صون حقوق المهاجرين، إلى جانب تقوية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة العنصرية. وختم بالتأكيد أن معالجة الجذور العميقة لهذه الظاهرة تمر عبر تعزيز الحوار التاريخي والثقافي، وإطلاق برامج فعالة تضمن اندماجاً أفضل للجالية المغربية داخل المجتمع الإسباني، بما يحد من مظاهر الكراهية ويكرس قيم التعايش المشترك.
مقترحات لمواجهة العنصرية
وشدد خالد التوازني على أن مواجهة تنامي خطاب الكراهية ضد المغاربة في الخارج لا يمكن أن تظل حبيسة المقاربة الحقوقية، بل تستوجب وفق تعبيره تفكيك البنى الفكرية والأيديولوجية التي تغذي هذه الظاهرة، موضحاً أن "تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا يظل مدخلاً أساسياً، داعياً إلى توسيعها لتشمل الأبعاد الثقافية والإعلامية والتربوية، حتى تتحول إلى حاجز فعال في وجه التيارات التي تقوم على منطق الصدام بدل التعاون، وتغذي الكراهية بدل ترسيخ قيم التسامح".
واستطرد التوازني أن المعطيات الميدانية والسياقات السياسية والاجتماعية الراهنة تفرض بلورة خطة عمل استراتيجية قائمة على مقاربة شمولية، تجمع بين العمل الدبلوماسي والقانوني والمدني. وفي هذا الإطار، أفاد بضرورة تفعيل القنوات الدبلوماسية الرسمية، وبخاصة من خلال تنزيل مقتضيات "معاهدة حسن الجوار" المرتبطة بحماية كرامة المواطنين، مع المطالبة بتطبيق صارم للقوانين الإسبانية والأوروبية التي تجرم التحريض على العنف والكراهية.
واستعرض المتحدث إمكانية إحداث "مرصد قانوني" مشترك يضم محامين مغاربة وإسبان، يتولى رصد الاعتداءات ذات الطابع العنصري، وتقديم الدعم القانوني للضحايا، فضلاً عن تتبع ومقاضاة الجهات السياسية والإعلامية التي تروج لأخبار زائفة، وهو ما من شأنه تعزيز آليات الحماية القانونية وتحصين الجالية من الانتهاكات.
في السياق ذاته، أبرز الأستاذ الجامعي نفسه أهمية إحداث منصة رقمية متعددة اللغات، تتيح التبليغ عن حالات العنف والكراهية، وتعمل في الآن ذاته على تفنيد الإشاعات المرتبطة بالجالية، وبخاصة تلك المتعلقة بالمساعدات الاجتماعية أو معدلات الجريمة، مع تقديم معطيات دقيقة وموثقة.
وأشار التوازني إلى الدور المحوري الذي يمكن أن تضطلع به وسائل التواصل الاجتماعي، مبرزاً ضرورة تشجيع الكفاءات المغربية المقيمة داخل إسبانيا على إنتاج محتوى يسلط الضوء على نماذج الاندماج الناجح وقصص النجاح، بما يسهم في تفكيك الصور النمطية التي تروجها بعض التيارات المتطرفة.
ولم يفت التوازني الإشارة إلى أن البعد التربوي والثقافي يظل رافعة أساس في هذا المسار، من خلال تكثيف الأنشطة الثقافية المغربية داخل المدن الإسبانية، كالمعارض والندوات والمهرجانات، بهدف التعريف بالرصيد الحضاري المشترك وتعزيز التبادل الثقافي. وختم بتأكيد أهمية استثمار الفضاءات الدينية والثقافية مثل المساجد والمراكز الثقافية، لتنظيم مبادرات مفتوحة أمام المجتمع الإسباني، بما يعزز جسور الثقة ويبدد المخاوف ويسهم في ترسيخ علاقات إنسانية، قائمة على التفاهم والتعايش.