Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

للمرة الثانية منذ 1983… لبنان يطرد السفير الإيراني: هل ينجح هذه المرة؟

"نشاط سفارة طهران في لبنان لم يكن نشاطاً تمثيلياً عادياً، بل جزءاً من مشروع نفوذ أمني يتجاوز الأعراف الدبلوماسية"

تتجه الأنظار داخلياً ودولياً إلى الرئيس جوزاف عون لمعرفة ما إذا كان سيصر على هذا القرار الجريء (الرئاسة اللبنانية على إكس)

ملخص

قرار طرد السفير الإيراني ليس نهاية الطريق. إنه بدايته فحسب. وإذا نجحت الدولة هذه المرة في تثبيت هذا القرار والبناء عليه وصولاً إلى إعادة صياغة العلاقة مع إيران على أساس سيادي كامل، فقد يكون لبنان للمرة الأولى منذ أربعة عقود على عتبة الانتقال من ساحة إلى دولة. أما إذا تكرر سيناريو 1983 و2005، فإن الفرصة الثالثة قد تكون الأخيرة.

للمرة الثانية منذ عام 1983، يتخذ لبنان قراراً بطرد السفير الإيراني من بيروت. القرار ليس تفصيلاً دبلوماسياً عابراً، بل حدثاً سيادياً نادراً في تاريخ دولة عاشت طوال أربعة عقود بين مشروع الدولة ومشروع الساحة. وهو يعيد طرح السؤال نفسه الذي واجه لبنان قبل 40 عاماً، هل يستطيع هذه المرة حماية قراره، أم سيتحول القرار إلى محطة رمزية أخرى في سجل الفرص الضائعة؟

حينها كانت الدولة اللبنانية قد بدأت تدرك أن السفارة الإيرانية في بيروت لا تمارس دوراً دبلوماسياً تقليدياً، بل تؤسس لبنية نفوذ أمني وعسكري مباشر عبر "الحرس الثوري" الذي كان قد بدأ تثبيت حضوره في البقاع. يومها جاءت حادثة خطف الدبلوماسيين الإيرانيين الأربعة، وبينهم محسن موسوي وأحمد متوسليان، لتؤكد أن النشاط الإيراني في لبنان لم يكن نشاطاً تمثيلياً عادياً، بل جزءاً من مشروع نفوذ أمني يتجاوز الأعراف الدبلوماسية.

قرار الطرد آنذاك كان محاولة مبكرة لحماية السيادة اللبنانية ومنع تحويل البلاد إلى منصة عمليات إقليمية. لكن هذه المحاولة أُجهضت سريعاً. فقد تحركت قوى "الحركة الوطنية"، ومعها قوى يسارية وتنظيمات فلسطينية مرتبطة بـ"منظمة التحرير الفلسطينية"، إلى جانب أطراف لبنانية وازنة بقيادة وليد جنبلاط ونبيه بري، لإسقاط هذا المسار السيادي وإعادة لبنان إلى دائرة الاشتباك الإقليمي. وهكذا انتقل لبنان تدريجاً من دولة تحاول الدفاع عن استقلالها إلى ساحة مفتوحة لمشاريع الآخرين، قبل أن يدخل لاحقاً في مرحلة الهيمنة السورية التي أغلقت الباب أمام أي محاولة جدية لاستعادة القرار الوطني.

في تلك المرحلة تحديداً، لم تكن هناك سفارة سورية في لبنان أصلاً. لم تكن دمشق في حاجة إلى تمثيل دبلوماسي لأنها كانت تمارس وصاية مباشرة عبر المجلس الأعلى اللبناني–السوري. كان ذلك التعبير الأكثر وضوحاً عن طبيعة العلاقة، لم تكن علاقة دولتين مستقلتين بل علاقة دولة بسلطة فوقها.

بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري خلال عام 2005، بدا أن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية ثانية. انسحب الجيش السوري من لبنان، وجرى فتح سفارة سورية في بيروت للمرة الأولى، في إشارة رمزية إلى انتهاء زمن الوصاية المباشرة. كان يفترض أن يشكل ذلك بداية مرحلة سيادية جديدة. لكن ما حصل لاحقاً كان العكس تماماً، إذ جاء "التحالف الرباعي" ليجهض فرصة الاستقلال الثاني، ويعيد إدخال البلاد في تسوية سياسية كرست ميزان القوة نفسه داخل النظام، ومنحت "حزب الله" وحلفاءه القدرة على تعطيل المسار السيادي من الداخل.

وهكذا انتقل لبنان من وصاية سورية مباشرة إلى هيمنة إيرانية غير مباشرة عبر السلاح والتنظيم والشبكات الأمنية والسياسية، في ظل تحول الحزب إلى لاعب إقليمي يتجاوز حدود الدولة اللبنانية نفسها. مرة جديدة، ضاعت فرصة قيام الدولة.

اليوم، وبعد الحرب الأخيرة التي أضعفت البنية العسكرية للحزب وقلصت هامش حركته، يقف لبنان أمام فرصة ثالثة. هذه المرة ليست فرصة نظرية. إنها فرصة مرتبطة مباشرة بتحول ميزان القوى داخل لبنان نفسه. فكلما ضعف الحزب، ازدادت إمكانية قيام الدولة. وكلما تراجع نفوذ السلاح خارج المؤسسات الشرعية، اقتربت لحظة استعادة القرار الوطني.

من هنا تأتي رمزية قرار طرد السفير الإيراني اليوم. فهو ليس مجرد خطوة احتجاجية، بل إعلان سياسي بأن الدولة اللبنانية بدأت محاولة إعادة رسم حدود العلاقة مع إيران على أساس السيادة لا الوكالة. وإذا تراجعت بيروت عن هذا القرار، فإنها تخاطر بأن تتحول عملياً إلى دولة تدور في الفلك الإيراني، فاقدة القدرة على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية باستقلالية.

هذه ليست مبالغة سياسية. إنها خلاصة تجربة أربعة عقود من تداخل السفارة الإيرانية مع شبكات النفوذ العسكري والأمني داخل لبنان، إذ تحولت السفارة عملياً إلى مركز تنسيق يتجاوز الأعراف الدبلوماسية التقليدية، ويؤدي أدواراً سياسية وأمنية وتنظيمية واضحة في إدارة العلاقة مع القوى المسلحة المرتبطة بطهران.

لكن الخطوة الأهم اليوم لا تكمن في طرد السفير وحده، بل في ما يجب أن يلي هذا القرار. لأن الإبقاء على السفارة الإيرانية في بيروت، حتى من دون سفير، يعني عملياً استمرار قناة النفوذ نفسها التي استخدمت طوال عقود لإدارة شبكات الضغط والابتزاز والتأثير داخل الدولة اللبنانية. ولذلك، فإن الاكتفاء بإجراء دبلوماسي محدود لن يكون كافياً لإحداث التحول المطلوب في مسار استعادة السيادة.

هنا تحديداً يبدأ ما يمكن تسميته "اختبار عون".

تتجه الأنظار داخلياً ودولياً إلى الرئيس جوزاف عون لمعرفة ما إذا كان سيصر على هذا القرار الجريء ويحوله إلى مسار سياسي واضح يعيد تثبيت سيادة الدولة، أم سيبقي عليه في إطار رمزي محدود لا يغير شيئاً في ميزان القوى القائم. لأن المسألة لم تعد تتعلق بطرد سفير فحسب، بل بإعادة تعريف موقع لبنان في الصراع الإقليمي وحدود علاقته بإيران نفسها.

الرئيس عون اليوم أمام لحظة تاريخية لا تحتمل التردد. المطلوب منه ألا يخشى الضغوط ولا حملات التخويف بحرب أهلية ولا التهويل بالفوضى ولا الابتزاز السياسي الذي اعتاد تعطيل كل محاولة سيادية في لبنان منذ أربعة عقود. التجربة اللبنانية أثبتت أن كل خطوة سيادية كبرى كانت تواجه دائماً بالتهديد نفسه، الفوضى أو الانقسام أو الحرب. لكن الثابت أيضاً أن التراجع أمام هذه الضغوط هو الذي كان يؤدي دائماً إلى خسارة الدولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولهذا، فإن الخطوة الطبيعية التالية بعد طرد السفير يجب أن تكون إعادة النظر جذرياً في العلاقة الدبلوماسية مع إيران وصولاً إلى قطعها إذا استمر استخدامها كغطاء لنشاط أمني وعسكري داخل لبنان. إيران ليست دولة صديقة للبنان بالمعنى السياسي للدولة الصديقة، بل دولة مارست طوال عقود دوراً مباشراً في تحويله إلى ساحة صراع إقليمي، والاستمرار في التعامل معها وفق قواعد العلاقات الطبيعية بين الدول يعني عملياً القبول باستمرار هذا الواقع.

إذا تجرأ الرئيس عون على اتخاذ هذا القرار، فإنه يكون قد قطع شوطاً كبيراً في مسار استعادة الدولة اللبنانية. أما إذا بقي القرار في حدوده الرمزية، فإن السفارة الإيرانية - حتى لو أصبحت بلا سفير - ستظل أداة ضغط واستنزاف وابتزاز سياسي دائم للدولة.

لبنان اليوم أمام لحظة تشبه لحظتي 1983 و2005. في المرتين كانت هناك فرصة حقيقية لاستعادة القرار الوطني، وفي المرتين ضاعت الفرصة بفعل تحالفات داخلية أعادت إنتاج منظومة النفوذ نفسها بصيغ مختلفة. أما اليوم، فالمعادلة مختلفة. البيئة الإقليمية تغيرت، والغطاء الدولي للهيمنة الإيرانية تراجع، والداخل اللبناني نفسه بدأ يخرج تدريجاً من مرحلة التسليم بالأمر الواقع.

قرار طرد السفير الإيراني ليس نهاية الطريق، إنه بدايته فحسب. وإذا نجحت الدولة هذه المرة في تثبيت هذا القرار والبناء عليه وصولاً إلى إعادة صياغة العلاقة مع إيران على أساس سيادي كامل، فقد يكون لبنان للمرة الأولى منذ أربعة عقود على عتبة الانتقال من ساحة إلى دولة، أما إذا تكرر سيناريو عامي 1983 و2005، فإن الفرصة الثالثة قد تكون الأخيرة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء