Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المسيرية وجنوبيو السودان في "الدعم السريع"

"كانت لنا وجنوبيو السودان قضية حتى صاروا هم القضية"

بدأت التوترات في غرب كردفان قبل شهرين بإغارة مجموعات لـ"الدعم السريع" من شعب النوير جنوب السودان على سعية للسلامات والمسيرية الفلايتة (مواقع التواصل)

ملخص

توجه المسيرية أصبع الاتهام عن وجود مجموعات النوير في دارهم إلى نائب القائد العام لـ"الدعم السريع" عبدالرحيم دقلو، ليقوم بحمايتهم عنه يوسف عليان والي الولاية. فجند عبدالرحيم في رواية المسيرية نحو 4000 من النوير لأنه، ومع تصاعد المعارك في كردفان، جنح إلى الثقة فيهم دون مجموعات المسيرية. وقالوا إنهم انتظروه أن يتدخل سلماً لا حرباً. وتذكر أحدهم مناسبة قال الوالي لهم فيها بعد تظلمهم من أمر ما، "إنكم قبليون". فقال له "لقد صدقت، فهم في يومهم هذا قبليون جداً ولا يريدون لأي من النوير أن يكون في دارهم".

تجري منذ شهرين أو نحوهما مواجهات ساخنة تضرجت بقتلى غير معدودين في مدينتي الفولة وأب زبد غرب دارفور، الواقعتين تحت سيطرة "حكومة تأسيس". وأطراف المواجهة هما مجموعات جنوب سودانية غلب فيها شعب النوير، وأهل البلدتين من شعب المسيرية المعروفين بأنهم من "حواضن ’الدعم السريع‘"، لأنهم من عرب البقارة الذين ينتسب لهم محمد حمدان دقلو (حميدتي) القائد العام لقوات "الدعم السريع". 

وتثير هذه المواجهة المؤسفة سؤالاً حول طبيعة تركيبة قوات "الدعم السريع" المسلحة، لم يطرأ للصفوة المدنية في "لا للحرب" على عنايتها الفائقة بتركيبة القوات المسلحة السودانية.

سنعرض عن وصف للجيش في مقام التبخيس السياسي بأنه مجرد "ميليشيات كيزانية" لنتوقف عند انزعاجها من قطيع "الملايش" (جمع ميليشيا) الذي يقاتل معه مثل قوى حركات دارفور المسلحة، المعروفة بـ"القوى المشتركة"، وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح مالك عقار)، وقوات "درع السودان" التي انقلبت على "الدعم السريع" خلال أغسطس (آب) 2023 وتجيشت مع القوات المسلحة، وربما غيرها. فتتطير هذه الصفوة من عواقب تمرد هذه "الملايش" يوماً قريباً أو بعيداً على الجيش فيضرب الهرج أطنابه. وللصفوة حجتهم على هذا التطير بسابقة خروج ميليشيات الجنجويد من "رحم" القوات المسلحة لتصير قوات "الدعم السريع" فينا منذ عام 2017. والباقي ليس تاريخاً بعد، حرب بين الجيش وقوات "الدعم" انقلب السحر فيها على الساحر.

بدأت التوترات في غرب كردفان قبل شهرين بإغارة مجموعات لـ"الدعم السريع" من شعب النوير جنوب السودان على سعية للسلامات والمسيرية الفلايتة، وهم من شعب البقارة، ممن سار عليهم أنهم "حاضنة ’الدعم السريع‘" كما تقدم، في بلدة الفولة غرب ولاية كردفان. فتصدت لهم مجموعات من المسيرية في "الدعم السريع" ووقع قتلى من الجانبين ليبسط النوير سيطرتهم على المدينة من طريق ارتكازات عسكرية توسعوا فيها بذريعة أنهم يحاربون الظواهر السلبية من المنفلتين الذين يسيئون لسمعة "الدعم السريع". وفشلت مساعي الوسطاء في رد الأمور إلى نصابها، ولم تستجب قيادة "الدعم السريع" لنداءات المسيرية بالتدخل لفض الاحتقان في المدينة.

توجه المسيرية أصبع الاتهام عن وجود مجموعات النوير في دارهم إلى نائب القائد العام لـ"الدعم السريع" عبدالرحيم دقلو، ليقوم بحمايتهم عنه يوسف عليان والي الولاية. فجند عبدالرحيم في رواية المسيرية نحو 4000 من النوير لأنه، ومع تصاعد المعارك في كردفان، جنح إلى الثقة فيهم دون مجموعات المسيرية. وقالوا إنهم انتظروه أن يتدخل سلماً لا حرباً. وتذكر أحدهم مناسبة قال الوالي لهم فيها بعد تظلمهم من أمر ما، "إنكم قبليون". فقال له "لقد صدقت، فهم في يومهم هذا قبليون جداً ولا يريدون لأي من النوير أن يكون في دارهم".

وبدا أن الأزمة انتقلت إلى مدينة "أب زبد" التي هي حاضرة المسيرية الزرق. فظهر أحدهم في فيديو ليقول إن "حميدتي" كثير التكرار لحق المواطن من "الدعم السريع" وفيه. وسأل عن سبب مجيء "قيادة الدعم" بقوات ويليام جيمس وشارف وسوداني، قادة مجموعات جنوب السودان في "الدعم السريع"، لترتكز وتقتل ستة من المواطنين عند مشارع ماء سقيهم وسعيتهم. وطلب من المصور أن يتحول بموبايله لعرض جثة مزارع عند طرف جنينيته وطماطمها الشائل ليرى المشاهد أن القتيل لم يكن محارباً. وأضاف أن "حكومة تأسيس" لـ"الدعم السريع" فوق رأسهم، بل هم من كانوا في طليعة المقاتلين لأجلها في ولاية الخرطوم دون غيرهم. ثم أضاف بعزة وحسرة إنهم "مسيرية" ولم يخلق بعد من يذلهم وليطلب من المجموعات الجنوبية أن تذهب بقواتها للجبهة، فلا مطلب لهم في دار المسيرية. وقال إنهم اجتمعوا معاً للقضية وهي نصرة الهامش، ولكنهم ذلك طرفهم منها مما رأوه منهم. بل صارت قضيتهم اليوم التي لا بعدها ولا قبلها هي ترحيلهم من "أب زبد".

من الجانب الآخر خرج القائد بـ"الدعم السريع" ويليام جيمس، من مواطني جنوب السودان، وعرف عن نفسه بأنه "قائد بحر الغزال الكبرى". وأنكر أنه من وراء النزاع في الفولة. فهو من جنوب السودان حقاً، ولكنه منتم لـ"الدعم السريع" تحت قيادة "حميدتي" ونائبه عبدالرحيم. فهو لا من الدينكا ولا النوير (من شعوب جنوب السودان) لأنه من قبيلة "الدعم السريع". وقال إنه لا يتشرف بما حصل في الفولة من شفشفة أو اغتصاب لأن "الدعم السريع" لم يحوجه لكليهما. وقال إنه سبق له أن انشق عن جماعة بقيادة ستيفن بوي (من جنوب السودان أيضاً) وكون مجموعة بالرقم 777 بسبب ارتكابها لمثل هذه الوضاعات. 

وأمهل متحدث من المسيرية عبدالرحيم دقلو 72 ساعة، فإما جاء بحل أغلق الملف وإما اضطرهم لسحب كل مجموعات المسيرية من المقدمة لفتح جبهة ضد المحتلين الجنوبيين. وجاءت بالفعل بعض المجموعات منهم لتنصر أهلها. فكان ظنهم أن مجموعات النوير في "الدعم السريع" رفقة قضية وسلاح. ولكنهم خانوا العهد وسيخرجون عن الفولة كما خرجت القوات المسلحة قبلهم.

للسودانيين عبارة "هذا حوص" فيمن لا يرى الخطأ حيث صح أن يرى لا حيث رآه. وانزعاج صفوة "لا للحرب" من "ملايش" القوات المسلحة دون "قوات الدعم" على ما رأينا من تشققها أمام ناظرينا في غرب كردفان باب كبير للحوص. فبنية قوات "الدعم السريع"، "ملايشية"، بمعنى أن الوحدة القتالية فيها هي في الوقت نفسه وحدة قبلية عليها عقيد من القبيلة وبمباركة ناظرها. بل تسمع من أطرافها كلما حزب أمرهم مع القيادة أنه لا فضل لقوات "الدعم السريع" عليهم. فهم جاؤوها بعرباتهم القتالية وسلاحهم الخاصين ولا ينتظرون أجراً منها، ولا حتى علاج ما أصابهم مصاب في الحرب. ويؤكدون أن ما جاء بهم لـ"الدعم السريع" هو القضية بينما بدا أن كسبهم منه هو حصائد الغنيمة من العدو العسكري أو المدني. وما تضررت القبيلة لأي سبب حتى أسعفتها مجموعاتها المقاتلة في الميدان بمغادرته للدفاع عنها لا يسألون حين تندبهم على ما قالت برهاناً. فمثلاً غلبت القبيلة على الحرب نفسها حين تصارعت البني هلبة والسلامات، من شعب البقارة، خلال سبتمبر (أيلول) 2023. فغادرت مجموعاتها الميدان لتنصر أهلها في الحرب الأخرى. وشائع على الفيديوهات تهديد الجماعة من قبيلة ما باستدعاء المقاتلين منها من المقدمة متى تضررت في أمر، هان أو قسا. وها هي المسيرية ترجئ قيادة "الدعم السريع" 72 ساعة وإلا سحبت مقاتليها إلى حرب النوير. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يبقى السؤال عن مصدر هذا "الحوص" في دوائر صفوة "لا للحرب" الذين يرون الخطر في "الملايش" التي تحارب في صف الجيش على مستقبل النظام والأمن لا في بنية قوات "الدعم السريع" التي قامت على الميليشيات القبلية. فلا تغض هذه الصفوة النظر عن "الدعم السريع" تزكية له ولا عن ولاء، بل عن استخفاف. فهي، في وعثاء امتيازها كصفوة حديثة، لا ترى في تكوين "الدعم السريع" وممارسته مادة سياسية للتحليل والفهم. فهو ممن ولد خارج السياسة ويبقى ما بقي مجرد شغب وهرج. فمادة "الدعم السريع" البشرية ممن يجري وصفهم في جاري قولهم كأجلاف بعقل رعوي خراب، بل في حضيض سلم البشرية. فالسياسة مما خلقت لدراسة ممارساتهم هم وخصومهم في مثل الإسلاميين. فإن سألت أحدهم لم لا يظهرون الاستنكار على ما يقوم به "الدعم السريع" حيال تخريب الأعيان المدنية بالقوة التي يستنكرون قيام الجيش بها؟ قال مستسلماً إنه لن يغالطك في أن "الدعم" هو سقر الشرور. ويكتفي بذلك كأنه يقول لك إن توقعك أن يقوم بعمل أفضل مما يقوم به فعلاً تجديف. فتلك طبيعة الوحش.

ترافق مع أنباء الصدام الماثل في غرب كردفان نشر "اندبندنت عربية" مقالة عن الجيش والميليشيات في السودان في مناسبة تصريحات لعضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق ياسر العطا، عن البدء فوراً في ترتيبات دمج جميع القوات غير النظامية داخل الجيش بموافقة قادتها، ضمن خطة الدولة "لوضع نهاية لزمن الميليشيات في البلاد وبناء جيش وطني واحد يمثل كل السودانيين". ولا يعرف إن كانت الدولة السودانية بالغة الاتساع والتراكيب ممن كان ديدنها التوكؤ على الميليشيات لإخضاع الهامش المتمرد ستستغني في يومنا أو غدها عن استدعاء هذه الإمكانية لصفها. وليس من جناح على الدولة أن تفعل ذلك إلا أن ترتكب ما ارتكبته "دولة الإنقاذ" مع "الدعم السريع". فـ"الدعم" وحش مختلف كسرت به "دولة الإنقاذ" احتكارها للسلاح عمداً ومع سبق الإصرار. فلم يعد "الدعم" ميليشيات الجنجويد، تؤدي وظيفة يومها وتفرغ منها وتتفرق، بعد صدور قانون تأسيسه من المجلس الوطني لدولة الإنقاذ خلال عام 2017. فجعله القانون جيشاً ثانياً أو "حرساً جمهورياً" في عبارة لحميدتي، نفسه. فليس للجيش سلطان عليه إلا في حالات الطوارئ، في حين جعلوا قيادته لرئيس الجمهورية وهو الوحيد الذي يقرر دمجه في الجيش متى اتفق له. وانتهز حميدتي سانحة حلفه مع الجيش على الثورة وحكومتها (2019-2021) ليمسح من القانون حتى "شعرة معاوية" التي ربطته بالجيش. فألغى المجلس العسكري المادة التي تخضعه للجيش في زمان الطوارئ، بل وسلطة رئيس الجمهورية في دمجه فيه. وعليه صار "الدعم" سيد نفسه. وصدقت كلمة للأكاديمي سلمان محمد سلمان قال فيها إن حميدتي لم يسهر على أمر مثل سهره على أن يعتزل الجيش وأن يعتزله الجيش.

قال كاتب ساخر إن صفوة السودان الحديثة عالة على الواقع. فالواقع ليس مادة ليدرسوها فيما رأينا هنا من إضرابهم عن دراسة تركيبة "الدعم السريع" ذات الأصل في منظمة "العقدا"، والتي هي بمثابة "وزارة حرب" القبيلة بأعراف في غاية الدقة في توزيع أسلاب الغنيمة. فالواقع الذي ترسف البلاد والعباد في أغلاله البدائية والقروسطية، كما يقولون، عدوهم. وكانوا قد خرجوا بسلطان الحداثة لمحوه بمشروعاتهم الغراء في الاشتراكية، أو التجديد الإسلامي، أو القومية العربية، أو الليبرالية. ويبلغ بهم العمى عن سياسات "أجلافهم" المزعومين وتراكيب حركتهم مبلغه حتى بعدما صاروا هم السياسة بطريق آخر.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء