ملخص
في "كونتيسة الدماء"، فيلمها الروائي الأحدث، تعود المخرجة والفنانة البصرية الألمانية النسوية أولريكه أوتينغر إلى عالم الخيال بعد عقود من العمل الوثائقي، لتقدّم مغامرة سينمائية تمزج بين الكوميديا السوداء والغرابة القوطية.
تقدم أولريكه أوتينغر الماضي وهو ينتفض من داخل الحاضر، معيدة صياغة أسطورة مصّاص الدماء بلغة بصرية مفرطة في البذخ والسخرية. الفيلم الذي عرض في الدورة الأخيرة من مهرجان برلين، مستوحى من شخصية إليزابيث باثوري التي اشتهرت بتعذيب (وقتل) نحو 625 شابة، ويُروى انها كانت تستحم بدمائهن.
تظهر كونتيسة الدماء (تلعب دورها الممثلة الفرنسية الكبيرة إيزابيل أوبير) من جديد في فيينا المعاصرة، بعد عقود من اختفائها الغامض. تعود لتلتقي بخادمتها المخلصة، وتنطلقان معاً في مهمة صعبة للعثور على كتاب خطير يمتلك القدرة على القضاء على الشر، بما في ذلك مصّاصو الدماء أنفسهم. بحثهما يقودهما في رحلة عبر مواقع تاريخية مهيبة في المدينة، قبل أن تتوسع المغامرة إلى بوهيميا، فينضم إليهما ابن أخي الكونتيسة، وهو مصّاص دماء نباتي يخضع للعلاج النفسي. في الوقت نفسه، يلاحقهما ثنائي من علماء مصّاصي الدماء ومفتش شرطة، في مطاردة لا تخلو من العبث والفشل المتكرر.
بعيداً من حكاية الرعب التقليدية، يعيد الفيلم قراءة أسطورة مصّاص الدماء في ضوء الحاضر. انها صورة متجددة لمخاوف بشرية وسياسية تتكرر عبر التاريخ. السفر والعبور عبر الأمكنة هما مصدر الإلهام الأساسي للمخرجة والرسامة والمصورة القديرة البالغة من العمر 83 عاماً، ومن خلال تنقلها الطويل بين مناطق تشهد تحولات سياسية واقتصادية، راقبت كيف تساهم الأزمات في تشكيل مخاوف جماعية وخيالات خلاص غريبة، وكيف تُعاد صياغة الأساطير القديمة لتفسير الحاضر. مصاص الدماء، في هذا الفيلم، رمز لمن "يمتصّون" دم الآخرين، أشخاصاً أو مؤسسات تعيش على حساب غيرها، وهي صورة تجدها السينما مادة خصبة لإعادة التوظيف. ”هذا هو النسيج الذي تستمد منه هوليوود رؤيتها إلى العالم، وتستعير منه السياسة صورها“، تقول أوتينغر في مقابلة معها.
السراديب والمصحات والمناجم
تعود فكرة الفيلم إلى رحلة قامت بها أوتينغر في أواخر القرن الماضي، حين سافرت بالسيارة من برلين عبر أوروبا الشرقية وصولاً إلى فيينا. المدن القديمة، المحفوظة كأنها خارج الزمن، والأنفاق والسراديب، والمصحات النفسية التاريخية، والمناجم، وطبقات التاريخ المظلم المرتبط بالحرب والنازية... كلها فجّرت لديها الرغبة في صنع فيلم يعبر الحدود بين الماضي والحاضر، وبين الهزل والخطر. هكذا وُلدت فكرة مصّاصي دماء يتجولون في فضاءات مشبّعة بالذاكرة، حيث تتعايش الأسطورة مع الواقع.
ما جذب أوتينغر إلى شخصية مصاص الدماء هو تكرارها الدائم عبر العصور. الأسطورة تتغير، لكن الصورة تبقى. ومن هنا، جاء اهتمامها بالتلاعب مع هذا النوع السينمائي، وإعادة تفسيره. يظهر هذا بوضوح في شخصية بوبي، مصّاص الدماء النباتي، الشاب المتمرّد الذي يحاول "الشفاء" عبر العلاج النفسي، في مقابل الكونتيسة وخادمتها، اللتين تجسدان أقصى درجات الإغواء والقوة. في الجهة الأخرى، تقف "قوى النظام"، الشرطة، والمعالجون النفسانيون، وعلماء مصاصي الدماء، الذين يسعون إلى السيطرة على هؤلاء الكائنات، لكنهم في الحقيقة يساهمون، عبر مخاوفهم وخيالاتهم، في استمرار وجودها.
في ما يتعلق بالبناء، انطلقت أوتينغر من الصورة قبل الحكاية، فهي فنانة تشكيلية. عبر دفتر كبير يضم رسومات وصوراً ومواد بصرية، صاغت لوحة قصصية اعتمدت عليها في العمل مع مدير التصوير مارتين غشلاشت. المطاردة تشكّل العمود الفقري للسرد: بحث عن دم جديد، بحث في تاريخ عائلي، بحث عن كتاب مدمّر، ومطاردة دائمة من قوى عاجزة عن الإمساك بفريستها. هذه الخطوط تتقاطع مراراً بطرق مفاجئة، أحياناً خجولة، وأحياناً إيروتيكية أو "غروتيسك".
من أجل كتابة السيناريو، استلهمت أوتينغر من نصوص للكاتبة النمسوية الفائزة بـ"نوبل" إلفريده يلينيك واجتمعت بها مراراً، رغم أن جزءاً كبيراً منها حُذف في النسخة النهائية لأسباب تتعلق بالمدة. ما تبقّى هو حوارات تحمل إشارات دقيقة إلى الثقافة والتاريخ النمسويين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تصف أوتينغر إيزابيل أوبير التي تتولى الدور الرئيسي، بأنها ممثلة قادرة على كل شيء، وأن الصمت في أدائها كان أحياناً أكثر بلاغة من الكلام. تواصلت معها في شأن مشاركتها في الفيلم قبل عشرين عاماً، وكانت متحمسة جداً، لكنّ الأمر استغرق وقتاً طويلاً لجمع التمويل. "وضعنا أكثر من عشرين نسخة من السيناريو، وعرضناه على جميع شركائنا الممولين. لم نتمكن من تأمين المبلغ الذي نحتاجه إلا خلال السنوات الخمس الماضية، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنني استطعتُ بيع الكثير من لوحاتي لأول مرة".
إلى جانب أوبير، يؤدي توماس شوبرت دور بوبي بملامح تجمع البراءة والحزن، فيما يجسد لارس آيدينغر شخصية المعالج النفساني بطاقة "مجنونة" مناسبة للعالم الذي يتحرك فيه الفيلم. أما بيرغيت مينيشماير، إبنة فيينا، فتمنح دور الخادمة حسّاً غروتسكياً ينتمي إلى تقاليد المسرح، وهي تقاليد ترى المخرجة أنها باتت نادرة اليوم.
يصعب الحديث عن أوتينغر من دون استعادة تاريخها في مجال الفن التشكيلي. ومن هنا، ليس مستغرباً ان يحمل الفيلم سمات بصرية قوية. فاللون الأحمر مثلاً يجد طريقه إلى الفيلم، لا بل يهيمن على كل شيء: الأقمشة، الدرج الحلزوني، المجوهرات، الطعام، الدم، وحتى عيون الخفافيش. هناك سيمفونية كاملة من الأحمر تبرز كقوة درامية قائمة في ذاتها. الأماكن هي أيضاً تتجاوز وظيفة الديكور إلى ما هو أعمق. الكنائس المزينة بعظام بشرية، قاعات التنكّر البوهيمية، والمنتزه بألعابه وأصدائه السينمائية، عناصر تتفاعل مع الشخصيات.
تشبّه أوتينغر السينما بالقطار، يتوقف عند محطات، كل واحدة منها مذهلة ومقلقة بطريقتها الخاصة. ورغم تجاوزها الثمانين، لا تزال على هذا الحس التجريبي الذي لم ينضب، لتعود إلى عالم الخيال بروح لا تخلو من الباروكية، فاتحةً المجال للتفكير في مصاص الدماء كانعكاس لهواجس الحاضر أكثر من كونه شخصية من الماضي.