ملخص
رواية "تيريز راكان" التي كتبها إميل زولا وهو في السابعة والعشرين من عمره، في عام 1867، وتوصف دائماً بكونها تنتمي إلى تيار سيقال أنه اخترعه هو بنفسه وسماه "النزعة الطبيعية" وسار على خطاه فيه كثر من أدباء أمم أخرى لاحقين عليه منهم نجيب محفوظ
بالنظر إلى الشهرة، بل حتى المكانة التي تحظى بها رواية "تيريز راكان" للكاتب الفرنسي إميل زولا، ولا سيما في مجالات الاقتباسات السينمائية المتعددة التي بالكاد تذكر اسم الكاتب في عناوين الفيلم، على عكس ما يفعل الاقتباس المصري عبر فيلم "لك يوم يا ظالم"، الذي كتب السيناريو له نجيب محفوظ وأخرجه صلاح أبو سيف، يخيل إلى كثر من القراء أن هذه الرواية أتت لاحقة، في مرحلة نضج ما في مسار زولا الكتابي؛ كذلك يعتقد كثر أنها واحدة من تلك الروايات المتعاقبة التي تحمل عنواناً عاماً هو "آل روغون - ماكار".
والحقيقة أن الاعتقادين خاطئان، فليست "تيريز راكان" متأخرة في مسيرة الكاتب، كذلك هي ليست واحدة من روايات تلك السلسلة الروائية المؤلفة من عشرين رواية يروي فيها الكاتب التاريخ الاجتماعي لفرنسا أيام الإمبراطورية الثانية، وذلك عبر أجيال متعاقبة من أبناء العائلتين اللتين يحمل العنوان العام اسميهما.
والواقع أن "تيريز راكان" التي كتبها زولا وهو في السابعة والعشرين من عمره، في عام 1867، صدرت واشتهرت قبل أعوام من ولادة فكرة تلك السلسلة التي سوف تصبح العمل المركزي للكاتب، وتوصف دائماً بكونها تنتمي إلى تيار سيقال أنه اخترعه هو بنفسه وسماه "النزعة الطبيعية" وسار على خطاه فيه كثر من أدباء أمم أخرى لاحقين عليه منهم روائينا العربي الكبير نجيب محفوظ، في مصر، وليس عبر "الثلاثية" وحدها. لكن حتى هذه الجزئية الأخيرة لم تكن صحيحة حتى.
"طبيعيون" مهدوا لمجيء زولا
فالواقع أن إميل زولا (1840 - 1902) حين أقدم على البدء في كتابة وإصدار العشرين جزءاً من روايات "آل روغون - ماكار" التي افتتحت بالنسبة إليه "التيار الطبيعي" في الأدب، لم يكن يتوخى، فقط، أن يقلد ما فعله سلفه أونوريه بلزاك، بإصدار مجموع رواياته وقصصه- ويصل عددها إلى نحو 100 عمل، تحت عنوان "الكوميديا الإنسانية"-.
وهو كان يعرف كذلك أن مواطنيه الكاتبين والناقدين الأخوان غونكور، كان قد سبق لهما، وحتى قبل إنجازه "تيريز راكان"، بعامين، أن حددا في مقدمة كتباها لروايتهما المعنونة "جيرميني لاسرتو" قواعد تيار أدبي جديد يريدان أن يطلقاه من خلال هذه الرواية. أي أنهما حددا القواعد النظرية للأدب "الطبيعي" نفسه كأدب يتضافر في داخله نوع من جماليات تقوم على أساس التجريبية العلمية. فهل علينا أن نتذكر هنا بأن زولا، وفي عام 1880 وفي نص كتبه تحت عنوان عام هو "الرواية التجريبية" استعاد مقتطفات ونصوصاً له كتبها وتتعلق بتلك النظريات نفسها وذلك في مواكبة نظرية وإعلامية منه لروايات "روغون - ماكار"، من دون أن يذكر دور الأخوين غونكور في التمهيد له، أي للتيار المذكور، حتى وإن لم يفته أن يشير إليهما بين الحين والآخر؟.
مهما يكن من أمر هنا، لا يمكن القول إن زولا "سرق"من أفكار الأخوين النظرية. فهو في نهاية المطاف لم يكتف، كما فعل هذان، بنص أو اثنين لتوكيد ولادة تيار ما، بل أبدع متناً متكاملاً وألهم أجيالاً بأسرها من الكتاب.
نحو أدب علمي
ومعنى ذلك بالطبع أن ما ظهر عند زولا كتيار أدبي متكامل، لم يكن عند سابقيه أكثر من إرهاصات ومقدمات واقتراحات. ومن هنا، حفظ التاريخ لصاحب "آل روغون - ماكار" فضلاً كبيراً فيما نسي الباقون تقريباً.
ولنضف إلى هذا أن هؤلاء الباقين، تمسكوا بالأدب الواقعي من دون أن يغريهم الجانب العلمي الذي ربطه زولا بالواقعية، ليلد النزعة الطبيعية. وهذا الأمر بالغ الأهمية، ولم يكن، على أية حال، غائباً عن صاحب العلاقة. فهو لم ينكر أبداً في هذا السياق الأخير أنه، في "تيريز راكان" كان يدين لأساتذته الكبار، بلزاك وفلوبير وستندال، بتوجيهه نحو الواقعية في الأدب. لكن واقعيته، ومنذ المقدمة التي كتبها لروايته الأولى "تيريز راكان"، ستكون علمية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهو يشرح لنا هذه الكينونة في تلك المقدمة نفسها، حتى وإن كان النص الذي تلى المقدمة، أي نص الرواية الأولى، لم يصل في رأيه إلى أن يتلقى التسمية الجديدة. فهنا كان بحسب الكاتب، كما يقول لنا بنفسه، أن يتكئ في كتابته على "الواقع" حتى وإن كان ذلك الاتكاء قد "جعلني أضيع وأنا أسعى إلى نسخ ما يعاش من حولي" كشخصيات وأمكنة، بنفس الدقة التي تولدها الحياة نفسها.
والحقيقة أن الذين يعرفون منطقة "البون نوف" التي تدور فيها أحداث هذه الرواية ومنها بصورة خاصة الممر الضيق الذي يقع فيه بيت كاميل مكان الجريمة، وهو كان منطقة سكنية حينها، ثم بقية المناطق الأخرى التي ننتقل عبرها في الأحداث التالية، يجدون قدراً من الصعوبة أول الأمر في تلمس طريقهم، وذلك قبل أن يكتشفوا مدى الجهد الجبار الذي بذله الكاتب لتحديد تلك المعلومات وجعلها جزءاً من روايته. بما في ذلك المعلومات المتعلقة بسبل العيش ومرتبات الشخصيات، وعربات الشرطة وحتى أسعار المواد التي تباع في محل البقالة... وكل ما يشي بأن الكاتب تعرف إلى كل ذلك ودرسه واستوعبه قبل أن يبدأ بالكتابة.
العلم في خدمة الأدب
غير أن إميل زولا، وكمجرد ملاحظات في ذلك التقديم لرواية "تيريز راكان" ثم كتأكيد للبعد النظري في ولادة "الأدب الطبيعي"، ها هو نفسه سوف يعترف بأنه إنما اشتغل على ذلك كله انطلاقاً مما تختزنه الذاكرة. وبالتالي "بطريقة لا يمكن وصفها بالعلمية". فما العمل؟
ببساطة إذاً، ها هو يدعو إلى اتباع الأسلوب العلمي، ليس كمجرد رغبة إبداعية، بل كوسيلة لإشعار القارئ أنه حقاً أمام كتابة تعنيه وتعرف عن شؤون حياته وتفاصيل تلك الشؤون، ما يخلق الألفة بينه وبين ما يقرأ، ولكن "شرط ألا يتحول النص إلى مخزون علمي أرشيفي كما حال التاريخ والجغرافيا وما شابههما".
بالنسبة إلى زولا، ومع تخطيطه الدقيق والذي استغرق وقتاً طويلاً، للاشتغال على روايات "روغون - ماكار"، لا يمكن بالنسبة إلى المشروع الجديد، الانطلاق في الكتابة كما يفعل الأدباء عادة، بل يجب تحضير العدد الأكبر من المخططات والوثائق والأرقام والخرائط والدراسات السيكولوجية وتواريخ الأحياء والساعات وتحولات العمران. وهو ما جمع لكاتبنا ألوف الصفحات الموزعة على أضابير وملفات مرتبة بتنسيق علمي.
ونعرف، من مقال سابق حول هذا الأمر في هذه الزاوية بالذات، أن العمل الأكبر الذي قام به زولا في هذا المضمار، إنما هو التحضير المتأني والخاص، وفي مئات الصفحات والصور والوثائق، الذي مهد فيه لكتابة روايته "في أحشاء باريس" التي تدور أحداثها في أسواق العاصمة المركزية وتحديداً في المنطقة التي يقع فيها اليوم مركز جورج بومبيدو الثقافي.