ملخص
تأتي هذه التعديلات، من أجل "ضمان انسجام الأحكام الدستورية، مما يجعل منها إضافة نوعية لتعزيز فاعلية السلطات والمؤسسات الدستورية وضمان حماية أكبر للحقوق والحريات".
أغلق البرلمان الجزائري الباب أمام الجدل الذي أثير خلال الأسابيع الماضية، حول ملف تعديل الدستور، بمصادقة غالبية أعضائه على القانون المتضمن التعديل التقني للدستور الذي مر بسلام، مستفيداً من الأغلبية المريحة التي تحوزها الحكومة داخل الهيئة التشريعية، ويطرح معه تساؤلات حول مدى انسجام التعديلات الجديدة من دون المساس بالمكتسبات الأساسية التي أقرها دستور 2020 وبتوازن للسلطات؟
نهاية الجدل
وبعد جلسات نقاش ماراثونية تمت المصادقة بـ542 صوتاً خلال جلسة علنية، ترأسها رئيس مجلس الأمة، رئيس البرلمان، عزوز ناصري، بحضور رئيس المجلس الشعبي الوطني، إبراهيم بوغالي، ورئيسة المحكمة الدستورية، ليلى عسلاوي، ومدير ديوان رئاسة الجمهورية، بوعلام بوعلام، إلى جانب أعضاء من الطاقم الحكومي وممثلين عن هيئات رسمية.
وللمصادقة على التعديل يجب أن يحظى بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء غرفتي البرلمان، أي ما لا يقل عن 437 نائباً من أصل 583 عضواً، موزعين بين 407 أعضاء في "المجلس الشعبي الوطني" و176 عضواً في "مجلس الأمة"، وببلوغ هذا النصاب، سينشر التعديل مباشرة في "الجريدة الرسمية"، شريطة عدم تعارضه مع أحكام المادة 223 من دستور 2020.
ووفقاً لأحكام "المادة 221" من الدستور الذي اعتمد عبر الاستفتاء في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، تندرج مراجعة الدستور ضمن صلاحيات رئيس الجمهورية، ويمكن عرضها إما على الاستفتاء الشعبي وإما مباشرة على البرلمان، بعد أخذ رأي المحكمة الدستورية.
وتنص المادة 221 من الدستور الجزائري على عدم المساس بقائمة من ثمانية "الثوابت" التي لا يجوز أن يمسّها بأي تعديل دستوري وهي: الطابع الجمهوري للدولة، والنظام الديمقراطي القائم على التعددية الحزبية، والإسلام باعتباره دين الدولة، واللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية، واللغة الأمازيغية باعتبارها لغة وطنية ورسمية، والحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن، وسلامة التراب الوطني ووحدته، والعلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز الثورة والجمهورية.
وفي ختام جلسة التصويت، قال رئيس مجلس الأمة، رئيس البرلمان، عزوز ناصري إن المحكمة الدستورية اضطلعت بدور لافت في العملية، مبرزاً أنها "أسهمت من خلال رأيها، في تأطير مسار التعديل، بما يحفظ الانسجام بين النصوص ويصون الحقوق والحريات الأساسية، ويعزز مبدأ الفصل بين السلطات في إطار تكاملي متوازن، كما عكست ممارستها لوظيفتها الرقابية مستوى متقدماً من النضج المؤسساتي، يؤكد ترسخ ثقافة دستورية قائمة على احترام القواعد والإجراءات".
سد الثغرات
وفي الـ25 من يناير (كانون الثاني) 2025، أفرجت الرئاسة الجزائرية عن البنود المعنية بالمراجعة الدستورية، لم يتضمن أي منها تغيير المادة التي تمنع الترشح لأكثر من ولايتين رئاسيتين متتابعتين، وهو ما أغلق جدلاً أثير في شأنها، وقتها.
وعرض 12 مقترح تعديل خلال اجتماع بالعاصمة، بحضور الوزير الأول سيفي غريب ومدير الديوان بالرئاسة بوعلام بوعلام، وقيادات أحزاب سياسية ومسؤولي كل الأجهزة الأمنية، إضافة إلى الرئيس بالنيابة لـ"السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات".
وأبرز وزير العدل الجزائري، لطفي بوجمعة، الأهمية التي يكتسيها مشروع التعديل التقني للدستور الذي يشكل إضافة نوعية لتعزيز فاعلية السلطات والمؤسسات الدستورية وضمان حماية أكبر للحقوق والحريات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي عرضه مشروع القانون المتضمن التعديل التقني للدستور، خلال دورة البرلمان المنعقد بغرفتيه، أوضح الوزير أن التعديلات التقنية الـ12 المعروضة للتصويت تهدف إلى "سد الثغرات التي أبان عنها الواقع في عمل بعض الهيئات والمؤسسات الدستورية أو تعارض بين بعض أحكامها أو غموض بعضها الآخر".
وتأتي هذه التعديلات، من أجل "ضمان انسجام الأحكام الدستورية، مما يجعل منها إضافة نوعية لتعزيز فاعلية السلطات والمؤسسات الدستورية وضمان حماية أكبر للحقوق والحريات".
وأشار إلى أن معالجة تلك الاختلالات التقنية التي أفرزتها الممارسة في الواقع تندرج في إطار "مواصلة الإصلاحات السياسية والدستورية التي بادر بها رئيس الجمهورية، عبدالمجيد تبون، لتكريس الحوكمة وتجسيد دولة الحق والمؤسسات".
وفي هذا السياق، يقول النائب بالمجلس الشعبي الوطني، علي مويلحي، إن التعديل التقني لبعض أحكام الدستور جاء بمقتضى المرسوم الرئاسي رقم 26/ 119 المؤرخ في الـ19 من مارس (آذار) الجاري المتضمن استدعاء البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معاً.
وأوضح مويلحي في حديث لـ"اندبندنت عربية" أن التعديلات مست 12 مادة بهدف سد الثغرات التي أبانتها الممارسات الدستورية كونها لم تعد تساير الواقع، واستحدثت مادة جديدة تتعلق بتخويل رئيس الجمهورية تقرير إجراء انتخابات محلية مسبقة.
وأضاف أن هذه التعديلات التقنية لا تمس ألبتة المواد الأساسية المتعلقة بالحقوق والحريات والتي لا تعدل إلا عن طريق الاستفتاء الشعبي.
تحييد الغموض
وكان مدير ديوان الرئاسة الجزائرية، بوعلام بوعلام، قد أوضح أن من أهم أهداف هذا التعديل، ضمان تناسق النصوص القانونية وسد الثغرات التي شخصها الواقع العملي، من خلال تحييد الغموض والتعارضات التي قد تظهر عند تطبيق الأحكام، مما يساعد على تعزيز وضوح الإطار الدستوري وضمان سيره بصورة دقيقة ومنسجمة من دون المساس بالمكتسبات الأساسية التي أقرها دستور 2020.
ويندرج هذا الإجراء ضمن مسعى بناء ديمقراطية حقة تقوم على مرجعية دستورية وسياسية صلبة، مثلما كان قد أكده الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي جدد حرصه على تكريس نهج الحوار والتشاور مع مختلف الفاعلين السياسيين، بما يعزز المسار الديمقراطي ويكرس دولة القانون والمؤسسات.
وفي خطوة تندرج ضمن الإصلاحات المتتابعة التي يقوم بها الرئيس عبدالمجيد تبون للارتقاء بالممارسة السياسية في البلاد، إذ عرف هذا التعديل التقني إشراك الطبقة السياسية بمختلف أطيافها، وفتح باب الحوار بغية تدارك النقائص والملاحظات التي برزت خلال تطبيق دستور 2020.
تعديلات أساسية
تشمل التعديلات مؤسسات أساسية عدة في البنية الدستورية الجزائرية، منها رئاسة الجمهورية، وغرفتا البرلمان، والمجلس الأعلى للقضاء، والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات.
وتضمنت التعديلات "إدراج شرط إثبات مستوى تعليمي للمترشح لرئاسة الجمهورية بالنظر إلى طبيعة المهام، وتنظيم مراسم أداء اليمين الدستورية بجعلها أمام البرلمان بغرفتيه المجتمعتين (أو مجلس الأمة عند الشغور)، مع إسناد تلاوة اليمين للرئيس الأول للمحكمة العليا، تكريساً للتقليد وتفادياً للتعارض، كما يمنح رئيس الجمهورية صلاحية الدعوة إلى انتخابات محلية مسبقة سداً لفراغ دستوري".
وفي الإطار ذاته، "يعدل المشروع تمثيل الولايات في مجلس الأمة بالاعتماد على عدد السكان بدل التساوي، مع أحكام انتقالية للأعضاء الحاليين، ويحدّد مدة رئاسة مجلس الأمة بستة أعوام بدل ثلاثةلضمان الاستقرار، ويجعل افتتاح الدورة البرلمانية خلال سبتمبر (أيلول) المقبل من دون تحديد يوم لمرونة أكبر، ويعالج الخلاف التشريعي بين غرفتي البرلمان بإشراك مجلس الأمة في الفصل النهائي عندما يتعلق الأمر بمجال اختصاصه الدستوري".
في المقابل، "يعيد المشروع النظر في تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء بإقصاء التمثيل النقابي ورئيس المجلس الوطني لحقوق الإنسان لعدم الملاءمة، وإدراج النائب العام لدى المحكمة العليا لضمان الانسجام".
ويعدل المشروع "نظام التعيين في الوظائف القضائية النوعية ليكون بمرسوم رئاسي بعد استشارة المجلس بدل رأيه المطابق تفادياً للتعارض، ويوسع صلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لتشمل الرقابة على العمليات الانتخابية والاستفتائية مع إسناد الجوانب المادية للإدارة".
ويدرج "أحكاماً انتقالية لضمان تكييف المؤسسات مع التعديلات في آجال معقولة، وينظم التجديد النصفي الأول لأعضاء مجلس الأمة المنتخبين عند إنشاء ولايات جديدة عن طريق القرعة، مع استثناء رئيس المجلس حفاظاً على استمرارية المؤسسات وربط الخبرة البرلمانية بين العهدات".
مسائل إجرائية
يقول أستاذ القانون الدستوري في الجزائر علاوة العايب إن التعديل التقني للدستور، يندرج ضمن المسار الدستوري العادي المعتمد في الجزائر، ويهدف أساساً إلى سد بعض الثغرات وتدقيق مسائل إجرائية أفرزتها الممارسة العملية المنبثقة عن دستور نوفمبر 2020.
وأوضح العايب في تصريحات للإذاعة الجزائرية أن "اعتماد تعديلات دستورية عبر البرلمان لا يعد سابقة في التاريخ الدستوري الجزائري، مستعرضاً مختلف المحطات الدستورية التي عرفتها البلاد، بداية بدستور 1963 الذي أعدته الجمعية التأسيسية المنتخبة عام 1962، مروراً بدستور 1976 الذي اعتمد عبر استفتاء شعبي، ثم دستور 1989 وتعديل 1996، وصولاً إلى تعديل عام 2002، وتعديل 2008 المتعلق بالعهدات الرئاسية، وصولاً إلى دستور 2016.
وثمّن المتحدث التعديل المتعلق بصلاحيات السلطة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات، من خلال حصر مهامها في الرقابة، مقابل ترك الجوانب التنظيمية المعقدة للعملية الانتخابية للجهات المختصة، بما يسمح بضمان سير أكثر فعالية ونجاعة للاستحقاقات الانتخابية.
من جهته، يرى أستاذ القانون الدستوري، رشيد لوراري، التعديل الأهم في الدستور يتعلق بالدعوة إلى الانتخابات المحلية المسبقة، التي تعدّ بموجب التعديل الجديد من صلاحيات رئيس الجمهورية، لأنه لا يعقل أن يقوم الرئيس بالدعوة إلى الانتخابات الرئاسية والتشريعية بصورة مسبقة من دون المحلية.