ملخص
يواجه الجيش الأميركي اليوم خطر تكرار المسار التاريخي للجيش الألماني في القرن الـ20، إذ كانت القوات الألمانية تتسم ببراعة تكتيكية وعملياتية فائقة، ومع ذلك منيت بالهزيمة في حربين عالميتين بسبب عجز قادتها عن التفكير بمنظور استراتيجي.
وبالمثل، دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً نظير مغامراتها العسكرية غير المحسوبة في الآونة الأخيرة، غير أنه لم يفت الأوان بعد لتصحيح الركائز الاستراتيجية التي تقوم عليها سياسة الأمن القومي.
مع استمرار الحرب فترة أطول مما توقعه دونالد ترمب، بدا أن الرئيس الأميركي يبحث عن مخرج دبلوماسي للأزمة، حتى في وقت يهدد فيه بتصعيد الصراع، فقد أعلن أن الحرب توشك على الانتهاء، وفي سعيه للتوصل إلى اتفاق مع طهران، أعلن تمديد المهلة التي منحها للنظام الإيراني 10 أيام وإلا سيضرب محطات الطاقة الإيرانية، لكن بعد مرور شهر على بدء هذه الحرب، لا يزال الجدل محتدماً في واشنطن عما إذا كانت الولايات المتحدة فشلت في تحقيق نصر كاسح عبر عملية "الغضب الملحمي"، فبينما حققت القوات الأميركية والإسرائيلية هيمنة تكتيكية لا يمكن إنكارها، يظل الصراع غير محسوم من الناحية الاستراتيجية، وهو ما يعيد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول الأسباب التي تجعل أميركا دائماً تكسب معاركها وتخسر حروبها منذ الحرب العالمية الثانية؟ وما إذا كانت حرب ترمب في إيران تكرر خطأً مألوفاً كثيراً ما وقعت فيه الإدارات السابقة؟
نجاح تكتيكي
في مواجهة الجيوش الأخرى لم يخسر الجيش الأميركي أي معركة بالمقاييس العسكرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنه مع ذلك لم يحقق سوى انتصارات قليلة من ناحية تحقيق الأهداف الاستراتيجية بخاصة في حروب الشرق الأوسط مثل أفغانستان والعراق وليبيا التي شنتها الولايات المتحدة عقب هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001، ومع اندلاع حرب إيران التي تدور رحاها الآن يتهدد الإدارة الأميركية سيناريو مماثل، إذ يذهب المسؤولون العسكريون والسياسيون في واشنطن إلى القول إن هذه الحملة شكلت انتصاراً عملياتياً عسكرياً.
يتمثل ذلك في تدمير الأميركيين 15 ألف هدف وتحييد الجيش الإيراني و"الحرس الثوري" والقضاء على القوات الجوية والبحرية وقوات الدفاع الجوي، وانخفاض عمليات إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة من إيران بنسبة 90 في المئة، واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وغيره من كبار المسؤولين، فضلاً عن السيادة الجوية الأميركية في المجال الجوي الإيراني لدرجة أن الطائرات البطيئة والمنخفضة التحليق مثل طائرة "أي-10 ثندربولت" أصبحت تحلق بأمان تام في الأجواء الإيرانية.
فشل استراتيجي
على رغم الفوز في ساحة المعركة، وتدمير الولايات المتحدة تدريجاً قدرة إيران على استخدام سلاحها الأهم في الحرب (الطائرات المسيرة والهجمات الصاروخية) التي تشكل أساس الاستراتيجية الإيرانية برمتها، فإن النظام الذي دعا ترمب الشعب الإيراني للثورة عليه ظل متماسكاً، ولا تزال إيران تلحق بعض الضرر بالقوات الأميركية، وتواصل هجماتها، وإن كانت تتناقص ببطء، كما تحتفظ طهران بسيطرة فعلية على مضيق هرمز، مما يؤدي عملياً إلى عرقلة مرور 20 في المئة من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم، ويسبب صدمات اقتصادية عالمية.
ولا تزال طهران تعمل على "التصعيد الأفقي" أي نقل ميدان المعركة لساحات جديدة مثلما حدث في العراق وأخيراً مع دخول الحوثيين المعركة باستهداف إسرائيل، بهدف استنزاف الإرادة السياسية الأميركية ومواصلة الحرب فترة أطول، وزاد على ذلك أنها رفضت علناً في الأقل خطة السلام الأميركية المكونة من 15 نقطة، على رغم تأكيد ستيف ويتكوف مبعوث ترمب أن المفاوضات جارية وأن لقاء سينعقد مع الإيرانيين هذا الأسبوع.
من المرجح أن إيران حسبت أنها إذا تسببت في خسائر بشرية للقوات الأميركية، ورفعت أسعار النفط، وفرضت كلفاً اقتصادية على كل من أميركا والعالم، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ستتخذان قراراً سياسياً بإنهاء الحرب من دون تحقيق أهدافهما، بخاصة أن هجوماً واحداً فقط سواء بطائرة مسيرة أو بصاروخ على سفن الشحن في مضيق هرمز قد يكون كافياً لتمكين إيران من الخروج بمظهر المنتصر.
لا نتيجة سياسية
وكما يقول العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي روبرت ماغينيس فإن الحروب لا تكسب بمجرد شطب الأهداف من القوائم، بل حينما تفضي القوة العسكرية إلى تحقيق نتيجة سياسية مستدامة، وبعد مرور نحو أربعة أسابيع على انطلاق هذه الحملة، لا تزال تلك النتيجة غير محددة المعالم، وهنا تكمن المشكلة، إذ يرى السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل في عهد الرئيس جورج دبليو بوش دانيال كيرتزر أن سياسة ترمب تجاه إيران فاشلة لأنه يبدو غير واثق من أهدافه الخاصة ولغياب استراتيجية واضحة.
كذلك يشير وزير الدفاع خلال ولاية ترمب الأولى، جيم ماتيس، إلى أن الرئيس أخفق في توظيف القوة الأميركية غير العسكرية بحكمة، مؤكداً أن تحديد الأهداف لا يغني عن الاستراتيجية إذ لا يزال يتعين إثبات ما إذا كانت الولايات المتحدة تمتلك بالفعل استراتيجية لاستخدام الدبلوماسية والاقتصاد.
وتشير التحليلات الصادرة عن مجموعات بحثية، مثل "معهد دراسة الحرب" إلى أنه على رغم تحقق الأهداف العسكرية المنشودة، فإن الحملة لم تكتمل بعد، كلك فإنها تواجه أخطاراً متصاعدة تتمثل في احتمالية تحول الصراع إلى نزاع طويل الأمد ما لم يتم التوصل إلى اختراق دبلوماسي، لذا يجب على العمليات العسكرية أن تحول دون استغلال إيران للأضرار الاقتصادية والضغوط السياسية لتضخيم تأثير التحركات التكتيكية التي قد تبدو صغيرة وغير ذات ثقل عسكري في سياقها الأصلي، وتحويلها إلى نجاحات استراتيجية.
وبالنظر إلى الإنجازات العسكرية الأميركية، وضعف الهجمات الإيرانية التي جاءت أدنى بكثير من طموحات طهران بشن هجمات واسعة النطاق باستخدام الآلاف من الصواريخ والطائرات المسيرة، فإن الحكم بفشل هذه الحملة يعد أمراً سابقاً لأوانه.
سجل يثير الاستياء
غير أن الإحباط من النتائج التي حققتها الحرب حتى الآن في ظل عدم وضوح نتيجة سياسية مستدامة، يبدو وكأنه جزء من سجل الولايات المتحدة في الحروب الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية الذي يثير استياء كثيرين، كما يقول العقيد المتقاعد في الجيش الأميركي بيتر منصور، الذي يشغل حالياً منصب كبير الباحثين في التاريخ العسكري بمعهد "هوفر"، حين يشير إلى ثلاثة انتصارات فقط حققتها القوات الأميركية في بنما وحرب الخليج الأولى وكوسوفو، وهزيمتين في فيتنام وأفغانستان، وثلاث نتائج مضطربة وغير سعيدة في كوريا والعراق وليبيا، حيث انقسمت كوريا نصفين، وسيطرت إيران على العراق، وغرقت ليبيا في حرب أهلية، مما يثير تساؤلات حول أسباب عدم قدرة أميركا على الانتصار في حروبها اليوم؟
ربما يتعذر على المواطنين الأميركيين إدراك أن الحرب العالمية الثانية انتهت بصورة إيجابية ليس فقط لأن القوات المسلحة الأميركية انتصرت على قوى النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا واليابان، بل أيضاً لأن وجود القوات العسكرية الأميركية، والمساعدات الاقتصادية، والالتزام السياسي من جانب صانعي القرار الأميركيين بإعادة بناء هذه الدول، هو ما ضمن سلاماً دائماً.
من كوريا إلى فيتنام
لكن الصورة اختلفت خلال العقود الأربعة للحرب الباردة، إذ قيد التنافس بين القوى العظمى شن الحروب بصورة كبيرة، فعلى رغم تحذير قائد الجيش الأميركي الجنرال دوغلاس ماك آرثر بأنه لا بديل عن النصر، فإن إدارتي هاري ترومان ودوايت أيزنهاور قلصتا أهداف الولايات المتحدة في كوريا بعدما ضمن التدخل الصيني أن إعادة توحيد شبه الجزيرة بالقوة ستكون مكلفة للغاية، وربما تعرض للخطر أهدافاً استراتيجية أميركية أكثر أهمية في أوروبا.
ولهذا اعتبر رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة عمر برادلي، أمام الكونغرس في الـ15 من مايو (أيار) عام 1951 أن توسيع نطاق الحرب في كوريا لتشمل الصين الشيوعية سيورط الولايات المتحدة في الحرب الخاطئة، والمكان الخاطئ، في الوقت الخاطئ، ومع العدو الخاطئ.
وبعد 13 عاماً واجهت إدارة الرئيس ليندون جونسون معضلة مماثلة، ففي عام 1964، ومع انهيار فيتنام الجنوبية تحت وطأة الهجمات الشيوعية، لجأت إدارة جونسون، التي كانت تعتبر حرب فيتنام استنزافاً للموارد، إلى القوة الجوية في محاولة لإجبار فيتنام الشمالية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وعندما فشلت عملية "الرعد المتدحرج"، كافح الرئيس وكبار مستشاريه لوضع استراتيجية لتحقيق أهداف الولايات المتحدة بكلفة مقبولة.
وعلى مضض، قررت الإدارة إشراك القوات البرية الأميركية في الصراع، لكن الرئيس فعل ذلك من دون تعبئة قوات الاحتياط لتجنب الجدل العام الذي قد يثيره مثل هذا القرار، ثم كذب الرئيس جونسون ووزير الدفاع روبرت ماكنمارا على قادة الكونغرس في شأن استراتيجية الإدارة، وقللا من شأن مستوى الالتزام والغرض من تعزيز القوات، لكن في سرية تامة دفع رؤساء الأركان المشتركة بنحو نصف مليون جندي لمدة خمسة أعوام لتحقيق النصر عبر استراتيجية معيبة، كانت تعلم أنها غير كافية لتحقيق هذا الهدف.
الثمرة المرة
خلص المؤرخان آلان ميلت وويليامسون موراي، بعد دراسة الأدلة التي جمعاها في دراستهما المكونة من ثلاثة مجلدات حول الفعالية العسكرية بين عامي 1914 و1945، إلى أن وضع استراتيجية مناسبة هو أهم جانب في الحرب، وأن أي قدر من البراعة العسكرية العملياتية لا يمكن أن يغني عن استراتيجية مناسبة. ومع ذلك، أسفر مزيج الأخطاء السياسية والاستراتيجية في حرب فيتنام عن نتائج كارثية، إذ لم تنقذ التعبئة الفعالة والقوى البشرية والقدرة الصناعية والثروة القومية والمعرفة التكنولوجية، الأميركيين من جني الثمار المرة للأخطاء الفادحة على المستوى الاستراتيجي، ويعود ذلك إلى أن اتخاذ القرارات الصائبة على المستويين السياسي والاستراتيجي يعد أكثر أهمية من المستويين العملياتي والتكتيكي، فأخطاء العمليات والتكتيكات يمكن تصحيحها، أما الأخطاء السياسية والاستراتيجية فتظل باقية إلى الأبد.
كانت الثمرة المرة لاستراتيجية رديئة التخطيط في حرب فيتنام هي سقوط 58 ألف قتيل وإصابة أكثر من 300 ألف أميركي، وهزيمة عسكرية فادحة سببت عقدة للشعب الأميركي والسياسيين والعسكريين امتدت عقوداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بين النجاح والفشل
أما الحروب التي شنتها إدارة جورج أتش بوش (الأب) في بنما عام 1989 وفي الخليج العربي عام 1991، فقد حظيت بنتائج أفضل، ومن بين أسباب النجاح في هذه المساعي، الأهداف الواضحة القابلة للتحقيق، والدعم المحلي والدولي الواسع، واستخدام قوة عسكرية ساحقة، وتحديد واضح لسيناريوهات النهاية التي حالت دون استمرار الانتظام العسكري الأميركي فترة طويلة في أعقاب الصراع.
غير أن الحروب التي نشبت في أعقاب هجمات الـ11 من سبتمبر على الأراضي الأميركية عام 2001 في عهد الرئيس جورج دبليو بوش (الابن)، وبعده مع الرئيس باراك أوباما، لم تسر على النحو المأمول، ففي أفغانستان والعراق وليبيا، جاء تغيير الأنظمة الحاكمة بسهولة، إلا أن تداعيات ذلك كانت فوضوية ودموية وباهظة الكلفة، ولم تظهر أي من الإدارتين قدرة على التفكير بعمق في سيناريو النهاية لصياغة الاستقرار من بين ركام الأنظمة المخلوعة.
كما لم ترغب أي من الإدارتين في إغراق الولايات المتحدة في احتلال طويل الأمد ومساعي بناء الدولة، وعلى رغم أن إدارة بوش أعلنت عام 2001 صراحة أن الولايات المتحدة ستتراجع عن سياسة "بناء الدولة"، فإن بوش ومستشاريه كانوا يفكرون حينها في منطقة البلقان، وليس في أفغانستان أو العراق، وعندما واجهت الإدارة واقع ضرورة إعادة بناء مؤسسات الحكم عقب سقوط نظامي طالبان وصدام حسين، لم تجد أمامها خياراً يذكر سوى الانتظام في احتلال طويل ومكلف، أما الخيار البديل وهو الانسحاب ببساطة وترك الأمور لتأخذ مجراها، فقد جربته إدارة أوباما في ليبيا وكانت النتيجة بلداً مزقته الانقسامات والحرب الأهلية.
وهكذا، وبعد أن وجدت إدارة بوش نفسها منساقة على رغم عنها نحو خوض غمار عمليات مكافحة التمرد وبناء الدولة في أفغانستان والعراق، ظلت تتعثر، أعواماً عدة، في صياغة استراتيجية ملائمة لكسب السلام في تلك الأراضي التي مزقتها الحروب، وأدى عجز الولايات المتحدة عن مواصلة انتظامها في العراق بالقدر الكافي على المدى الطويل إلى الهزيمة في ذلك الصراع.
وفي أفغانستان بذلت إدارة أوباما جهوداً لتعزيز القوات وإرسال تعزيزات إضافية عام 2010، ولكن من دون إحداث أي تغيير في الاستراتيجية الجوهرية المتبعة، إذ تمكنت حركة "طالبان" من امتصاص الضربات ومواصلة حملتها الرامية إلى إسقاط الحكومة الأفغانية، وانتهى الأمر بانسحاب مهين في عهد الرئيس جو بايدن ظل يلاحقه حتى الساعات الأخيرة من وجوده في البيت الأبيض.
مسؤولية الجيش الأميركي
يتحمل الجيش الأميركي جانباً من المسؤولية عن إخفاق الولايات المتحدة في إنهاء حروبها الأخيرة على نحو سليم، فقبل أحداث الـ11 من سبتمبر كانت عملية تحويل القدرات الدفاعية ترتكز على افتراض خوض صراعات مستقبلية ضد أعداء يمثلون صورة طبق الأصل من القوات الأميركية ذاتها، وكان يعتقد أن توافر معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب من شأنه أن يفضي إلى الهيمنة على ساحة المعركة، وتوجيه ضربات دقيقة ضد الأهداف من مسافات بعيدة، وتنفيذ عمليات سريعة وحاسمة تؤدي، بمنتهى السرعة والدقة، إلى انهيار القوة المسلحة للعدو أو إسقاط نظامه السياسي عبر استهداف مركز الثقل الخاص به.
غير أن أجهزة الاستشعار المتطورة والذخائر الموجهة بدقة ما هي إلا مجرد قدرات تقنية، فهي ليست بديلاً عن الاستراتيجية العسكرية، ومن المؤسف أن إدارة بوش الابن راهنت في البداية على القدرات التقنية العالية التي تمتلكها القوات الأميركية لحسم نتائج الحروب في كل من أفغانستان والعراق، واليوم، تعيد إدارة ترمب ارتكاب الخطأ ذاته من خلال اعتمادها المتزايد على الحرب الجوية والقدرات التكنولوجية والاستخباراتية.
أخطأت الإدارات الأميركية في قراءة طبيعة الحرب، ليس فقط في حقبة ما بعد الحرب الباردة، بل طبيعة الحرب في أي حقبة زمنية كانت، ففي أفغانستان والعراق كرر الجيش الأميركي كثيراً من الأخطاء التي ارتكبها سابقاً في فيتنام، ويعود ذلك إلى أن القادة السياسيين والعسكريين في أميركا نسوا تقريباً كل الدروس المستفادة من ذلك الصراع.
وهكذا، كانت الأخطاء الأميركية في العراق وأفغانستان نتاج فشل متفش في استيعاب الإطار التاريخي الذي تنشأ وتتطور ضمنه حركات التمرد، وفي تقدير العوامل الثقافية والسياسية الخاصة بالأمم والشعوب الأخرى، وفي فهم طبيعة الحرب بما يتجاوز الحدود الضيقة للتكتيكات والعمليات العسكرية البحتة.
وعلى رغم أن الحربين في العراق وأفغانستان ربما كانتا خيارين غير حصيفين، فإنه كان بالإمكان كسب كلتيهما لو تم تبني الاستراتيجية الصحيحة، أما ليبيا فقد منيت الولايات المتحدة وحلفاؤها بالهزيمة بالتخلف عن الحضور أو ما يسمى الهزيمة الافتراضية، حينما قرروا الانسحاب من ساحة المعركة.
مسار الجيش الألماني
يواجه الجيش الأميركي اليوم خطر تكرار المسار التاريخي للجيش الألماني في القرن الـ20، إذ كانت القوات الألمانية تتسم ببراعة تكتيكية وعملياتية فائقة، ومع ذلك منيت بالهزيمة في حربين عالميتين بسبب عجز قادتها عن التفكير بمنظور استراتيجي.
وبالمثل، دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً نظير مغامراتها العسكرية غير المحسوبة في الآونة الأخيرة، غير أنه لم يفت الأوان بعد لتصحيح الركائز الاستراتيجية التي تقوم عليها سياسة الأمن القومي، ولهذا يعد التوافق بين الحزبين الرئيسين حول الأهداف الاستراتيجية أمراً جوهرياً لضمان استمرار اتساق السياسات وثباتها عبر تعاقب الإدارات الرئاسية المختلفة.
والأهم من ذلك، يتحتم على كبار القادة السياسيين والعسكريين أن يتبنوا نهج التفكير الاستراتيجي، بدلاً من الانشغال بملاحقة أزمات اللحظة الراهنة، أو الانخداع بالشعارات البسيطة التي لا تقدم سوى قدر ضئيل من التوجيه، وقدر أقل من الأمل في التوصل إلى نتائج مرضية للحروب التي تخوضها الولايات المتحدة.