Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما أسباب تأخر حسم معركة كردفان ودارفور؟

تدفق السلاح والمقاتلين عبر ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى يمنح "الدعم السريع" قدرة مستمرة على التعويض

ولاية شمال كردفان تُعد شبه محسومة لمصلحة الجيش (أ ف ب)

ملخص

كردفان نقطة الارتكاز الحاسمة، إذ تمثل مفتاح المعركة لأسباب عدة، أهمها قطع شريان دارفور (الوسط)، وتأمين قاعدة انطلاق نحو الغرب، وتوفير بيئة قتال أنسب للجيش لأنها منطقة مفتوحة ومنظمة نسبياً.

قاد الجيش السوداني محاولات عدة من بينها نقل غرفة عملياته المركزية إلى مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان لإحكام سيطرته على كامل إقليم كردفان، مما يمهد الطريق للوصول إلى إقليم دارفور كهدف رئيس لإنهاء هذه الحرب عسكرياً، بحسب تصريحات قادة الجيش. لكن هذا الهدف لم يتحقق منذ انتقال المعارك إلى كردفان عقب سيطرة الجيش على الخرطوم في مارس (آذار) عام 2025.

فكيف يرى المراقبون العسكريون واقع هذه المعارك وأسباب تأخر حسمها؟

طبيعة المسرح

يقول المدير السابق لمركز الدارسات والبحوث في أكاديمية نميري العسكرية العليا في الخرطوم اللواء أشرف محمد محمود، "في تقديري إن تأخر سيطرة الجيش على إقليمي كردفان ودارفور لا يُعد تعثراً عملياتياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لطبيعة المسرح القتالي نفسه. فمساحة الإقليمين شاسعة جداً تتجاوز 800 ألف كيلومتر مربع، مما يجعل السيطرة الكاملة والمستدامة صعبة للغاية على جيش نظامي، فضلاً عن اعتماد قوات ’الدعم السريع‘ على الحركة والتشتت والمفاجأة واستخدام المسيّرات، بينما الجيش يعمل بعقيدة السيطرة والتثبيت، مما يخلق فجوة في الإيقاع القتالي، إضافة إلى أن تدفق السلاح والمقاتلين عبر ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى يمنح ’الدعم السريع‘ قدرة مستمرة على التعويض، فضلاً عن العمق الاجتماعي والقبلي الذي يوفر بيئة اختفاء ومعلومات محلية وسهولة إعادة انتشار. وكذلك اختيار الجيش استراتيجية الاستنزاف، فهو لم يدخل حرب حسم سريع، بل حرب إنهاك طويلة لتفكيك بنية القوات المتمردة قبل كسرها".

وتابع أن "المعطيات الحالية تشير إلى انتقال المبادرة تدريجاً لمصلحة الجيش، وما يدل على ذلك توقف الزخم الهجومي لقوات ’الدعم السريع‘ وانتقالها من الهجوم إلى الدفاع، وتراجع جودة المقاتلين ليصبح معظمهم عبارة عن مرتزقة وصغار السن، فضلاً عن ضعف التدريب وزيادة الاعتماد على نقاط تأخير بدلاً من المناورة واتساع الضربات الجوية وتأثيرها في الإمداد".

وعدّ محمود كردفان نقطة الارتكاز الحاسمة، إذ تمثل مفتاح المعركة لأسباب عدة، أهمها قطع شريان دارفور (الوسط)، وتأمين قاعدة انطلاق نحو الغرب، وتوفير بيئة قتال أنسب للجيش لأنها منطقة مفتوحة ومنظمة نسبياً. ولفت إلى أنه بحسب الوضع الحالي، فإن ولاية شمال كردفان تُعد شبه محسومة لمصلحة الجيش، بينما تدور معارك تثبيت ومنع تمدد غرب كردفان، في حين تمثل جنوب كردفان خط دفاع استراتيجياً للجيش بالنظر إلى سيطرته الكاملة على كادوقلي والدلنج أكبر مدن الولاية، لكن من المؤكد أن من يسيطر على كردفان سيتحكم في مصير دارفور.

تفكك التحالفات

واستطرد محمود أن "هناك مؤشرات ميدانية جديدة على صعيد العمل العسكري في كردفان تتمثل في صراع المسيرية ومرتزقة النوير إحدى قبائل جنوب السودان في الفولة، وهو مؤشر على تفكك التحالفات داخل ’الدعم السريع‘ بسبب الصراع على الموارد، إذ يعتبر بداية انتقال من قوة منظمة إلى شبكة متصارعة، إضافة إلى ظهور مرتزقة أجانب بكثافة وهو دليل نقص بشري حاد وضعف معرفة بالأرض وضعف صمود، فضلاً عن تراجع الحاضنة الاجتماعية، مما يعني تحول الميليشيات إلى عبء أمني على المجتمعات، وتصاعد الاحتكاكات المحلية والاعتماد على الدفاع بدلاً من الهجوم، كذلك هو مؤشر على فقدان السيطرة".

وحول إمكان استعادة الجيش دارفور، أجاب أن "الحسم في دارفور لا يتم بالاقتحام المباشر، بل عبر ثلاث مراحل مترابطة، هي مرحلة العزل من خلال قطع خطوط الإمداد عبر شمال كردفان والصحراء (المسارات الليبية)، وضرب مخازن الوقود والسلاح، والسيطرة على الطرق أي العُقد وليس المساحات، من أجل تحويل دارفور إلى مسرح مغلق".

وأوضح أن "المرحلة الثانية تشمل التفكيك ويحصل بشطر مناطق سيطرة ’الدعم السريع‘ إلى جيوب منفصلة، واستغلال الصراعات القبلية والانقسامات، والضغط المتزامن على محاور عدة بهدف منع أي تركيز للقوة. وتتمثل المرحلة الثالثة في الإنهاك من خلال استمرار الاستنزاف البشري وضرب القيادات ومراكز القرار، ودفع ’الدعم السريع‘ للتحول إلى مجموعات صغيرة غير مترابطة، بهدف سقوط القوات المتمردة من دون معركة حاسمة واحدة".

ورأى محمود أن دور الطيران فاعل في ضرب الإمداد وإضعاف التجمعات وحماية التقدم البري، لكنه غير كافٍ لناحية السيطرة على الأرض وإنهاء التمرد. فمعلوم في القاعدة العسكرية أن الطيران يفتح الطريق والمشاة يحسمون المعركة.

وحدد الأخطار التي قد تؤخر الحسم في التوسع الميداني السريع من دون تثبيت وإطالة خطوط الإمداد والانجرار لحرب مطاردة في الصحراء واستعجال الحسم قبل نضوج الانهيار.

ومضى المدير السابق لمركز الدارسات والبحوث في أكاديمية نميري العسكرية العليا في القول "في نظري إن التقدير الزمني الواقعي لهذه المعركة في حال استمرت المعادلة الحالية قد يكون ما بين ثلاثة وستة أشهر، مع تثبيت كامل لكردفان مع ضغط على أطراف دارفور، ومن ستة إلى 12 شهراً يجري عزل دارفور إلى جيوب، ومن 12 إلى 18 شهراً يجري تفكيك ’الدعم السريع‘ كقوة مسيطرة".

كر وفر

من جانبه قال الباحث في الشؤون العسكرية العميد عمر أرباب "أعتقد بأن أطراف الحرب آثرت أن تكون المعارك المشتعلة في إقليم كردفان استنزافية بالدرجة الأولى بالنظر إلى طبيعة المنطقة نفسها، إذ إنها منطقة سهول منبسطة".

وأضاف "لذا فكرة السيطرة غير حاضرة، بل إن الغرض هو إلحاق أكبر قدر من الخسائر بالطرف الآخر، وهذا ما يحدث منذ بداية هذه المعارك في إقليم كردفان حتى الآن مع محاولة الحفاظ على المناطق الاستراتيجية المؤثرة والنقاط الحاكمة التي تمكن من التحرك والتموضع بصورة سليمة، فضلاً عن توافر موقع عسكري يمكن أن يكون موقعاً تبادلياً يستطيع من خلاله الطرف الآخر أن يحقق الانفتاح والتقدم والانسحاب، وكل هذه الأمور معروفة في العلوم العسكرية".

وأردف أرباب أن "الحديث عن أن الغرض من معارك كردفان مجرد السيطرة فقط، غير صحيح. فالغرض هو الاستنزاف خلال هذه المرحلة، وليس الهدف متعلقاً بالأرض وحدها. فكلا الطرفين يحاول إضعاف القوة العسكرية للآخر أكثر من التمسك بالأرض، فالأولوية الآن هي ضرب القوة الصلبة، سواء من ناحية العنصر البشري أو العتاد".

وشرح أن "أهمية إقليم كردفان تتمثل في أنه بوابة لكل الاتجاهات بخاصة الخرطوم وإقليم دارفور، لذلك فمن يسيطر عليه يملك القدرة على تهديد مواقع الطرف الآخر".

ونوه الباحث في الشؤون العسكرية إلى أن "العمليات العسكرية تمر بمراحل معقدة، تشمل المناورة وتثبيت المكاسب وتأمين الجيوب وتعزيز خطوط الإمداد قبل إعلان السيطرة الكاملة. وأتوقع أن تظل حال الكرّ والفرّ هي السائدة من دون تغييرات حاسمة في خريطة السيطرة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صعوبة التكهن

في السياق، قال الأمين العام للقيادة المركزية العليا لضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين "تضامن" المقدم محمد نور، "كما هو معلوم فإن أوجه الحرب عموماً أربعة، هجوم ودفاع وانسحاب وحروب خاصة، والقتال الدائر حالياً بين الجيش وقوات ’الدعم السريع‘ يدخل ضمن الحروب الخاصة بما يسمى ’حرب المدن‘. وهذا النوع من أصعب الحروب لناحية الحسم العملياتي، إذ يعتمد في العمليات على حسابات دقيقة كالمعرفة بالأرض وسكان هذه المناطق مع معلومات استخباراتية عالية جداً وقيادة وسيطرة ممتازة مع سرعة الحركة".

وتابع "لذلك يصعب التكهن بمجريات هذه العمليات الحربية، لكن عموماً أثبتت التجارب السابقة تقدم ’الدعم السريع‘ في العمليات التي قامت بها عبر سرعة الهجوم وكثافة النيران مع تكتيك عمليات الحصار الطويلة الأمد، إضافة إلى قطع كل طرق الإمداد التي يحاول الجيش أن يسلكها".

وزاد نور "كذلك من الواضح جلياً أن قوات ’الدعم السريع‘ تجيد العمليات الهجومية عكس العمليات الدفاعية، وذلك يرجع إلى نوعية التدريب الذي تلقته منذ إنشائها، لذلك من الصعب جداً على قوات الجيش التقدم حالياً لأن معرفة ’الدعم السريع‘ بالأرض مع المعلومات الاستخباراتية الجيدة عن تحركات الجيش، تجعلان تقدم الجيش صعباً ومكلفاً. أضف لكل ذلك عمليات الإمداد بالقوات والأسلحة بصورة مستمرة لـ’الدعم السريع‘، في حين نجد أن الجيش فشل في عمليات الاستنفار بعد سيطرة كتائب الإسلاميين المسلحة على المشهد السياسي والعسكري في البلاد".

وقال "في اعتقادي أن المعارك الدائرة في كردفان سوف تستمر لزمن طويل جداً لاعتمادها على حال الكر والفر، مما يؤدي إلى استنزاف أحد الطرفين. وفي حال حسم الجيش معركة كردفان سيكون تقدمه إلى دارفور ممكناً، أما إذا حدث العكس بحسم ’الدعم السريع‘ هذه المعركة، فمن السهل تقدمها لحصار الخرطوم وكل السودان الشمالي والوسط والشرق".

وخلص الأمين العام للقيادة المركزية العليا لضباط الصف والجنود السودانيين المتقاعدين إلى أن "كل هذه السيناريوهات ستكون كلفتها كبيرة جداً على الوطن والمواطن وسيكون هناك مزيد من التدمير، لذلك يجب أن تتوقف هذه الحرب العبثية، إذ لا يلوح في الأفق حتى الآن حسم عسكري لأي طرف".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير