ملخص
لا شك في أن مسلسل "بالحرام" هو أفضل ما قُدم من دراما تلفزيونية في موسم رمضان اللبناني، على الرغم من إغراقه في الحلقات الأخيرة، في التوجيه الأخلاقي ومفهوم انتصار الخير على الشر، عطفاً المبالغة في تضخيم قضية التحرش .
تكمن فرادة مسلسل "بالحرام" أولاً وآخراً في قوة الممثلات والممثلين الذين جمعهم المخرج فيليب أسمر، أو ربما المنتج جمال سنان وزوجته الممثلة ماغي بوغصن، بعدما أصبح المنتج صاحب دور أساس في اللعبة الدرامية. فالأداء تمكّن فعلاً من ترسيخ المسلسل والنهوض به ورفعه إلى مستوى إبداعي راق. ويبدو أن الممثلات والممثلين الكبار والقديرين نجحوا في التعاون من أجل ضبط اللعبة التمثيلية الجماعية، انطلاقاً من قدراتهم الفردية، فخلقوا في ما بينهم جواً من التناسق والتناغم، وتبادلوا الأداء انطلاقاً من مبدأ الأخذ والعطاء والتجاوب الدارمي. هذا مع أدائهم الفردي البارع، ومنحهم الشخصيات التي يؤدونها ملامح وتعابير وإيقاعات تليق بل تتميز بها: تقلا شمعون، باسم مغنية، رندة كعدي، كارول عبود، طارق تميم، طوني عيسى، سارة أبو كنعان، عمار شلق وسواهم.
من المعروف عن المخرج فيليب أسمر أنه لا يولي الأداء كثير اهتمام، ولا يصرف جهداً في إدارة الممثلين وتركيب شخصياتهم، فهمّه البعد الجمالي في الدراما والمشهدية التي تخرج عن المألوف وتقع في المبالغة البصرية والديكورية أو "السينوغرافية" إن جاز القول، وهو غالباً ما ينجح في تحقيق الإبهار البصري الذي يسعى إليه، ولو على حساب القصة والشخصيات والجو الدارمي.
مشهدية مفتعلة
ولعل المشهد المسرحي أو "السيركي" الأول الذي افتتح به المسلسل، بدا كأنه يعود إلى مسرح برودواي الاستعراضي أو إلى "المولان روج"، ولا علاقة له بالفرقة المسرحية التي تديرها الممثلة العريقة صباح (تقلا شمعون)، خصوصاً بعد أن نكتشف أن الفرقة غير ثرية وتقيم في بيت جماعي وتعيش حياة متواضعة جداً. فالتناقض الحاصل بين استعراضات الفرقة السخية العناصر والتكاليف، ووضعها الاجتماعي والمعيشي، يكشف ضياع هوية الفرقة، ويجعل لعبة الإبهار مفتعلة، ولعلها نفذت عبر توجيه من المنتج، كي يمنح زوجته الممثلة فسحة من الظهور أو الحضور اللافت جداً، خصوصاً أننا نراها في صدارة القفز على الحبال، تتأرجح، وكأن الحبال والديكورات وجدت لها.
ما يجب الاعتراف به أن كاتبي المسلسل السوريين شادي كيوان وفادي حسين، نجحا في خلق مناخ درامي شبه متكامل، على رغم وقوعهما في فخ "الاغتراب" البوليسي، مع صرف النظر عن الشخصيات وطبائعها أو "كاريكاتيراتها"، وعن الوقائع أو الأحداث التي يشهدها المسلسل.
فالمناخ هو من ركائز الدراما التلفزيونية، ويمكنه أن يعوّض بعض الهنات أو المشكلات التي تعتري المسلسل. وقد تكون الفرقة المسرحية أو "السيركية"، هنا، هي أساس هذا المناخ المتميز، في ما تعاني وتواجه من تحديات متعددة، وما تعيش من علاقات تتراوح بين الصداقة والحب والخيانة والتوتر... القصة أصلاً قصة هذه الفرقة، قصة أفرادها واحداً واحداً، قصة نجاحهم وهزيمتهم، لقائهم وافتراقهم، صعودهم وسقوطهم. أما ما يتشعب عن الفرقة من وقائع وأحداث ذات طابع "بوليسي"، وكذلك من جرائم وصفقات مالية غر شرعية ومكائد جنسية توقع في شراكها فتيات وفتياناً أبرياء، تبدو مصطنعة ومبالغاً بها.
ليت الكاتبين والمخرج جعلا من فرقة صباح، فرقة مسرحية أو فرقة جوالة، تقدم عروضاً بين الدراما والكوميديا والتهريج والرقص، بعيداً من "الفرقعات" البصرية والديكورات الفاقعة، خصوصاً أن البوسطة موجودة، لكنها لم تكن إلا جزءاً من الديكور، ومن دون وظيفة فعلية.
مصائر مجهولة
فرقة حقيقية، تمثل مجتمعاً أو جماعة طالعة من قلب الواقع والأزمات التي يعيشها، أزمات فردية ترسم للأشخاص مصائر غير سعيدة وأقداراً مجهولة. أشخاص قادمون من ماض سلبي، مثل جود (ماغي بو غصن) التي اغتُصبت أمام شقيقها الفاسد فريد (باسم مغنية)، وعلى يده ثم تحولت إلى غانية في فنادق دمشق. أو مثل هديل (كارول عبود) التي انتهى بها قدرها إلى أن تصبح بائعة هوى، أو السكيرة مارغو (رندا كعدي) التي تزوجت رغم رفض عائلتها وترملها باكراً وتشردها، أو عليا (سينتيا كرم) التي قضت في السجن أعواماً بعد ارتكابها جريمة عاطفية وخرجت فاقدة أمها ومكروهة من شقيقتها...
طفاً على مصائر أفراد الفرقة وهي مأسوية عموماً: مديرة الفرقة صباح النجمة التي تكرمها وزارة الثقافة تقع شيئاً فشيئاً في مرض ألزهايمر وتبدأ في فقدان ذاكرتها وترتكب هفوات كثيرة، زينة (سارة أبي كنعان) الزوجة الوفية يصيبها السرطان وتخضع للعلاج الكيماوي، يخونها زوجها ماهر (طوني عيسى) مع عليا الصديقة، وتزداد خيبتها عندما تكتشف أن ماهر زوجها يتورط في عصابة فريد ويصبح مجرماً وخاطفاً، طنوس (طارق تميم) المصور الملازم للفرقة ذو الشخصية الظريفة، الذي يقع في حب الغانية هديل ويقتل بالرصاص ليلة زفافهما.
أما هديل (كارول عبود) فتفقد حياة البهجة الظاهرة وتنتهي أرملة بعدما كانت تخلت عن مهنتها، عمار شلق (المحامي مالك) يعاني مشكلات عدة، مشكلة زوجته المريضة والغارقة في الكوما، والتي يكتشف لاحقاً أنها كانت فاسدة وتعمل في الاتجار بالفتيات، ومشكلة ابنته ناي (نايا شربل) التي تقع ضحية عصابة تصطاد الفتيات والفتيان وتوقعهم في أفخاخ الاعتداءات الجنسية والتحرش الفاضح أمام كاميرا السوشيال ميديا، فتهددهم وتجبرهم على العمل معها. رئيس العصابة هو فريد (باسم مغنية) شقيق الضحية جود، مجرم وفاسد ومنتقم بقسوة، ذو طابع سادي، وإلى جانبه مساعدته سارة (إلسا زغيب) التي يتخلص منها. وبرز أبو جورج صاحب المقهى الذي أدى الممثل والمخرج والأستاذ الجامعي ميشال جبر دوره بمتانة وطواعية، وفرض حضوره بصفته محوراً تلتقي حوله معظم الشخصيات، في فرحها او حزنها واضطرابها. وكان ممكناً أن يمنح أو جورج مساحة درامية أوسع.
لعل الأحداث "البوليسية"، و"التشويقية" المبالغ بها والفاقدة البوصلة، أوقعت المسلسل في المجانية وأبعدته عن واقعيته اللبنانية، فبدت أعمال خطف الفتيات والفتيان واغتصابهم وتصويرهم وتهديدهم بالفضائح، كأنها تدور في جو من أجواء جيفري إبستين، وليس في لبنان. ومهما حصل من اعتداءات وتحرشات جنسية في لبنان، فهي لا تصل إلى الحد الذي بلغته في المسلسل.
حتى العصابات اللبنانية التي تمتهن الاغتصاب والترويج الجنسي لا يمكنها أن تكون كما يظهرها المسلسل. وكذلك الاتجار بالنساء وإرسالهن إلى دمشق لا يمكن أن يجري بالصورة المصطنعة في المسلسل. والإثراء الكبيرأيضاً الذي حققه مثلاً رئيس العصابة فريد مبالغ فيه كثيراً، وقوة العصابة حجماً وأفعالاً. لكنها مخيلة المخرج فيليب أسمر التي تشطح دوماً وتتألق غالباً في شطحاتها، ولو على حساب المعالجة الواقعية والحقيقة المفترضة.
فرقة صباح
"بالحرام" هو بحق مسلسل فرقة الممثلة صباح، التي أدت دورها ببراعة ورهافة تقلا شمعون، وعاشت بعمق وقوة أحوالها الداخلية ومظاهرها الأدائية، بين نجاح ثم انهيار عبر الفقدان التدريجي للذاكرة، مجسدة صعود النجمة وسقوطها، وهما حركتان قدريتان متعاكستان ارتقت بها تقلا شمعون إلى مستوى إبداعي حقيقي. بدت تقلا بحق ممثلة، في دورها الشخصي ودورها في إدارة الفرقة.
أما الممثلتان اللتان حملتا أيضاً مفاجأتين إلى جمهور المسلسل، فهما رندة كعدي في دور مارغو، وكارول عبود في شخصية هديل، ومثلت إطلالة كلتيهما صدمة للوهلة الأولى، خصوصاً أنهما جاءتا من خارج الفرقة، لا سيما بجرأتهما في تمثيل شخصيتين خارجتين عن المألوف. رندة الممثلة الكبيرة تؤدي دور امرأة قسا عليها قدرها وأفقدها زوجها وابن شقيقتها، فتحولت إلى امرأة هامشية تبيع الماء وتدمن الشرب وتسكر باستمرار، ولكن ليس إلى حد فقدان وعيها. فهي تتأثر وتؤثر وتحضر في صميم اللعبة الدرامية. برعت رندة في خلق ملامح جديدة وغير معهودة لشخصية السكير سواء كان رجلاً أم امراة، ودمجت بإتقان بين البعد المأسوي والسخرية، جاعلة منهما مرتكزاً لبناء الشخصية وتناميها. وكم بدت قديرة في المفردات النافرة أو الكوميدية التي استخدمتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهذا ما نجحت به الممثلة الرائعة كارول عبود، فبدت صادمة في إطلالتها الأولى، بصفتها بائعة هوى، تقيم في جوار بيت الفرقة، ثم راحت تجسد الدور ببعده الإنساني أولاً والمنحرف، خالطة بين مأساة ماضيها وواقعها، وبين تحدي هذا الماضي وهذه الحياة، بالسخرية منهما ومن العالم. وبدا "معجمها" اللفظي بديعاً بدوره، جريئاً وتهكمياً، وقد نجحت جداً في اللعب على الألفاظ الفضائحية أحياناً، معتمدة أسلوباً أدائياً راقياً.
ولئن كان المسلسل في أبرز نواحيه مسلسل ممثلات وممثلين مبدعين وكبار، فيجب الوقوف عند ثلاثة ممثلين متميزين، طوني عيسى في دور ماهر، الزوج المخادع والخائن الذي ينقلب من ممثل في الفرقة إلى عنصر في عصابة فريد ويرتكب الموبقات، لكنه يحافظ على طيبته الفطرية. طوني عيسى ممثل حقيقي وقدير جداً أدى سابقاً أدواراً مهمة، ومنها دور شاب مقعد يرتكب جريمة قتل، على ما أذكر، وقد وصل فيه إلى مستوى عالمي. باسم مغنية يمكن وصفه بالممثل الرهيب عبر الدور الشرير الذي أداه، وهو دور رئيس العصابة، المختل والمريض نفسياً والقاتل بلا رحمة.
نجح باسم نجاحاً كبيراً في منح شخصية فريد ملامح نفسية وجسدية حقيقية، في انحرافها وجنونها، موظفاً وجهه وتعابيره، وحركة جسده، لبلوغ ذروة الشخصية. يبقى أيضاً الممثل الرائع طارق تميم، الذي أدى دور مصور الفرقة، يرافقها على المسرح وفي الحياة اليومية ويعيش قصة حب مع هديل، فتاة الهوى. لكن قدره ينتهي به قتيلاً برصاص الصراع الذي تعيشه العصابة.