ملخص
تصريحات رسمية تتحدث عن قفزة كبيرة في الموازنة والنمو بسوريا، لكن متخصصين يشككون في دقتها، مشيرين إلى غياب البيانات وتناقضها مع واقع الاقتصاد المتدهور وضعف الاستثمار والإنتاج.
تحدث الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً في كلمة عامة أمام جمع من المسؤولين والمعنيين والمتخصصين عن المؤشرات الاقتصادية الخاصة بالموازنة السورية لعام 2026 ضمن استفاضة بدت لافتة منذ أول رقم طرحها فيها، مؤكداً أن موازنة هذا العام بلغت نحو 10.5 مليار دولار، وأنه من المتوقع وصول الناتج الإجمالي المحلي إلى أرقام تراوح ما بين 60 و65 مليار دولار لهذا العام، مرجحاً أن تعود مستويات الاقتصاد إلى عام 2010، وهو العام الذي سبق بداية الحرب، كذلك أشار إلى أن الإنفاق الحكومي ارتفع إلى 30 في المئة، والناتج المحلي وصل إلى 32 مليار دولار، ووفق هذا الرقم ذلك يعني أن سوريا حققت نمواً بنسبة 30 إلى 35 مئوية، مع تأكيده رصد مليارات أخرى كإنفاق حكومي لدعم البنى التحتية، خصوصاً في المناطق الشرقية.
قراءة أولية
أي اقتصادي يقرأ تلك الأرقام سيلتمس على الفور مؤشرات فائقة لبداية مرحلة تعاف تعفي سوريا من الانكماش الحاد في إنتاجها وتدلل على قفزة نوعية تنطلق من سياق مدروس راعى الاستثمار والإنتاج والتجارة والاستيراد والتصدير والعائدات، هذا في العام، لكن في الأوساط البحثية التخصصية كانت هناك آراء كثيرة تدقق في أصول المعلومات وطبيعة تقديرها.
وفي هذا السياق يرى الاقتصادي مازن هلال أن "طرح الأرقام التي تبعث على الآمال بالجملة شيء جميل، لكن على الأرض ليس هناك أي معقولية لهذه الأرقام فعلاً، في سوريا بعد سقوط النظام ولأشهر عدة استورد التجار ما قيمته أكثر من 3 مليارات دولار سيارات مستعملة، في وقت كانت فيه البلد في ضائقة اقتصادية مركبة على صعيد موازنة شبه صفرية في خضم الحرب والعقوبات، تلك الأموال التي صرفت على السيارات التي غزت السوق من دون عوائد فعلية للدولة كان يمكن من خلالها بناء مصنع سيارات، وهنا يبدأ الحديث عما بعد الفوضى، متى تمكنت سوريا من تحقيق هذه القفزة الهائلة في الموازنة؟ وفي أشهر قليلة جداً، أرى أن تلك الأرقام، كلها، مجرد توقعات متفائلة لا شبه أساس لها من الصحة على الأرض، هناك تغييب للبيانات والحدود الواقعية، وما حصل هو مجرد رمي أرقام مليارية في فضاء التداول، لكن على الأرض، الأسد سقط أواخر عام 2024 وكانت الموازنة لذلك العام تقريباً 3 مليارات دولار بعجز يقارب 50 في المئة عن العام الذي سبقه، بصراحة الأرقام التي قرأتها فلكية".
سوريا تتفوق... نظرياً
لفهم طبيعة الأرقام التي طرحها الرئيس الشرع أكثر يجب النظر إلى معدلات النمو الفعلية في دول العالم، وبالتأكيد ليست تلك الغارقة في العجز بسبب الحروب، بل إلى أفضل الاقتصادات، كمثل أميركا التي يتوقع صندوق النقد الدولي أن يكون معدل نموها عند حدود اثنين في المئة أو أكثر قليلاً، فرنسا 0.9 في المئة، أستراليا 0.6 في المئة، كندا بمتوسط 1.5 في المئة، ألمانيا واحد في المئة، بينما يعتبر العملاق الصيني من بين الأكثر نمواً تصاعدياً على مستوى العالم بمستويات بين أربعة إلى خمسة في المئة، وفي المرتبة الأولى حسب تقديرات دولية ستكون الهند بنصيب ستة في المئة لعام 2026، فيما بلغ نمو سوريا أكثر من 30 في المئة، حسب التصريحات، وقد يكون ذلك معللاً إذا ما قيس مع أعوام سبقت، لكن أيضاً تغيب عمداً أو غفلة البيانات التي تشرح كيف تضاعف، بناءً على ماذا، صادرات وواردات وإنتاج وخطط اقتصادية تنموية واستثمارات هائلة ونفط مكتشف وإعادة إعمار، أم تكديس أرقام بلا طائل على الأرض؟
يقول الأكاديمي في إدارة الأعمال حسن فتية، "لا يوجد في التاريخ دولة تنمو هكذا وإن كانت عملاقاً اقتصادياً، فكيف بدولة تخرج من الحرب، نحن الآن نقول أرقاماً فضائية فحسب، مدللات النمو تقاس بالبيانات، لم يكن على السلطة أن تكبد نفسها عناء هذا التحمل، وليست مطالبة به الآن، الكل يعلم أنها لا تملك فانوساً سحرياً، فالقول إن الموازنة تضاعفت ربما منطقي"، مستدركاً "لكن أن النمو وصل إلى هذا الحد، حينها سيكون أول سؤال لماذا خلال العام الماضي وحتى الآن قاربت نسبة السوريين تحت خط الفقر 100 في المئة؟ أنا مسؤول عن كلامي، لم يدخل استثمار كبير واحد إلى سوريا، وعلى هذا نقيس ونسأل بل ونطالب بشرح واف لطريقة حساب الموازنة وكيف ستغير من خريطة الواقع الاقتصادي الذي يفترض أنها غيرته سلفاً ما دامت أحدثت طفرة تاريخية على صعيد النمو، أين الانعكاس في بنية الاقتصاد ببساطة؟".
الاقتصاد الفعلي
خلال عقد ونصف العقد من الحرب السابقة تهدمت أنصاف مدن كاملة، بنى تحتية بأسرها، شبكات كهرباء وماء وطاقة، إنتاج تهاوى حتى حدود صفرية، صادرات وواردات معلقة وغير معول عليها، الأسد استبدل بضياعه الاقتصادي تجارة المخدرات، وهي التجارة التي غزت العالم فصارت سوريا البلد الأول في التصنيع والتوزيع وكانت تدر عليه أرباحاً طائلة، على نظامه عموماً، ومن ثم قطاعات سوريا التي كانت تمول من تلك الصنعة ثانياً، وعلى رغم ذلك كانت تقدر أرباحها بين 2 و10 مليارات دولار سنوياً بحسب تقارير أمنية متخصصة، ولكنها كذلك لم تنجح في انتشال الاقتصاد ومؤسساته التي أصبحت هامشية وبلا جدوى.
بعد السقوط تولت إدارة الشرع محاربة تلك الصنعة بأرباحها الخيالية، لكن من أين جاءت تلك المقدرات الاقتصادية العملاقة عاماً واحداً؟ هذا كان سؤالاً محيراً في الأوساط الاقتصادية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحدثا مراراً عن كوارث اقتصادية سورية، وبطبيعة الحال علاج تلك الكوارث لا يمكن إتمامه بذلك التسارع من دون بذل جهد عناية واضح في إعادة الترميم من الصفر، من مشاريع التعافي المبكر وصعوداً.
تصريحات وردية
يتساءل الباحث والمحلل الاقتصادي محمد الفتيح المتخصص في شؤون الشرق الأوسط عن إمكان وصول الموازنة السورية لعام 2026 إلى 10.5 مليار دولار فعلاً، معتبراً أن التصريح غير واقعي على رغم حب الجماهير للتصاريح الوردية، ويعلل ذلك بقوله، "لا يوضح التصريح ما إذا كان المقصود هو زيادة الإنفاق المقرر في 2026 إلى 10.5 مليار دولار، أم ما إذا كانت الإيرادات نفسها ستزداد إلى 10.5 مليار دولار"، قائلاً "الأمران مختلفان، فعادة ما يكون المقصود بالموازنة هو الإنفاق المقرر، وذلك بغض النظر عما إذا كان ذلك الإنفاق يفوق الإيرادات، ومن ثم يخلق عجزاً، أم يقل عن الإيرادات، ومن ثم يحقق فائضاً".
وأوضح فتية أن سبب الغموض في حال سوريا هو تأكيدات وزير المالية محمد يسر برنية، أن الموازنة العامة في سوريا حققت فائضاً في 2025، وكذلك تكرار المسؤولين التأكيد أنه لن يكون هناك اقتراض خارجي، ولن يكون هناك اقتراض من المصرف المركزي لتمويل عجز الموازنة، ويتابع "من أين ستتوفر إيرادات بقيمة 10.5 مليار دولار تقريباً؟ آخر موازنة أقرت رسمياً كانت موازنة عام 2025 وأقرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 وتوقعت أن تبلغ النفقات 52.6 تريليون ليرة، أي كانت النفقات المتوقعة 3.896 مليار دولار مقابل إيرادات متوقعة 3.081 مليار دولار، وأهم مصادر الإيرادات آنذاك، هي ضرائب ورسوم باهظة مختلفة، ورسوم جمركية عالية، وبدل الخدمة العسكرية، ورسوم الحصول على جوازات السفر السورية وغيرها، وصفت إيرادات جوازات السفر بأنها ’نفط الحكومة السورية الجديد‘ بعدما جنت منها 512 مليون دولار خلال ستة أشهر فحسب، واستدرك "لكن كيف يمكن في 2026 أن تتضاعف الإيرادات من 3.081 مليار إلى 10.5 مليار دولار (زيادة 240 في المئة) علماً أن غالب مصادر الدخل السابقة قد تقلصت بعد تقليص كل الموارد السابقة".
بين النظرية والواقع
يقاس الناتج المحلي لأي دولة بحجم النشاط الاقتصادي الفعلي فيها والمتمم على الأرض لا الموجود على الورق وضمن هياكل الوعود، لذا يكون ذلك هو المرآة الأوضح التي يستشف منها الحاضر والمستقبل، ويجمع الاقتصاديون أن سوريا لم تشهد خلال الأشهر الماضية أي توسع يرقى إلى قفزة على صعيد الاستثمارات والإنتاج وحجم التجارة التبادلي، فالصناعة مهترئة، والزراعة متضررة، والصادرات متآكلة، والتجارة متهاوية، وتلك الأنشطة هي التي كانت تمثل عماد قوام الدولة المالي وركيزتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فيقول الاقتصادي خالد شلا إن "أحاديث النمو ممكنة لكن ضمن حدودها المعقولة وليس عبر الإشارة إليها كأنها أرقام عابرة قابلة للتصديق، وفي هذا المعرض لا يشترط أن يكون رئيس الجمهورية باحثاً اقتصادياً أو متخصصاً في ذلك، لكن يجب أن يكون محاطاً بفريق اقتصادي ضليع حتى لا يورطه في لغة أرقام كان بغنى عنها، وفي ذلك أيضاً مسؤولية على الوزارات المتخصصة، كان يجب أن يكون الحديث متضمناً موازنة 2025، أين الجاري والاستثماري منها ومن أين مول العجز فيها، ما موارد الخزانة العامة، الضرائب، الاستثمار، العوائد... إلخ؟ نسبة النمو المعلن عنها في سوريا تحلم دول الـ20 بربعها، هناك من قاد الرئيس إلى هذا الفخ الذي كان يجب عليه الابتعاد عنه كما فعل ترمب وأردوغان سابقاً بعدما غرقا في تحليلات الاقتصاد الداخلي قبل أن يبتعدا ليتركا الأمر لأصحابه".
غياب التفسير
يرى بعض المتابعين أن تضاعف الموازنة قد يكون محمولاً على أسباب منها عودة إدلب إلى عموم سوريا تحت قيادة السلطات الجديدة، وكذلك مناطق شمال وشمال شرقي سوريا بما تمثله من كونها سلة سوريا الاقتصادية في موارد النفط والقمح، وبجمع الموازنات المتفرقة على عهد النظام السابق (حكومة دمشق: أكثر من 3 مليارات دولار، قسد: مليار ونصف المليار، إدلب: موازنة مجهولة) ذلك خلال عام 2024، وبأفضل الأحوال مئات ملايين الدولارات حصة إدلب، وبإضافة تلك الموازنات المتفرقة لموازنة 2026، التي يفترض أنها 10.5 مليار دولار، ذلك يعني وجود زيادة سريعة قاربت نحو 5 مليارات دولار.
في مطلع 2025 بعد سقوط النظام السابق بشهر ألغى وزير المالية في السلطة الموقتة موازنة الأسد السابقة وفق العجز الذي بلغت نسبته فيها 923 مليون دولار، مقابل تبني موازنة اثني عشرية جديدة، وفي مطلع عام 2026 قال وزير المالية إن الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 حققت فائضاً بقيمة نصف مليار دولار، من دون أن يكشف عن حجم الإنفاق والإيرادات، وفي مارس (آذار) الجاري قال الوزير نفسه إن عام 2025 شهد فائضاً يبلغ 46 مليون دولار، ليكون السؤال ماذا عن تصريح فائض نصف المليار لنفس العام السابق؟ كيف تراجع 450 مليون دولار فجأة؟
تضارب اختصاصات
بدوره قال الباحث والمدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات السياسية والاستراتيجية في واشنطن رضوان زيادة حول هذا الموضوع "ما قاله الرئيس الشرع صادم إلى حد كبير، فكيف يكون لرئيس في نظام رئاسي وجمهوري أن يقر موازنة الدولة كما ذكر، هذا حصراً من اختصاص البرلمان، ربما لا يميز الرئيس بين الموازنة والميزانية، مجدداً لا يكترث الرئيس للإعلان الدستوري الذي وقعه بنفسه عندما جعل من صلاحيات مجلس الشعب إقرار موازنة الدولة، التي تقر بعدما يكون هناك نقاش وطني حول مشروع الموازنة الذي تقدمه الحكومة"، ويتابع "نحن لم نعرف ما بنود الموازنة وما أولويات الحكومة فيها، فالموازنة ليست أبداً مجرد أرقام، إنها أولويات الحكومة والسياسات التي يدافع عنها رئيسها ولا يحق فحسب بل يجب على كل الشعب المشاركة في كتابة بنودها وبخاصة أعضاء مجلس الشعب فهي المؤسسة التي تقرها في النهاية، أما الأرقام الاقتصادية التي ذكرها الشرع فلا تعدو أن تكون مجرد وعود غير قابلة للتحقيق أبداً فكيف يمكن أن يزيد الناتج المحلي الإجمالي لسوريا على 50 مليار دولار إذا لم يكن النمو الذي حققته سوريا العام الماضي متجاوزاً نصف في المئة وفقاً لتقديرات البنك الدولي؟ أما الإنفاق الحكومي الذي تحدث عنه فنحن لم نر موازنة العام الماضي كي نعرف الواردات والنفقات ومن ثم يمكننا تقدير حجم الإنفاق الحكومي العام".
الحدود الحقيقية
يقوم الاقتصاد عادة على اتحاد عدة شروط مجتمعة، على رأسها، عائدات الموارد الطبيعية، والصادرات والواردات، والضرائب والرسوم والجمارك، والاستثمارات، والعقود والصفقات الكبرى، والنشاط الاقتصادي العام والثقة بالعملة الوطنية، وفي حال سوريا أكثر ما يصلح للإنقاذ هو الانكباب الخارجي على إعادة إعمارها والاستثمار فيها، لكن آراء اقتصادية تتحدث بين حين وآخر أن سوريا ليست بالبلد المفتوح أو المغري لضخ مبالغ مليارية أجنبية داخله تضمن عائدات سريعة، بخاصة وسط عدم استقرار الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية، وفي هذا الجانب يقول أستاذ التجارة السابق في جامعة تشرين محمد القاضي "لو افترضنا جدلاً أننا سنرى 1000 برج في سوريا العام المقبل، فسيكون الواقع المقابل له 20 ألف طابور على دور البنزين والغاز والخبز، ما الفائدة أن تصير سوريا شكلاً سنغافورة ومواطنوها يتأملون كيف يرفع الدعم تباعاً عن أبسط أساسات العيش؟ الرغبة الاستثمارية في سوريا منخفضة للغاية، ها هي العقوبات رفعت أين المستثمرون وعقود الاستثمار الموقعة؟ على السلطات السورية أن تستثمر بالإنسان في الداخل أولاً ريثما تأتي الحلول الفعلية، وأن تنظر لآلاف الخيام الغارقة في أمطار الشتاء بساكنيها، ثم تتحدث عن أرقام موازنة هائلة كتلك المعلنة من دون إيضاحات".
سؤال الشارع
الأرقام التي تم الإعلان عنها تجاوزت مرحلتي النقاش السياسي أو تقييم الأداء الحكومي عامة، بل ذهبت أبعد نحو البحث في خلفيتها وخلفية كل ما يرتبط بصناعة القرار عبر تصدير القرارات للمتلقي كمتابع عاجز عن الفهم، وهو ما يعني هدم حجر الأساس في الثقة على مرحلتين: مواطن وحكومة، مستثمر خارجي وحكومة.
يختصر الأعم من السوريين من الشريحة العامة غير المتخصصة رأيهم بتلك الأرقام بأنها غير مفهومة، وهذا طبيعي لغير الاقتصاديين والمتخصصين، لكنهم يفهمون جيداً أن تلك الأرقام أكثر من ضخمة، ولم تكن مطروحة سابقاً، مما يقود تلقائياً إلى سؤال متوقع ويكاد يكون جماعياً "ما دواعي فصل عشرات آلاف الموظفين، وإفقار معظم الشرائح السورية، ورفع الدعم ومضاعفة أسعار الخبز والأساسات إن كانت سوريا تحقق هذه القفزة التاريخية في حقيبتها المالية؟".