ملخص
حذر كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، من اقتراب العالم من أزمة غذاء إذا طال أمد الاضطرابات الحالية. وقال إن التأثيرات تمتد من الطاقة والأسمدة إلى الإنتاج الزراعي والأسعار العالمية. وحذر من أن الدول الأكثر هشاشة ستكون الأكثر تضرراً مع تآكل المخزونات وارتفاع الكلفة.
ربط كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) ماكسيمو توريرو، في حوار خاص مع "اندبندنت عربية"، اقتراب العالم من شفا أزمة غذاء جديدة بأمد استمرار الحرب الأميركية- الإسرائيلية الإيرانية الراهنة.
وأوضح أنه في حال استمر الاضطراب شهراً أو أقل، فسيتم احتواء آثاره، قائلاً إن "المزارعين في نصف الكرة الشمالي اشتروا معظم مستلزماتهم الزراعية للزراعة الربيعية، ولا تزال مخزونات الحبوب العالمية وفيرة"، مشيراً إلى أن مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الغذاء يقل حالياً بنسبة 21 في المئة عن ذروة مارس (آذار) 2022 المسجلة خلال الحرب الأوكرانية، مرجحاً أن يزول اضطراب قصير جداً، وإن كان مكلفاً، في غضون ثلاثة أشهر.
لكنه في ذات الوقت، حذر من أنه في حال امتداد الاضطراب لأكثر من شهر، فسيتغير الوضع، فالاضطراب متوسط المدى (حصار مضيق هرمز لمدة ثلاثة أشهر) سيؤثر في جميع المزارعين في العالم خلال قرارات الزراعة لعام 2026.
ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الأسمدة بنسبة تراوح ما بين 15 و20 في المئة في المتوسط خلال النصف الأول من عام 2026 إذا استمرت الأزمة، مما سيؤدي إلى انخفاض المحاصيل ونقص إمدادات الحبوب لاحقاً في العام.
حرب إيران تؤثر في أربعة محاور رئيسة
وبسؤال توريرو كيف يمكن أن يؤثر النزاع الحالي في التجارة العالمية في مدخلات الأسمدة الأساسية مثل الأمونيا والنيتروجين، وعن الأثر المحتمل لذلك في الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء في جميع أنحاء العالم، قال توريرو، إن "الصراع قائم على أربعة مجالات حيوية وهي:
ففي غضون أيام، انخفضت حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز بأكثر من 90 في المئة، ووصل سعر خام برنت لفترة وجيزة إلى 115–120 دولاراً للبرميل، وارتفعت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي بنسبة تراوح ما بين 50 و75 في المئة، إذ يُعد الغاز الطبيعي المادة الخام الأساسية للأسمدة النيتروجينية.
الأسمدة
يُمثل الخليج العربي ما بين 30 و35 في المئة من صادرات اليوريا العالمية، وما بين 20 و30 في المئة من صادرات الأمونيا، ويعبر مضيق هرمز عادة ما يصل إلى 30 في المئة من الأسمدة المتداولة دولياًـ ويُقدر حالياً أن ما بين 3 و4 ملايين طن من تجارة الأسمدة متوقفة شهرياً، وعلى عكس النفط، لا توجد احتياطات استراتيجية للأسمدة منسقة دولياً.
الكبريت
يُعد الخليج العربي مصدراً لما يقارب من نصف تجارة الكبريت العالمية، ويعد الكبريت عنصراً أساساً في إنتاج حمض الكبريتيك اللازم لمعالجة صخور الفوسفات وتحويلها إلى أسمدة، فمن ذلك، تتفكك سلاسل إمداد الفوسفات عالمياً، حتى في دول مثل المغرب (أكبر مُصدِّر للفوسفات في العالم) والصين، التي تستورد ما يقارب 4 ملايين طن من كبريت الخليج سنوياً.
التأمين
في الثالث من مارس (آذار) الجاري، وسعت شركات التأمين نطاق المناطق عالية الخطورة في الخليج، وبعد يومين، ألغت نوادي الحماية والتعويض (P&I) تغطية أخطار الحرب، وارتفعت أقساط التأمين من 0.25 في المئة إلى ما يصل إلى 10 في المئة من قيمة السفينة، ويتم الآن إعادة ضبط التغطية كل سبعة أيام.
وتستجيب شركات التأمين للخسائر الفعلية المقاسة على مدى ثلاثة أشهر، وليس أياماً، لذا، حتى لو توقف القتال، لن تعود حركة الشحن إلى طبيعتها إلا بعد أن تشهد شركات التأمين أشهراً من الهدوء.
ويقول توريرو، إن "هذه العوامل مجتمعة تؤدي بصورة مباشرة إلى ارتفاع الكلفة بالنسبة للمزارعين، وانخفاض استخدام الأسمدة، وانخفاض المحاصيل، وفي النهاية ارتفاع أسعار المواد الغذائية".
استمرار الحرب لأكثر من شهر ستفاقم الآثار
وحذر توريرو من أن استمرار الاضطرابات الحاصلة لأكثر من شهر ستفاقم الآثار وتنتشر على نطاق أوسع بصورة ملحوظة، خصوصاً في موسم الزراعة المقبل، موضحاً "نماذج السيناريوهات التي وضعتها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تشير إلى أنه في ظل اضطراب متوسط المدى (حصار لمدة ثلاثة أشهر)، ينخفض مستوى معيشة الأسر عالمياً بنسبة تصل إلى 1.6 في المئة، وينخفض استهلاك الغذاء بنسبة 1.3 في المئة، ويُعد منتجو الحبوب الأكثر تضرراً، إذ ينخفض دخل المزارع العالمي من الحبوب بنسبة 4.8 في المئة في أسوأ السيناريوهات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إضافة إلى ذلك، تُصبح المنافسة في مجال الوقود الحيوي عاملاً حاسماً، فعندما ترتفع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، كما هي الحال الآن، يصبح الوقود الحيوي أكثر ربحية بصورة ملحوظة، وهذا بدوره يزيد الطلب على الذرة وزيت فول الصويا وزيت النخيل، مما يُحوّل الأراضي والمياه بعيداً من إنتاج الغذاء، فكل ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط في الخليج ينقل التقلبات مباشرة إلى أسواق السلع الزراعية عبر قطاع الوقود الحيوي.
أما، في ظل السيناريو طويل الأمد (تمتد الاضطرابات حتى عام 2027) لن يتحقق التعافي الكامل حتى عام 2030، وسيظل مستوى رفاهية الأسر العالمية أقل بنسبة 1.45 في المئة مقارنة بالوضع الطبيعي في حال عدم وجود نزاعات، وسيظل استهلاك الغذاء أقل بنسبة 0.94.
الدول الأكثر تأثراً
وفي شأن الدول أو المناطق التي ستكون الأكثر عرضة لأزمة غذاء عالمية في حال استمرار الحرب الحالية أو تصاعدها، فأوضح كبير الاقتصاديين في (الفاو) "الدول الأكثر عرضة للخطر في المدى القريب هي تلك التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الأسمدة من دول الخليج، إلى جانب استخدامها المكثف للنيتروجين، وبدء موسم الزراعة فيها بالفعل".
وأضاف، "بناء على تحليل المنظمة ثنائي المحاور لمواطن الضعف، تشمل الدول ذات الأولوية ما يلي:
بنغلاديش
تستورد 53.3 في المئة من أسمدتها من دول الخليج، وتستخدم 170.35 كيلوغرام من النيتروجين لكل هكتار، ويجري حالياً موسم زراعة أرز بورو، الذي يمثل أكثر من نصف إنتاج الحبوب السنوي، وقد أُغلقت أربعة أو خمسة مصانع رئيسة لليوريا بسبب تقنين الغاز بعد حالة القوة القاهرة التي فرضتها قطر على الغاز الطبيعي المسال، وتوفر المخزونات الاحتياطية هامش أمان يُقاس بالأسابيع، لا بالأشهر.
سريلانكا
تستورد 100 في المئة من أسمدتها الاصطناعية، وقد انقطعت عنها في آن واحد أكبر مصدرين لها، الصين (الممنوعة حالياً من التصدير) ودول الخليج (حظر). وقد أدى حظر سياسة عام 2021 إلى انهيار إنتاج الأرز بنسبة 40 في المئة في موسم واحد، ويتكرر هذا الخطر.
مصر
تواجه أكبر دولة مستوردة للقمح في العالم ثلاثة تحديات رئيسة وهي تقليص إمدادات الغاز، وضغوط مالية حادة، وبرنامج دعم الخبز الذي يخدم 69 مليون شخص.
الأردن
يعتمد بصورة كبيرة على واردات دول الخليج بنسبة 9.78 في المئة، مع استخدام مكثف للأسمدة يصل إلى 123 كيلوغراماً للهكتار الواحد.
السودان
الدولة الأفريقية الأكثر عرضة للخطر، إذ تستورد 54 في المئة من أسمدتها من دول الخليج. وتواجه بالفعل مجاعة مؤكدة، مما يدفع شحنات المساعدات الإنسانية إلى تغيير مسارها، مما يضيف 25 يوماً إلى مدة الشحن.
كينيا وتنزانيا والصومال وموزمبيق
تعتمد كل منها على دول الخليج بنسبة تراوح ما بين 22 و31 في المئة من واردات الأسمدة، ويستخدم المزارعون في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أقل من 20 كيلوغراماً للهكتار الواحد، مما يعني أنهم يعملون في الجزء الأكثر انحداراً من منحنى استجابة المحصول، إذ يؤدي أي انخفاض طفيف في استخدام الأسمدة إلى خسائر كبيرة في المحصول.
البرازيل
تُعد قوة زراعية عالمية، إذ تستورد خُمس أسمدتها من دول الخليج، وأي انخفاض في إنتاجها سيؤثر بصورة مباشرة في أسعار الغذاء العالمية، وقد يشهد منتجو الحبوب في أميركا اللاتينية انخفاضاً في الدخل يتجاوز سبعة في المئة خلال عام 2026.
الهند
تعمل مصانع الأسمدة المحلية بنسبة 60 في المئة فحسب من طاقتها الإنتاجية، ويبدأ موسم الخريف في مايو (أيار) من كل عام، مع احتمال بنسبة 60 في المئة لهطول أمطار موسمية أقل من المعدل الطبيعي في عام 2026.
القدرة على الصمود
وعن مدى وفرة احتياطات الغذاء في المنطقة والعالم وإن كانت كافية، قال توريرو "حالياً مخزونات الحبوب العالمية وفيرة، وتشير (الفاو) إلى أن مؤشر أسعار الغذاء لا يزال أقل بنسبة 21 في المئة من ذروته في مارس (آذار) 2022، وأن إمدادات الحبوب العالمية في بداية عام 2026 تُوصف بأنها "وفيرة"، وهذا يوفر هامش أمان في حال حدوث اضطراب قصير الأمد.
واستطرد قائلاً "مع ذلك، إذا استمرت الأزمة لأكثر من شهر، فستكون القدرة على الصمود محدودة، فالكمية الاستراتيجية التي أعلنتها وكالة الطاقة الدولية للإفراج عن النفط (400 مليون برميل) لا تمثل سوى 20 يوماً من إمدادات النفط الطبيعية في منطقة الخليج، مما يؤكد محدودية قدرة الاحتياطات الطارئة على تعويض الاضطرابات المطولة.
ويضيف توريرو على عكس النفط، لا يمتلك قطاع الأسمدة احتياطات استراتيجية منسقة دولياً، وهذا يجعل إدارة اضطرابات الإمدادات أكثر صعوبة، إذا استمر النزاع، سترتفع الأسعار، وسيتآكل هامش الأمان الذي توفره المخزونات الحالية بسرعة، لا سيما بالنسبة للدول الهشة التي تعتمد على الاستيراد.
ارتفاع أسعار الوقود والتداعيات على الزراعة والأمن الغذائي
وبسؤاله عن تداعيات الارتفاعات في أسعار الوقود على المزارعين، وإن كنا سنشهد ارتفاعاً في كلفة الإنتاج الزارعي، وتداعيات ذلك على الأمن الغذائي في الأشهر المقبلة؟ قال توريرو "يؤثر الارتفاع السريع في أسعار الوقود في الإنتاج الزراعي عبر قنوات متعددة،
أولاً، الكلفة الزراعية المباشرة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة كلفة الجرارات ومضخات الري ونقل المدخلات والمخرجات، وهذا يمثل صدمة كلفة مزدوجة إلى جانب ارتفاع أسعار الأسمدة.
وثانياً، إنتاج الأسمدة، إذ يُعد الغاز الطبيعي المادة الخام الأساسية للأسمدة النيتروجينية، ويؤدي الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة إلى تضخيم كلفة إنتاج الأسمدة بصورة مباشرة، وتشير تقديرات (الفاو) إلى أن متوسط أسعار الأسمدة العالمية قد يرتفع بنسبة تراوح ما بين 15 و20 في المئة في النصف الأول من عام 2026 إذا استمرت الأزمة.
ثالثاً، انخفاض استخدام المدخلات، ففي ظل هوامش ربح أقل، سيقلل المزارعون من استخدام الأسمدة، وهذا أمر مثير للقلق بصورة خاصة في المناطق ذات معدلات الاستخدام المنخفضة، إذ يتسبب حتى الخفض الطفيف في خسائر كبيرة في المحاصيل.
رابعاً، انخفاض المحصول، إذ يؤدي انخفاض استخدام الأسمدة إلى انخفاض غلة المحاصيل في وقت لاحق من العام، مما يُقلل من إمدادات الحبوب العالمية. وتُظهر نماذج منظمة الأغذية والزراعة أن منتجي الحبوب هم الأكثر تضرراً، إذ ينخفض دخل المزارع العالمي من الحبوب بنسبة 4.8 في المئة في أسوأ السيناريوهات.
خامساً، القدرة على تحمل كلفة الغذاء، إذ تنتقل كلفة الإنتاج المرتفعة عبر سلسلة التوريد. وبينما يتحمل المستهلكون في البداية جزءاً فحسب من الزيادة في الكلفة، فإن الضغط على هوامش الربح للمزارعين يكون شديداً.
وفي ظل سيناريو الاضطراب متوسط الأجل، ينخفض مستوى رفاهية الأسر العالمية بنسبة تصل إلى 1.6 في المئة، وينخفض استهلاك الغذاء بنسبة 1.3 في المئة.
سادساً، حلقة التغذية الراجعة للوقود الحيوي، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة ربحية إنتاج الإيثانول والديزل الحيوي، وهذا بدوره يزيد الطلب على المواد الأولية مثل الذرة وزيت فول الصويا وزيت النخيل، مما يُحوّل المحاصيل من إنتاج الغذاء ويُضيف مزيداً من الضغط التصاعدي على أسعار الغذاء.
قائلاً إن "الجمع بين ارتفاع كلفة الوقود والأسمدة يؤدي إلى ضغط شديد على هوامش الربح للمزارعين، مما يؤدي إلى انخفاض استخدام المدخلات، وانخفاض المحاصيل، ونقص الإمدادات، وفي النهاية ارتفاع أسعار المواد الغذائية للمستهلكين، مع تحمل الأسر الأكثر ضعفاً العبء الأكبر".