Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على خط النار... كيف تتحرك تركيا بين طهران وواشنطن؟

تسعى إلى تثبيت نفسها كقوة إقليمية قادرة على المناورة والوساطة في لحظة شديدة الاضطراب

تتبنى تركيا سياسة توازن دقيقة تمنع انتقال الفوضى إلى حدودها وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع واشنطن وطهران (أ ف ب)

ملخص

تبدو المقاربة التركية أقرب إلى إدارة أزمة متعددة الطبقات، تجمع بين الحذر الأمني، والبراغماتية السياسية، والحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى

في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الجارية، والتي تتوسع رقعتها يوماً بعد يوم، تجد تركيا نفسها أمام واحدة من أكثر الحروب حساسية وتعقيداً في محيطها الإقليمي، بحيث أن هذه المواجهة بالنسبة إلى أنقرة تعد اختباراً مباشراً لقدرتها على حماية أمنها القومي، والحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية، ومنع تحول الإقليم إلى ساحة فوضى مفتوحة تمتد ارتداداتها إلى حدودها الجنوبية والشرقية. وفي وقت تتسارع التطورات العسكرية والسياسية، يفرض السؤال نفسه، كيف تدير تركيا هذا المشهد شديد الحساسية من دون أن تنزلق إلى الاصطفاف الكامل مع أي طرف؟ وهل تكتفي أنقرة بمحاولة احتواء التداعيات، أم تسعى في الوقت نفسه إلى تحويل الأزمة إلى فرصة سياسية تعزز من خلالها دورها الإقليمي؟ تحاول "اندبندنت عربية" في هذا التقرير الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها.

في هذا السياق، تبدو المقاربة التركية أقرب إلى إدارة أزمة متعددة الطبقات، تجمع بين الحذر الأمني، والبراغماتية السياسية، والحسابات الاستراتيجية بعيدة المدى. فأنقرة تدرك أن أي انفجار واسع في الإقليم لن يبقى محصوراً داخل حدود إيران أو في مسرح الاشتباك المباشر، بل سيطاول ملفات تمسها مباشرة، من أمن الحدود والطاقة إلى العراق وسوريا والقوقاز، وصولاً إلى شكل توازنات النفوذ في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.

أخطر التحديات

المستشار السياسي والباحث في العلاقات الدولية طه عودة أوغلو، يقول في حديث خاص إنه "يمكننا القول إن هذه الحرب تشكل واحدة من أخطر التحديات الجيوسياسية التي تواجه تركيا في المرحلة الراهنة، نظراً للقرب الجغرافي بين إيران وتركيا، وهو قرب لا يقتصر على الحدود فحسب بل يمتد إلى تشابكات أمنية واقتصادية وسياسية تجعل أي تصعيد ينعكس بصورة مباشرة على الداخل التركي. وأيضاً بسبب العلاقات المعقدة بين تركيا والولايات المتحدة و"الناتو" من جهة، وبين تركيا وإيران من جهة أخرى، وهي علاقات تتسم بتداخل المصالح وتعارضها في آن واحد. لذلك فإن التصريحات السياسية التي صدرت من الرئيس رجب طيب أردوغان أو وزير الخارجية هاكان فيدان، توحي بأنها في قلب التوازنات السياسية الإقليمية والدولية، وتعكس محاولة دقيقة لإدارة هذا التعقيد من دون الانزلاق إلى أي محور بالكامل. كذلك تشير إلى أن أنقرة تحاول الحفاظ على هامش حركة واسع، وتستطيع إدارة علاقتها بين واشنطن وطهران من دون المساس بالدور التركي أو تقليصه، وهو دور تسعى إلى تعزيزه في هذه المرحلة الحساسة، وهذا يشبه إلى حد كبير الدور الذي لعبته تركيا في الحرب الروسية - الأوكرانية، إذ استطاعت أن تكون في الوسط، وأن تحافظ على قنوات الاتصال مع الأطراف كافة من دون أن تخسر موقعها الاستراتيجي".

إدارة الأزمة

ويضيف طه أوغلو أن "هناك إدارة للأزمة من قبل أنقرة كما أشرت وفق مسار معقد ومتعدد المستويات، بحيث أن التحركات التركية لا تسير بصورة عشوائية بل وفق حسابات دقيقة تأخذ في الاعتبار التوازنات الإقليمية والدولية، وتسير على خيط رفيع وفق معادلة تقوم أساساً على منع انتقال الحرب إلى حدودها أو تحولها إلى ساحة مباشرة للصراع، على رغم أن هناك بعض الصواريخ سقطت بالفعل ضمن الأراضي التركية، وهو ما يعكس حجم الأخطار المحيطة. في المقابل، تريد أنقرة الحفاظ على دورها كوسيط إقليمي محتمل، وعدم الاكتفاء بدور المتلقي للتداعيات، فتحاول قدر الإمكان تحويل هذه الأزمة إلى فرصة سياسية ودبلوماسية في ظل شح الوساطات الفاعلة، أو بمعنى آخر تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها الطرف الأكثر قدرة على لعب دور الوسيط المقبول من مختلف الأطراف. وهو ما يجعلها تعد الوسيط الأمثل في هذه الحرب، ويتجلى ذلك بوضوح في رفضها الحرب على المستوى السياسي وإعلانها مواقف تدعو إلى التهدئة، على رغم استعدادها للتعامل مع سيناريوهات التصعيد والتكيف معها في حال توسعت دائرة المواجهة".

ويرى المستشار السياسي أنه على رغم ذلك "يمكن القول إن أنقرة تميل أكثر إلى واشنطن في حساباتها الاستراتيجية العامة، لكن من دون أن يصل هذا الميل إلى حد قطع الجسور مع إيران أو الدخول في مواجهة مباشرة معها. يعني ما يمكن فهمه من موقف تركيا هو أنها تحاول أن تتحول تدريجاً من دولة متأثرة بمجريات الصراع إلى دولة مؤثرة قادرة على إعادة تشكيل بعض مساراته، من خلال تفعيل دورها الإقليمي وتوسيع هامش تأثيرها في الملفات الحساسة، إذ يمكنها المشاركة في صناعة السلام وتخفيف التوتر بين الولايات المتحدة وإيران عبر قنوات متعددة. وأيضاً لا يمكننا أن نتجاهل في هذا السياق علاقة تركيا القوية مع دول الخليج العربي، وهي علاقة تمنحها أدوات إضافية للحركة والتأثير وتدعم موقعها كطرف فاعل في أي ترتيبات إقليمية محتملة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التوازن الحذر

من ناحية أخرى، يرى مراقبون أن هذه القراءة لا تقف عند حدود إدارة التوازن بين طهران وواشنطن فقط، بل تمتد إلى تقدير أوسع لطبيعة الأخطار التي يمكن أن تنتج من حرب طويلة أو فوضى إقليمية شاملة. فبالنسبة إلى أنقرة، لا يكمن التهديد فقط في اتساع العمليات العسكرية، بل أيضاً في ما قد يترتب عليها من اهتزازات أمنية واقتصادية وسياسية عابرة للحدود. وهو ما يفسر تمسكها بخيار التوازن الحذر بوصفه أقل الخيارات كلفة وأكثرها انسجاماً مع مصالحها المباشرة.

وفي هذا الإطار، يقدم الصحافي التركي فائق بولوت قراءة موازية للموقف التركي، لكنه يضعها ضمن منطق براغماتي يقوم على منع الخسارة مع الطرفين، وتجنب الانخراط في مشروع يفضي إلى انهيار شامل في الإقليم أو إلى إعادة تشكيل موازين القوى على نحو يضر بالمصالح التركية. يقول في حديث خاص إن "أنقرة تتحرك في هذه الحرب بمنطق التوازن الدقيق، لا بمنطق الاصطفاف الكامل"، موضحاً أن "تركيا لا تريد أن تخسر الولايات المتحدة، باعتبارها شريكاً أساسياً في ملفات الأمن والطاقة والاقتصاد والتوازنات الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن الذهاب بعيداً في مواجهة إيران قد يرتد عليها مباشرة، سواء على مستوى أمن الحدود أو أسواق الطاقة أو توازنات العراق وسوريا والقوقاز".

الاقتراب والابتعاد المحسوب

ويضيف بولوت أن "أنقرة تبدو وكأنها تمارس في هذه الأزمة سياسة الاقتراب المحسوب والابتعاد المحسوب في آن، فهي لا تمنح طهران غطاءً سياسياً كاملاً، لكنها أيضاً لا تريد أن تتحول إلى جزء من مشروع يستهدف خنق إيران أو دفعها إلى الانهيار". وبرأيه، فإن "أي فوضى كبيرة داخل إيران لن تبقى داخل حدودها، بل ستنعكس سريعاً على تركيا من بوابات عدة، أهمها الملف الكردي وأمن الحدود وحركة اللجوء وخطوط التجارة والطاقة".

ويتابع الصحافي التركي أن "المصلحة التركية الأساسية لا تكمن في انتصار إيران ولا في تدميرها، بل في منع انفجار إقليمي واسع قد يحول الجوار التركي إلى ساحة مفتوحة"، مشيراً إلى أن "هذا ما يفسر الخطاب التركي المزدوج، إذ تظهر أنقرة سياسياً بموقف ناقد للتصعيد الأميركي – الإسرائيلي، لكنها عملياً تحافظ على سلوك حذر لا يصل إلى حد القطيعة مع واشنطن، ولا إلى حد الاصطفاف الكامل مع طهران".

لا مصلحة لتركيا بانتصار أحد

ويرى أن "الرسالة التركية الضمنية واضحة، لا مصلحة لأنقرة في كسر إيران بالكامل، كذلك لا مصلحة لها في تحدي الولايات المتحدة بصورة مباشرة"، لافتاً إلى أن "تركيا تحاول أن تبقي بابها مفتوحاً مع طهران، من دون أن تغلق خطوطها مع واشنطن، مستفيدة من موقعها كدولة إقليمية تفضل المناورة وامتصاص الصدمات على الانخراط المباشر في المعركة".

ويختم بولوت بالقول إن "تركيا تنظر إلى هذه الحرب، بما تتضمنه من صراع على مضيق هرمز والمنشآت العسكرية وطرق الطاقة، على أنها أكثر من مجرد مواجهة بين إيران وأميركا، بل معركة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط". وأضاف أن "أنقرة تتحرك هنا ببراغماتية الدولة لا بعاطفة التحالفات، وتحاول إبقاء إيران داخل حدود الاحتواء، والولايات المتحدة داخل حدود الشراكة، والحرب نفسها داخل حدود عدم الانفجار الشامل".

في المحصلة، يتفق المحللون الأتراك على أن الموقف التركي لا يقوم على الحياد التقليدي بقدر ما يقوم على "إدارة التوازن" بوصفها سياسة بحد ذاتها، فأنقرة لا تريد أن تدفع ثمن حرب لا تملك قرار إشعالها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تكتفي بدور المتلقي لتداعياتها. وبين هذين الحدين، تحاول تركيا أن تحمي أمنها، وتمنع انتقال النار إلى جوارها، وتبقي لنفسها موقعاً في أي تسوية مقبلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير