Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حلم الحلزون" رواية شرق متوسطي تحكمه سلطة رقمية

مستقبل اورويلي تُدار فيه الرغبات ويُراقَب الأفراد في حياتهم السرية

مدينة ديستوبية بريشة مارتن لاشمير (صفحة الرسام - فيسوبك)

ملخص

في زمن تتكاثر فيه الروايات التي تعيد إنتاج الحكاية في صيغ مألوفة، يذهب بعض الكتاب إلى مناطق أكثر خطورة، فلا تكون الرواية مرآة للعالم، بل تصير فرصة لتفكيكه. ويتحول السرد في بعض تجلياته إلى أداة لاختبار حدوده، ليدفع بالقارئ إلى أقصى درجات التوتر.

ضمن هذه المغامرة، تندرج رواية "حلم الحلزون" للكاتب التونسي أيمن الدبوسي، (منشورات الجمل ودار سيراس 2025)، كعملٍ يضع القارئ أمام مفارقة حادة: هل يمكن لرغبة فردية، لحظة جسدية عابرة، أن تخلخل نظام العالم بأسره؟

تدور الرواية في شرق المتوسط، داخل زمن مستقبلي تُحكم فيه الحياة عبر منظومة رقمية صارمة تقودها "وزارة الحوكمة الرقمية"، حيث لا تُراقَب الأفعال فقط، بل ما يُكتب ويُفكر فيه أيضاً. في هذا العالم المُحكم، لم تعد السلطة بحاجة إلى العنف المباشر، بل تشتغل عبر تنظيم الحياة نفسها، عبر ضبط الإيقاع اليومي، وإعادة تشكيل الرغبات قبل أن تتبلور. يبدو كل شيء قابلاً للضبط، كل انحراف قابلاً للتصحيح… إلى أن يحدث ما لا يمكن توقعه.

الرغبة تهدد النظام

تبدأ الرواية بلقاء عابر داخل مصعد بين ملاك ونور: نظرة، انجذاب، ثم اندفاع جسدي لا يمر عبر أي تمهيد عاطفي. لحظة كثيفة، شبه صامتة، لكنها مشحونة بطاقة غير مفهومة. غير أن هذا اللقاء لا يأخذ مداه التقليدي، بل ينقلب إلى حدث استثنائي. في الطابق السابع تحديداً، يتعذر انفصال الجسدين، وكأن الرغبة بلغت أقصى حدودها: الاندماج الكامل.

هنا، تخرج الرواية من منطق الحب إلى منطق آخر أكثر التباساً وخطورة: الرغبة بوصفها قوة قصوى، لا تُنتج وصالاً، بل كياناً جديداً. ملاك ونور لا يعودان شخصين، بل يتحولان إلى جسد واحد، كائن هجين يمتلك قدرات غريبة، ويقف خارج نظام العالم كما نعرفه. هذا التحول ليس مجرد خيال غرائبي، بل طرح جذري لفكرة العلاقة الإنسانية، حيث تتحول الرغبة من وسيلة للتقارب إلى قوة تفكك الحدود، وتدفع بالذات إلى أقصاها.

ديستوبيا المراقبة

في "حلم الحلزون"، يحدث هذا التحول داخل نظام شمولي دقيق، تديره "وزارة الحوكمة الرقمية" مدعومة بذكاء صناعي يُدعى "الراعي الأبدي". عالم تهيمن عليه الشاشات، تُصنع فيه الحقيقة، وتُدار عبره الرغبات، ويُراقَب الأفراد حتى في أدق تفاصيل حياتهم.

في هذا العالم، لا يعود الإنسان ذاتاً حرة، بل وحدة داخل منظومة، وظيفة داخل شبكة أكبر. الرغبات ليست معطى طبيعياً، بل مادة قابلة للتوجيه، وربما للتصنيع. كل شيء قابل للقياس، للتصنيف، للإدماج داخل نظام شامل.

في هذا السياق، لا تبدو مغامرة ملاك ونور حدثاً شخصياً، بل خرق لنظام كامل. فالعالم الذي يقوم على الانضباط والطاعة لا يمكنه استيعاب كائن يخرج عن قواعد الجسد والهوية. هكذا، يتحول هذا الكائن الذي يحمل في داخله الذكر والأنثى تماماً كما الحلزون إلى تهديد وجودي، ليس فقط للنظام السياسي، بل لفكرة الواقع نفسها. لقاء داخل مصعد يتحول تدريجاً إلى كارثة محتملة تهدد توازن العالم بأسره، كأن خللاً صغيراً في الجسد قادر على إحداث تصدع في بنية الكون.

مع تقدم الرواية، لا يعود ملاك ونور شخصيتين منفصلتين، بل يتحولان إلى "كائن"، إلى ما يشبه الأسطورة. يُطارد، يُعتقل، يُراقَب، ويُساء فهمه. هل هو مسخ؟ هل هو نبوءة؟ أم علامة على نهاية العالم؟

هذا التحول من الفرد إلى الأسطورة يكشف أحد أهم رهانات الرواية: كيف يُنتج المجتمع "الوحش" من كل ما لا يفهمه. فالكائن الذي وُلد من الرغبة لا يُقرأ بوصفه تجربة إنسانية، بل يعتبر تهديداً يجب احتواؤه أو القضاء عليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الرواية لا تقف عند هذا الحد، بل تمنح هذا "الكائن" صوتاً. يتكلم، يعلق، يسخر، ويطرح أسئلة حول السرد نفسه: هل نحن داخل حكاية؟ من يكتب من؟ ومن يملك الحق في تحديد المعنى؟ هنا يتحول النص إلى لعبة مرايا، حيث لا تعود الحكاية مجرد أحداث، بل تفكير في الحكاية، في ضرورتها، وفي حدودها أيضاً.

السرد ضرورة وجودية

واحدة من أكثر أفكار الرواية كثافة هي استحالة الإمساك بالحقيقة ضمن إطار الحكي. كما يكتب الدبوسي :"كأن الحقيقة ليست سوى استحالة الإمساك بها داخل إطار الحكي. ربما يكمن جوهر المأساة الإنسانية في هذه الاستحالة ذاتها: أننا محكومون بالسرد، محكومون بصياغة المعاني، بينما الحقيقة، إن وُجدت، تظل خارج كل تأطير".

من هذا الاقتباس، تتجسد الفكرة الجوهرية للرواية: أن السرد ليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث، بل شرط وجودي للتماسك داخل العالم. الإنسان كائن يروي لأنه لا يحتمل الفراغ، ولأنه يحتاج إلى معنى، حتى لو كان هذا المعنى هشاً أو موقتاً. لكن المفارقة أن هذا السرد، الذي يمنحنا وهم السيطرة، يكشف في الوقت نفسه حدودنا. فالحقيقة، وإن وُجدت، تظل دائماً خارج متناولنا، خارج اللغة، خارج الحكاية. وهنا، تتحول الرواية إلى تأمل عميق في هشاشة الفهم الإنساني، وفي العلاقة الملتبسة بين الرغبة والمعنى، بين ما نعيشه وما نستطيع روايته.

"حلم الحلزون" إذاً، ليست مجرد جكاية تُروى، بل هي مغامرة في السرد، تحاكي بحثاً وجودياً عن حقيقة لا يمكن الإمساك بها تماماً كما الحلم. عبر رمزية الحلزون يدور العمل في مسار دائري من الأسئلة والانكشافات في شكل حكاية تلتهم ذاتها لتقودنا إلى نقطة الصفر، إلى قيامة السرد وانهيار المعنى.

مسار سردي مختلف

يأتي هذا العمل التجريبي في البنية والأسلوب، ضمن مسيرة لافتة للكاتب أيمن الدبوسي، الذي اشتغل في أعمال سابقة مثل "انتصاب أسود" و"أخبار الرازي"و "انقلاب العين" على تفكيك البنى السردية واستكشاف مناطق التوتر بين الواقع والتخييل. لكن حلم الحلزون تبدو أكثر جرأة من حيث المزج بين الفلسفي والديستوبي والجسدي. فهي لا تكتفي بطرح أسئلة حول الواقع، بل تدفع هذه الأسئلة إلى أقصاها، بحيث يصبح الواقع نفسه موضع شك.

بهذا المعنى، يمكن قراءة الرواية كاستمرار وتجاوز في آنٍ واحد لمشروع الدبوسي، بحيث تتسع مساحة التجريب، ويتعمق الاشتغال على اللغة والسرد، ويتحول النص إلى مختبر حقيقي للأسئلة الكبرى: الهوية، الجسد، السلطة، والحقيقة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة