ملخص
"لقد تآكل النظام العام إذ أدى غياب شرطة المرور والشرطة المجتمعية إلى فوضى عارمة في الأسواق والشوارع، وزيادة في حوادث السير والمشاجرات التي لا تجد جهة قانونية لفضها، وظهرت حوادث نهب قوافل المساعدات، فضلاً عن انفجار النزاعات العائلية".
بينما كانت قوافل المساعدات القليلة ذات الحمولة المحدودة تحاول شق طريقها عبر ركام شوارع غزة المثقلة بالجوع، شنت إسرائيل غارات عنيفة استهدفت هذه المرة "البدلة الزرقاء" ضمن استراتيجية تهدف إلى منع "حماس" من استعادة السيطرة المدنية على القطاع، لكن ذلك القصف عبّد طريقاً خصبة أمام انتشار الفوضى والميليشيات.
في تصعيد دراماتيكي شهده شهر مارس (آذار) الجاري، كثفت إسرائيل غاراتها الجوية ضد عناصر وقيادات شرطة حكومة غزة التابعة لحركة "حماس"، في خطوة يقرأها المراقبون الأمنيون بأنها محاولة أخيرة لإعادة هندسة الواقع الأمني قبل التسليم المفترض للمهام للجنة التكنوقراط.
إسرائيل ترفض بقاء كوادر "حماس"
واستهدفت أحدث الضربات الإسرائيلية التي نفذها الجيش بواسطة طائرة مسيرة، مركبة في النصيرات أدت إلى مقتل أربعة ضباط وعناصر من الشرطة وأصابت ثمانية آخرين أثناء قيامهم بمهام رسمية. كذلك اغتالت تل أبيب مدير شرطة التدخل العميد إياد أبو يوسف برفقة سبعة من الضباط والعناصر.
تكرر استهداف إسرائيل لعناصر الشرطة مراراً خلال انشغال العالم بمجريات الحرب على إيران، ووسعت تل أبيب ضرباتها لتشمل تدمير مركز شرطة موقت، مما أخرج الخدمة الأمنية المحدودة في غزة عن العمل.
في الواقع، ترفض إسرائيل بقاء أي عنصر تابع لـ"حماس" في اليوم التالي للحرب، حتى إن كان ذلك العنصر تابعاً لجهاز الشرطة المصنف بحسب القانون بأنها قوة مدنية، لذلك زادت من وتيرة استهداف الأمن في غزة، لكن تلك الضربات قد ترتب آثاراً سلبية على المجتمع المدني.
ضربات ضد مديرين ومقار وحتى كوادر
تأتي الضربات الإسرائيلية على غزة في الوقت الذي يحاول فيه مجلس السلام وضع خطة لدمج عناصر شرطة "حماس" مع أجهزة شرطة التكنوقراط، الذين من المقرر أن يتولوا مهام الأمن في القطاع بعد تسلم لجنة إدارة غزة مهامها داخلياً.
إسرائيل تسعى لضمان عدم وجود أي كادر بشري من الشرطة الحالية يمكن دمجه في القوة الأمنية الجديدة التي يرأسها علي شعث. لكن هذه الاستهدافات زادت من وتيرة الفوضى الأمنية والمخاوف الدولية من انهيار كامل للنظام المدني في القطاع، إذ تتبع تل أبيب استراتيجية قائمة على مبدأ الفوضى الخلاقة لضرب الحاضنة الشعبية ومنع استقرار الوضع المعيشي.
المتابعة الميدانية تظهر إن الغارات الإسرائيلية تهدف إلى تصفية القيادات، إذ ركزت الضربات على اغتيال مدراء مراكز الشرطة وقادة قوات التدخل وحفظ النظام، وكذلك تدمير المقرات من خلال قصف غالبية مراكز الشرطة والمقرات الأمنية لتحويلها إلى مناطق غير صالحة للإدارة، أيضاً استهدفت دوريات الشرطة بزيهم الرسمي أو المدني أثناء محاولتهم تنظيم الأسواق.
يقول الباحث الأمني منذر صبح "تنفذ تل أبيب استراتيجية تفكيك الحكومة المدنية، والدافع الواضح منع اليوم التالي، إذ تهدف تل أبيب لضمان عدم وجود أي هيكل إداري تابع لـ‘حماس‘ يمكنه استلام الأرض فور انسحاب الجيش. فهي تتعامل مع الشرطة كجناح عسكري وليس كجهاز خدماتي مدني، لتبرير ضربهم بموجب قوانين الحرب".
يضيف صبح "من خلال الضربات، تضغط إسرائيل باتجاه قبول ‘حماس‘ لشرطة تكنوقراط أو قوات عشائرية لا تتبع للفصائل، فهي تحاول إفساح المجال للبدائل. لكن هذا الضغط أدى إلى ظهور نتائج ميدانية سلبية مثل الفراغ الأمني وظهور عصابات مسلحة والفوضى الاجتماعية، إذ انتشرت النزاعات العائلية والسرقات والاحتكار في الأسواق نتيجة غياب سلطة الضبط".
مبررات إسرائيل
في حكومة غزة، يعمل نحو 10 آلاف عنصر في جهاز الشرطة، قتلت إسرائيل منهم منذ بدء الحرب ما يقارب الـ2800 فرد أمن، وما زالت تنفذ بحقهم استهدافات لتعيد هندسة الأمن في القطاع، وتعتبر تل أبيب غاراتها على قوات النظام مبررة.
يقول متحدث الجيش الإسرائيلي نداف شوشاني "جهاز الشرطة في غزة هدف عسكري مشروع وليس قوة مدنية. لا يمكن الفصل بين الجناح العسكري لـ‘حماس‘ وجهاز الشرطة المدنية، إن العديد من أفراد الشرطة هم أعضاء نشطون في ‘القسام‘، أو يتقاضون رواتبهم من الموازنة المخصصة للحركة".
يضيف "وجود الشرطة بزيها الرسمي يعني استمرار حكم ‘حماس‘، والضربات تهدف إلى منع الحركة من ممارسة أي شكل من أشكال السلطة المرفوضة دولياً، فهؤلاء العناصر يستولون على المساعدات مما يعزز نفوذهم الشعبي".
تتهم إسرائيل عناصر الشرطة بالعمل كعيون لـ"حماس" إذ يقومون برصد التحركات، يوضح ديفرين أن شرطة "حماس" مصنفة منظمة إرهابية، والهدف من هذه العمليات العسكرية إزالة التهديدات ومنع الفصائل من إعادة إرساء حكمها في غزة، كاشفاً أن الضربات تستهدف خلايا مسلحة تخطط لتنفيذ هجوم وليس لمجرد كونهم رجال شرطة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مخالف لخطة السلام والازدهار
في الواقع، يعد استهداف الشرطة مخالفاً لخطة السلام والازدهار في غزة والتي لا تمنح إسرائيل حقاً قانونياً صريحاً باستهداف قوات الأمن كجهاز مدني، بل تضع إطاراً زمنياً لنزع سلاح الفصائل واستبدال المنظومة الأمنية الحالية بقوة شرطية جديدة.
في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، هناك بند لنزع السلاح وتفكيك البنية التحتية التابعة لـ"حماس" والمنظمات الأخرى، وإنشاء قوة استقرار دولية وشرطة بديلة تعمل جنباً إلى جنب مع قوات شرطة فلسطينية جديدة، يجري فحص عناصرها وتدريبهم من قبل أطراف إقليمية.
كذلك تتناقض الضربات الإسرائيلية مع القانون الدولي الذي يحمي الموظفين المدنيين بمن فيهم الشرطة غير المشاركة في القتال، من الاستهداف المباشر. لكن تل أبيب تتجاهل كل ذلك وتشرعن تفكيك منظومة "حماس" الأمنية كهدف سياسي.
تركت الغارات الإسرائيلية الممنهجة ضد جهاز الشرطة في غزة تداعيات خطيرة تتجاوز البعد العسكري. يقول الباحث السياسي تامر حسين "أدى الاستهداف إلى فراغ أمني وانتشار الفوضى وصعود العصابات والميليشيات. فغياب قوة الردع الشرطية تسبب في ظهور مجموعات مسلحة وعصابات منظمة تسيطر على الشوارع وتفرض إتاوات على المواطنين والنازحين".
يضيف "لقد تآكل النظام العام إذ أدى غياب شرطة المرور والشرطة المجتمعية إلى فوضى عارمة في الأسواق والشوارع، وزيادة في حوادث السير والمشاجرات التي لا تجد جهة قانونية لفضها، وظهرت حوادث نهب قوافل المساعدات، فضلاً عن انفجار النزاعات العائلية".
لجنة التكنوقراط في حيرة
في وسط هذا الصراع، تقف اللجنة الوطنية لإدارة غزة في موقف لا تحسد عليه، إذ في الوقت الذي تتجهز فيه لاختيار كوادر أمن جديدة تدمجهم مع شرطة "حماس"، تواجه تصدياً إسرائيلياً. يقول رئيس التكنوقراط علي شعث "لا يمكننا إدارة غزة كغابة مسلحة، نحن بحاجة لشرطة مهنية محمية دولياً، وليس لهياكل منهارة تحت القصف".
يطالب شعث بوقف استهداف الكوادر الإدارية: تطالب اللجنة بضمانات إسرائيلية بعدم التعرض لأفراد الشرطة الجدد أو الموظفين المدنيين، ويضيف "استهداف عناصر الشرطة بملابسهم المدنية أثناء تأمين المساعدات يعيق مهمة التكنوقراط الأساسية. فعملية تسلم المهام في ظل فراغ أمني مطلق وانتشار العصابات المسلحة والميليشيات سيجعلان من المستحيل بسط النظام من دون وجود قوة تنفيذية مدربة ومحمية دولياً".
يعلق الباحث الأمني أمين حبوب "تراهن إسرائيل على أن سحق جهاز الشرطة الحالي سيجبر الجميع على القبول بأمن التكنوقراط وفق شروطها. لكن الواقع الميداني يشير إلى عكس ذلك، فالفراغ الأمني الذي خلفته الغارات الإسرائيلية لم يملأه خبراء الإدارة، بل ملأته الفوضى".
يضيف "القضاء على الكادر الشرطي الحالي من دون وجود بديل جاهز على الأرض مثل شرطة التكنوقراط المقترحة، يجعل الانتقال السلمي للسلطة مستحيلاً، ويحول غزة إلى منطقة غابة أمنية يصعب السيطرة عليها. هناك صراع بين رغبة إسرائيل في فرض لجنة تكنوقراط وبين محاولات ‘حماس‘ الحفاظ على وجود عناصرها بملابس مدنية لإثبات أنها ما زالت صمام الأمان لمنع انهيار المجتمع كلياً".
موقف "حماس"
ترى "حماس" أن جهاز الشرطة هو هيئة مدنية محمية بموجب القانون الدولي، وتصر على إدراجه في أي ترتيبات مستقبلية. وتعتقد أن الاستهدافات هي بمثابة جريمة حرب تهدف إلى نشر الفوضى وكسر الجبهة الداخلية، يقول متحدثها حازم قاسم، "جهاز الشرطة هو هيئة مدنية خدماتية، استهداف العناصر وهم يؤدون مهاماً تنظيمية هو اعتداء صارخ على المدنيين. إسرائيل تحاول خلق فوضى منظمة لإفساح المجال أمام عصابات اللصوص والميليشيات". ويضيف "أصدرت وزارة الداخلية في غزة تعليمات لعناصرها بالعمل باللباس المدني والاندماج مع اللجان الشعبية والعشائرية لتأمين المجتمع الغزي، لأن الحفاظ على السلم الأهلي هو معركة صمود لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية".