ملخص
يرتبط عيد الفطر عند كثير من أطفال السودان في ظل الظروف العادية بطقوس وعادات متبعة، من أهمها الحرص على اقتناء الملابس الجديدة وتبادل الزيارات بين الجيران والعائلات، لكن هذه الأجواء تلاشت بالنسبة إلى كثير من هؤلاء الأطفال، خصوصاً الذين لا يزالون في معسكرات الإيواء أو مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
لم تتخيل النازحة السودانية فاطمة عبدالله أن يأتي العيد يوماً، وهي تحاول إقناع أطفالها بأن القليل من المقتنيات المتمثلة في شراء ملابس حتى لو كانت مستعملة، تكفي لإكمال فرحتهم بالعيد.
نزحت فاطمة مع أطفالها الخمسة من منزلهم في مدينة أم درمان بعد أسبوعين من اندلاع القتال بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، لتجد نفسها في أحد مراكز الإيواء بمدينة عطبرة ولاية نهر النيل، التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مما غير ملامح العيد تماماً لأطفالها.
تقول عبدالله بصوت حزين مختلط بالصبر، "كان أطفالي يستقبلون العيد كل عام بشراء الملابس الجديدة واللعب، لكن الحرب غيرت نمط حياتهم وأفقدتهم متعة الفرح، وأحياناً لا نجد ما يكفي لشراء الاحتياجات الأساسية".
وتضيف، "يقضي أطفالي معظم وقتهم داخل معسكر الإيواء الذي يخلو من أماكن للعب أو الدراسة، بينما أحاول التخفيف عنهم قدر الإمكان من قسوة الظروف وعدم العودة إلى منزلنا في الوقت الحالي الذي سُوِّي بالأرض بفعل القصف العشوائي المتبادل بين طرفي الصراع".
قصة فاطمة تجسد جانباً من واقع آلاف الأسر السودانية التي تبدلت أحوالها بسبب الحرب التي دفعت ملايين العائلات إلى النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار.
ويعد الأطفال من أكثر الفئات تضرراً من النزاع، إذ تعرضوا للعنف والحرمان من التعليم والرعاية الصحية والتجنيد بواسطة الجماعات المسلحة، فيما ارتكبت جرائم عنف جنسي على نطاق واسع بحقهم.
وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى أن ملايين الأطفال في السودان تأثروا بصورة مباشرة بالحرب، سواء عبر النزوح أو فقدان الخدمات الأساسية مثل التعليم والرعاية الصحية. وتحذر المنظمة من أن استمرار الصراع وتدهور الأوضاع الإنسانية يهددان مستقبل جيل كامل من الأطفال.
ويرتبط عيد الفطر عند كثير من أطفال السودان في ظل الظروف العادية بطقوس وعادات متبعة، من أهمها الحرص على اقتناء الملابس الجديدة وتبادل الزيارات بين الجيران والعائلات، لكن هذه الأجواء تلاشت بالنسبة إلى كثير من هؤلاء الأطفال، خصوصاً الذين لا يزالون في معسكرات الإيواء أو مناطق تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات.
فرحة ناقصة
من جانبها، تقول نهى عبدالوهاب التي تسكن في مدينة بورتسودان شرق البلاد، وهي أم لثلاثة أطفال، إن "أطفالي يواجهون صعوبات في التأقلم مع حياتهم الجديدة نتيجة عدم قدرتنا على الإيفاء بمتطلباتهم في العيد، خصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، وتحديداً ملابس الأطفال، مما جعل فرحتهم ناقصة في العيد".
وتابعت، "قبل الحرب كنا نحرص على شراء الملابس الجديدة لأطفالنا في الأعياد، وكانوا ينتظرون هذه المناسبات بفرحة وسعادة لا توصف لارتباطها بأجواء تعبر عن البهجة والسرور، لكن كل ذلك أصبح مجرد ذكريات وماضٍ يتشوقون بأن يعود سريعاً".
مجرد ترف
وفي أحد معسكرات الإيواء بمنطقة الطويلة بدارفور، أوضح محمد عبدالرحمن، وهو أب لأربعة أطفال، أن "توفير الأكل والشرب بخاصة للذين يقيمون في المخيمات يعدان ترفاً، ناهيك بشراء الملابس الجديدة واللعب والمخبوزات والحلويات الخاصة بمناسبة العيد".
وتابع، "أطفالي في حال سؤال دائم لماذا لا يوجد طعام كافٍ كما كنا في السابق؟ مما يعني أن الحرب غيرت مفاهيمهم، وأصبح التفكير حتى على مستوى الأطفال من أجل البقاء".
وزاد عبدالرحمن متحدثاً "لا توجد مظاهر للعيد في مراكز الإيواء في ظل الظروف القاسية التي يعيشها النازحون من نقص حاد في الخدمات الأساسية، لا سيما أن معاناة الأطفال تتفاقم يوماً تلو الآخر مع وصول المساعدات الإنسانية بصورة متقطعة".
ظلال ثقيلة
في السياق، قال الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة في السودان عبدالقادر أبو، إن "الأطفال في السودان يواجهون أوضاعاً إنسانية بالغة التعقيد بسبب الحرب المستمرة منذ قرابة الثلاثة أعوام، بخاصة في مناطق سيطرة ‘الدعم السريع‘ التي تعاني من زيادة الانتهاكات وتعطل وصول الإمدادات الطبية والغذائية".
وبين أن "إغلاق الطرق وتعطل حركة سلاسل الإمدادات بين الولايات، أديا إلى نقص الخدمات الضرورية، مما فاقم معاناة الأسر، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع الأطفال".
وأشار أبو إلى أن "آثار الحرب المدمرة لنحو ثلاثة أعوام أدت إلى تفاقم معاناة الأطفال، إذ وصلت نسبة المتأثرين بالأزمة الصحية والغذائية والتعليمية إلى 85 في المئة بعدد من الولايات سواء المناطق الآمنة أو تلك المتأثرة بالنزاع".
ولفت إلى أن "الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على الطفولة في السودان حيث رصد المجلس ارتفاعاً كبيراً في معدلات الانقطاع عن الدراسة، إذ بلغ حجم الفاقد التربوي نحو 3 ملايين طفل، وجرى تسجيل أكثر من مليون و13 ألف حالة وفاة بين الأطفال بسبب سوء التغذية، إضافة إلى نحو 1000 حالة وفاة بسبب الجوع، بينما بلغ عدد المفقودين 700 طفل".
ونوه إلى أن "نحو مليون طفل قتلوا نتيجة المشاركة في القتال، إذ بلغ عدد الجرحى منهم نحو 315 طفلاً، بينما رصد المجلس تجنيد نحو مليون و106 آلاف طفل في مناطق سيطرة ‘الدعم السريع‘، علاوة على أن الحرب أسهمت في موجة نزوح كبيرة وسط الأطفال قدرت أعدادهم بنحو 940 طفلاً نازحاً داخل البلاد وخارجها، بينما هناك نحو 313 ألف طفل انفصلوا عن أسرهم خلال النزوح".
وأكد الأمين العام للمجلس القومي لرعاية الطفولة في ختام حديثه أن "المجلس يعمل بالتنسيق مع شركائه على معالجة أوضاع الأطفال فاقدي الرعاية الأسرية ومحاولة دمجهم في المجتمع، إلى جانب رصد أوضاع الأطفال في المناطق التي استُعيدت، وأصبحت تحت سيطرة الجيش، فضلاً عن تنفيذ برامج دعم صحي للأطفال".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إحساس بالعزلة
من جهتها، أوضحت نجلاء عبدالمحمود المتخصصة في الشأن الاجتماعي أن "الحرب والنزوح يتركان آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال، بخاصة في المناسبات الرسمية مثل رمضان والعيد".
وتابعت عبدالمحمود "العيد يرتبط بعادات واجتماعيات تمنحان الأطفال شعوراً بالفرح مثل اللعب والتجمعات الأسرية، غير أن الحرب والنزوح حرما أطفالاً كثراً من هذه المتعة".
ولفتت إلى أن "فقدان المنزل والمدرسة والبيئة التعليمية المألوفة قد يخلق إحساساً بالعزلة وعدم الاستقرار لدى الأطفال، وثم تؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي على المدى الطويل".
وأشارت المتخصصة الاجتماعية إلى أن "الأسرة والمجتمع لهما دور مهم في التخفيف من هذه التأثيرات من خلال المحافظة على العادات والتقاليد المتبعة في العيد، فضلاً عن خلق بيئة آمنة للأطفال قدر الإمكان حتى في ظل ظروف الحرب والنزوح. لكن يبقى العيد لغالبية الأطفال مختلفاً تماماً عما عرفوه في السابق، إذ اختفت مظاهر الفرح في ظل الغلاء الفاحش وارتفاع الأسعار مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط التي تزامنت مع استمرار الصراع في السودان، إلى جانب فقدان مصادر الدخل ونفاد المدخرات لتحل محلها حياة مليئة بالمعاناة".
مفارقات مؤلمة
على صعيد متصل، يقول المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين آدم رجال، "في العيد تتجلى المفارقات المؤلمة في حياة المواطنين بصورة عامة الذين تأثروا بالصراع، خصوصاً النازحين وعلى وجه الخصوص الأطفال، إذ من المفترض أن تكون مناسبة العيد وقتاً للفرح والاحتفال، لكنها تأتي وسط ظروف إنسانية صعبة، مما يجعل العيد اختباراً للصبر والصمود".
وأضاف رجال "بالنسبة إلى النازحين، لا يقتصر العيد على أداء الشعائر الدينية فحسب، بل هو تذكير بالمنازل التي تركوها قسراً، فضلاً عن الروابط الاجتماعية التي مزقتها الحرب، إذ يستحضر كثيرون صوراً من الماضي وأصوات التكبير في المساجد وتبادل الزيارات وشراء الملابس الجديدة للأطفال والحلويات وروائح المخبوزات. إلا أن الإقامة في المعسكرات حولت هذه الصور إلى حنين مؤلم، خصوصاً مع غياب احتفالات العيد التقليدية وسيطرة مخاوف تأمين الطعام والمأوى".
وأردف "المجتمعات تعاني نقصاً حاداً في الغذاء، إذ لا تكفي حصص الغذاء لتلبية الحاجات الأساسية، وكذلك المياه الصالحة للشرب والخدمات الصحية، إلى جانب فقدان عديد من العائلات معيلها، مما يزيد معاناة الأطفال".
ومضى قائلاً، "على رغم هذه الظروف الصعبة، يحاول النازحون في دارفور خلق لحظات بسيطة للفرح بإعداد الوجبات التي تقتصر على الشاي والخبز في صباح العيد وتبادل الزيارات بصحبة أطفالهم داخل المخيمات، في محاولة لبث روح العيد بنفوس الأطفال، إذ يجد الصغار على رغم حرمانهم من الملابس الجديدة عزاء في اللعب أمام الخيم، مما يخفف من وطأة واقعهم".
وأشار المتحدث باسم المنسقية العامة للنازحين واللاجئين إلى أن "عيد هذا العام يفاقم مشاعر الفقدان والعزلة بسبب استمرار الحرب، لكنه يفتح باباً للأمل والتمسك بفكرة أن هذه الظروف موقتة، وأنهم سيعودون إلى ديارهم يوماً ما، لا سيما أن الروح مهما كانت هشة تمنحهم القوة من أجل البقاء".