ملخص
تمثل أزمة الطاقة الحالية تحدياً هائلاً لا تستطيع أي دولة أوروبية بمفردها مواجهته. لذلك ينبغي على الاتحاد الأوروبي استغلال قوته الشرائية بوصفه ثاني أكبر اقتصاد متكامل في العالم بعد الولايات المتحدة، للتفاوض مع روسيا كمشترٍ واحد لموارد الطاقة منها.
بسبب الحرب في الشرق الأوسط، والتحكم الإيراني بعبور ناقلات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، تواجه أوروبا أسوأ أزمة طاقة منذ عام 2022. وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، لا تتجاوز احتياطات الغاز الجوفية في دول الاتحاد الأوروبي 29.76 في المئة حالياً. ولتوضيح حجم الكارثة الحالية، كان متوسط الاحتياطات خلال الأعوام الخمسة الماضية، حتى بعد فرض العقوبات على روسيا، يبلغ في مثل هذا الوقت من العام حوالى 45 في المئة. ويُعدّ الوضع حرجاً للغاية في لاتفيا والسويد وهولندا وكرواتيا، حيث انخفضت الاحتياطات إلى مستويات تُهدد أمنها الطاقي.
"أوروبا بالكاد تخرج من أزمة طاقة صناعية، والآن لدينا أزمة أخرى"، هذا ما نقلته صحيفة "فايننشال تايمز" عن محللين يراقبون الوضع.
تحليق الأسعار
بلغت أسعار الغاز في أوروبا ذروتها عند 800 دولار لكل ألف متر مكعب، وهو أعلى مستوى لها منذ ثلاثة أعوام. وقفزت العقود الآجلة لشهر أبريل (نيسان) المقبل في مركز تداول الغاز في تورنتو بأكثر من 30 في المئة خلال الساعات الأولى من التداول.
وعلى رغم انخفاض الأسعار قليلاً عند إغلاق التداول إلى ما بين 650 و660 دولاراً، فإن هذه القفزة الكبيرة تشير إلى حال من الذعر بين المتداولين. ففي فبراير (شباط) الماضي، كانت الأسعار تحوم حول 400 دولار، وهو مستوى مريح نسبياً للصناعة الأوروبية.
كانت الضربة الرئيسة لميزان الطاقة الأوروبي توقف الإنتاج في قطر. فقد أعلنت شركة قطر للطاقة، المملوكة للدولة، حال القوة القاهرة في عقود توريد الغاز الطبيعي المسال عقب الهجمات الإيرانية على منشآت الغاز في رأس لفان ومسيعيد.
تؤمن قطر ما يقارب 20 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وتحتل المرتبة الثالثة في العالم من حيث حجم الإنتاج بعد الولايات المتحدة وأستراليا.
وبحسب وكالة "رويترز"، حتى لو انتهت الحرب على الفور، فإن استعادة أحجام التصدير السابقة ستستغرق شهراً في الأقل: أسبوعين لإعادة تشغيل المنشآت وأسبوعين آخرين لتبريد الغاز إلى درجات حرارة منخفضة للغاية.
ويزداد الوضع سوءاً بسبب مرور جميع الغاز القطري عبر مضيق هرمز، الذي أصبح الآن مغلقاً عملياً أمام الملاحة. وقد صرّح الحرس الثوري الإيراني بصورة قاطعة بأن "إيران ستحرق أي سفينة تحاول المرور عبر مضيق هرمز" دون تصريح منه.
الضيق بسبب إقفال المضيق
بحسب أليكسي غريفاتش، نائب رئيس صندوق أمن الطاقة الوطني الروسي، فإن إغلاق مضيق هرمز، وما تبعه من انقطاع للإمدادات من قطر، يخلق "أزمةً غير مسبوقة" في السوق.
ويؤكد إيغور يوشكوف، كبير المحللين في صندوق أمن الطاقة الوطني، أن مضيق هرمز لم يُغلق سابقاً قط، على رغم تهديد إيران من قبل مراراً بفرض حصار، لكن هذه التهديدات لم تتحول إلى واقع إلا الآن، بعد مقتل علي خامنئي وعدد من القادة العسكريين الآخرين في الجمهورية الإسلامية.
السؤال المنطقي المطروح حالياً: هل تستطيع أوروبا زيادة مشترياتها من موردين آخرين؟ حالياً، تعمل النرويج، أكبر مورد للغاز الطبيعي المسال في أوروبا، بكامل طاقتها الإنتاجية. ولا تسمح بنيتها التحتية بزيادة فورية في الإنتاج، والعقود الموقعة تمتد لأعوام مقبلة.
أما الولايات المتحدة، المورد الرئيس للغاز الطبيعي المسال إلى الاتحاد الأوروبي (25.4 في المئة مقابل 3.5 في المئة لقطر في عام 2025)، فهي أيضاً غير قادرة على التعويض الفوري عن الكميات المفقودة. ولا يمكن للغاز الطبيعي المسال الأميركي أن يحل محل الغاز الطبيعي المسال القطري بصورة كاملة نظراً إلى اختلاف الأسواق واللوجيستيات.
تُفاقم المنافسة مع آسيا الوضع. فقد أصبحت ناقلة غاز طبيعي مسال، كانت متجهة في الأصل إلى فرنسا، أول سفينة شحن في المحيط الأطلسي تُغير مسارها وتتجه نحو دول آسيوية.
ويُبدي المشترون الآسيويون استعداداً لدفع المزيد، مما يُجبر الأوروبيين على خوض حرب أسعار على كل متر مكعب من الغاز.
أوروبا تحاصر نفسها بعقوباتها!
صرّح وزير الطاقة النرويجي تيرجي آسلاند سابقاً، بأن الاتحاد الأوروبي قد يعيد فتح باب المفاوضات في شأن واردات الغاز من روسيا في ظل تصاعد التوتر في الشرق الأوسط. وإذا ما حدثت عودة "القارة العجوز" إلى أحضان مصادر الطاقة الروسية، فسيكون ذلك بالغ الصعوبة والتعقيد.
فقد بنى الاتحاد الأوروبي هيكلاً عقابياً ضخماً في الأعوام الأخيرة، ووجهت روسيا قسماً كبيراً من صادراتها نحو آسيا. وعلى رغم استمرار توريد الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى الاتحاد الأوروبي، فإن حزمة العقوبات الأوروبية الـ19 ستدخل حيز التنفيذ عام 2027، مما سيؤدي إلى وقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي.
ولا يسمح قانون الاتحاد الأوروبي باستثناءات من عقوباته إلا في حال وجود تهديد خطر لأمن الطاقة، وحتى في هذه الحالة، يسمح قانون الاتحاد الأوروبي باستئناف واردات المواد الخام الخاضعة للعقوبات خلال حال الطوارئ لمدة تصل إلى أربعة أسابيع فقط.
وسيُجبر الاتحاد الأوروبي إما على الامتثال الكامل لهذا القانون أو تعديل تشريعاته. كما يُعدّ التمديد الدائم لحالة الطوارئ خياراً مطروحاً، إلا أن ذلك سيؤثر سلباً في مناخ الاستثمار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إذا انتهى الصراع العسكري الأميركي الإسرائيلي الإيراني سريعاً، ستتعدل الأسعار. مع ذلك، ثمة سيناريو محتمل يستمر فيه الصراع لمئة يوم أخرى في الأقل (وفقاً لمصادر بوليتيكو في البنتاغون).
في هذه الحال، ستواجه أوروبا فترة تمتد لأشهر عدة من ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات. وبحلول بداية موسم التدفئة، قد لا تتجاوز نسبة امتلاء مرافق التخزين 50-60 في المئة بدلاً من النسبة المطلوبة البالغة 90 في المئة. وفي شتاء 2026-2027، ستؤدي أي موجة برد إلى ارتفاع الأسعار بصورة حادة، وسيواجه القطاع الصناعي قيوداً إجبارية على الاستهلاك.
وفي الـ16 من الشهر الجاري، كتبت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن صدمة موارد الطاقة الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران تهدد بتوجيه ضربة قاصمة للاقتصادات الأوروبية. وتوقعت أن يكون هذا الوضع بمثابة "مفاجأة مريرة" لأوروبا، التي كانت تخطط لتسريع النمو الاقتصادي بعد فترة طويلة من الركود.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون لاين إن ارتفاع أسعار النفط والغاز قد زاد بالفعل من فواتير استيراد الوقود الأحفوري للدول الأوروبية بمقدار 3 مليارات يورو في الأيام الـ10 الأولى من النزاع.
استبدال الهيمنة الروسية بتبعية أميركية!
يشكل التدمير المادي لمحطات الغاز والنفط تهديداً خطراً. وقد تستغرق عملية إعادة تأهيلها أعواماً. ويعتقد الخبراء الروس، أن هذا يصبّ، بصورة غير مباشرة، في مصلحة إدارة ترمب على رغم تصريحاته المتناقضة في هذا الخصوص، إذ تفضل هذه الإدارة القضاء على المنافسة في السوق لكي تشتري أوروبا الوقود حصرياً من الولايات المتحدة.
في هذه الحالة، سيشهد سوق الطاقة العالمي تحولاً جذرياً. وتجد روسيا، بصفتها أكبر مورد لم يتأثر بالنزاع، نفسها في وضع فريد. إذ سيتعين على أوروبا ليس فقط العودة إلى الغاز الروسي، بل أيضاً إعادة النظر بصورة جذرية في هيكل أمنها الطاقي برمته، إدراكاً منها أنها لا تستطيع البقاء دون روسيا.
ومن المفارقات، أن الاتحاد الأوروبي قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، كان يخطط للتخلص تماماً من واردات الغاز من روسيا بحلول عام 2027. وهذا أثار ويثير مخاوف من أن أوروبا قد تواجه شكلاً جديداً من أشكال التبعية الجيوسياسية :حيث استبدلت الهيمنة الروسية على مواردها من الطاقة بتبعية أميركية قاسية، لأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة أغلى بكثير من الوقود الروسي، وفقاً لصحيفة "فايننشال تايمز".
وبحسب كثير من الخبراء، كان قرار الاتحاد الأوروبي بالتخلي عن إمدادات الطاقة الروسية كارثياً على الاقتصاد الأوروبي. وما وُصف بأنه ضربة لـ"آلة حرب الكرملين" تحوّل في الواقع إلى فعل تدمير اقتصادي ذاتي لأوروبا نفسها.
خسائر بالمليارات!
وكانت أوروبا قد تخلّت طواعيةً عن وقود الأنابيب الروسي الرخيص والموثوق، لا سيما بعد تفجير خطي أنابيب "نورد ستريم" في قاع البلطيق عام 2022، واحتضنت "شريكاً" أجنبياً سارع إلى استغلال الوضع. لم يؤدِّ استبدال الموارد الروسية بنظيرتها الأميركية إلى ارتفاع الأسعار وحسب، بل إلى خسارة جوهرية في السيادة وآفاق التنمية الصناعية للعالم القديم.
وبلغت كلفة الخيار السياسي للاتحاد الأوروبي مئات المليارات من اليورو، فضلاً عن انهيار الإنتاج الصناعي. ووفقاً لهيئة الإحصاء الأوروبية (يوروستات)، فقد وصلت الخسائر التراكمية للاتحاد الأوروبي جراء التخلي عن النفط الروسي للفترة من 2022 إلى 2025 إلى ما يقارب 300 مليار يورو. وفي السنة الأولى من عام 2025 وحدها، دفع الأوروبيون مبالغ زائدة مقابل واردات النفط بلغت 22.7 مليار يورو.
مع ذلك، فإن الخسائر المباشرة ليست سوى غيض من فيض. وكما أشار إقبال غولييف، عميد كلية الاقتصاد المالي في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، فإن أوروبا تواجه موجة من ارتفاع أسعار الطاقة والتعريفات الجمركية، التي ستؤثر ليس فقط في الأسر، بل في الصناعة أيضاً.
وقد بدأت المصانع الكبيرة، غير القادرة على منافسة المناطق ذات الطاقة الرخيصة، بالنزوح بالفعل. واضطر الكثير من المصنّعين إلى نقل إنتاجهم إلى الولايات المتحدة، حيث الطاقة أرخص. ولا يعود تباطؤ الصناعة الأوروبية إلى "التحول الأخضر"، بل إلى فقدان القدرة على الوصول إلى المواد الخام الرخيصة.
وأكد ألكسندر تولماتشيف، نائب رئيس لجنة سياسات الشباب في مجلس النواب الروسي (الدوما)، أن المشكلات تتفاقم بسبب انهيار لوجيستي، وقال "تم تجهيز مصافي النفط الأوروبية لعقود لمعالجة النفط الخام الروسي.
الوقوع في قبضة أميركا
لم تنل أوروبا حريتها بالتخلي عن الموارد الروسية، بل استبدلت مورداً بآخر وهيمنة نظرية بتبعية عملانية، فأصبحت الآن محكومة بتبعية تامة تشبه الوقوع في الأسر. ويخلص تولماتشيف إلى القول "لقد استسلمت أوروبا للولايات المتحدة دون مقاومة".
ارتفعت واردات الغاز الطبيعي المسال الأميركي إلى أوروبا بنسبة 485 في المئة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، بينما انخفضت حصة الغاز الروسي من 60 في المئة إلى 8 في المئة. وتؤكد بيانات صحيفة "الغارديان" أن أوروبا مُجبرة على اتباع المسار الجيوسياسي لواشنطن، خشية انقطاع الإمدادات. وتكمن قوة التأثير في يد البيت الأبيض.
تسعى سلطات الاتحاد الأوروبي جاهدةً إلى التخفيف من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، لكن خياراتها باتت محدودةً أكثر مما كانت عليه بعد اندلاع الأعمال العدائية في أوكرانيا. وقد ارتفع الدين العام وكلف الاقتراض في أوروبا ارتفاعاً ملحوظاً في الأعوام الأخيرة. ففي المملكة المتحدة وفرنسا، بلغ الدين العام أو يقترب من أعلى نسبة له من الناتج المحلي الإجمالي منذ 60 عاماً في الأقل.
وتُؤدي أسعار الطاقة المتزايدة إلى زيادة الضغوط على الصناعة. وتحذر الصناعات التي تعتمد على الطاقة، بما في ذلك شركات الكيماويات والأسمدة، من ارتفاع كلف الغاز وخطر التضخم. وهذا يُعرّضها لخطر إغلاق المصانع ونقل الإنتاج إلى الصين أو الولايات المتحدة.
بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال"، يُعدّ الصراع حول إيران أحدث ضربة للاقتصاد الأوروبي جراء سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ففي العام الماضي، قيّدت تعريفاته الجمركية وصول الشركات الأوروبية إلى أكبر أسواقها التصديرية، مما أدى إلى زيادة الواردات من الصين، التي تم تحويلها من السوق الأميركية بسبب الحواجز الجمركية.
روسيا تسترجع زمام المبادرة!
كانت الهند ثاني أكبر مستورد للنفط الروسي حيث تستقبل ما يصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً، معظمها من منطقة الأورال، بعد الصين التي تستورد أكبر كمية منه تبلغ حوالى مليوني برميل يومياً، لكن بعد تعليق كبريات الشركات الهندية مشترياتها، اكتظت البحار والمحيطات بناقلات الوقود الروسي التي لا تجد جهات وشركات تشتريها.
وبعد منح واشنطن الهند تصريحاً موقتاً لشراء النفط الروسي في محاولة للتخفيف من صعود الأسعار، حجبت موسكو الحسومات التي كانت تمنحها للشركات الهندية وفرضت عليها الشراء بالأسعار العالمية ودون أي تفضيلات.
أمّا الصين التي تتزوَّد بالنفط الروسي عبر خطوط أنابيب مثل "قوة سيبيريا"، وعبر خدمات النقل البحري، فلم تتأثر بتهديدات ترمب فرض رسوم جمركية كبيرة على الدول المستوردة للنفط الروسي، ومن غير المرجح أن تُؤثر الحرب في الشرق الأوسط في العلاقات بين روسيا والصين بحسب ما يرى أليكسي بيلوغورييف، مدير الأبحاث في معهد الطاقة والتمويل.
وتحتل تركيا المرتبة الثالثة في استيراد النفط الخام من جبال الأورال. وصرح سيرغي سوفيروف، استراتيجي الاستثمار في شركة "أريكابيتال مانجمنت"، بأن تركيا كانت تعتزم التوقف عن شراء النفط الروسي، لكنها تراجعت عن ذلك بعد إغلاق مضيق هرمز وارتفاع الأسعار، وثارت مصفاة ستار (التي تسيطر عليها شركة سوكار) المستهلك الرئيس للنفط. ويشمل ذلك أيضاً مصفاة توبراس للنفط. تترجى روسيا للاستمرار في تزويدها بالنفط.
أما المجر وسلوفاكيا فتواصلان التنافس على شراء النفط والغاز الروسيين. لكن أوكرانيا عرقلت عمليات التسليم عبر خط أنابيب دروجبا الذي يمر عبر أراضيها. وتستهلك الدول الأفريقية أيضاً النفط الروسي، بما في ذلك غانا ومصر والمغرب وتونس.
هل تعاود أوروبا شراء النفط الروسي؟
يعتقد المتخصص ألكسي سوفيروف أنه من الصعب حالياً تقييم ما إذا كان شركاء روسيا التجاريون السابقون في أوروبا مستعدين لمعاودة مشترياتهم من النفط والغاز الروسيين لتجاوز الأزمة الراهنة في سوق الطاقة، وروسيا غير مستعجلة لإعادة تزويد من أداروا الظهر لها بالغاز والنفط.
ويشير إلى أن الصين من المرجح أن تزيد وارداتها من الخام الروسي. في الوقت نفسه، تُرسل الهند إشارات متضاربة، ولكن من الناحية النظرية، يمكن لكل من الهند وتركيا أن تقررا مضاعفة شراء النفط الروسي، وعندها لن تكون روسيا مضطرة إلى إعادة تزويد الدول الأوروبية بموارد الطاقة بعدما تخلت طوعاً عن نفطها وغازها.
أزمة غير مسبوقة
يشهد نظام الطاقة الأوروبي أزمة غير مسبوقة. فقد انخفضت إمدادات الغاز الروسي، الضروري للتدفئة والعمليات الصناعية وتوليد الطاقة، بأكثر من 80 في المئة هذا العام. وارتفعت أسعار الكهرباء والغاز بالجملة 15 ضعفاً منذ بداية عام 2021، مما يُنذر بعواقب وخيمة على الأسر والشركات. وقد تتفاقم المشكلة، إذ قد تواجه أوروبا من دون الغاز والنفط الروسيين، أزمة تنذر بارتفاع الأسعار وركود اقتصادي حاد.
أطلقت الحكومات الأوروبية مجموعة واسعة من التدابير الاقتصادية. لكن هذه الإجراءات لا تُقدّم حلولاً جذرية لسببين. أولاً، أهدافها متناقضة: فالدعم أو تحديد الأسعار قد يُفاقم المشكلة الأساسية بزيادة الطلب. ثانياً، لها آثار جانبية عابرة للحدود: فدعم الطاقة قد يُفيد المستهلكين في بلدٍ ما، ولكنه سيؤدي أيضاً إلى زيادة الاستهلاك، مما يُفضي إلى ارتفاع أسعار الجملة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، ويُلحق الضرر بالمستهلكين في بلدان أخرى.
في المقابل، أكد رئيس وزراء هنغاريا، فيكتور أوربان، أنه لا يمكن لأوروبا أن تستغني عن النفط الروسي في ظل صدمة الطاقة الحالية، معتبراً أن سياسات الاتحاد الأوروبية الخاطئة أوصلته إلى حافة الهاوية.
وصرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس، وفقاً لتقرير نشرته مجلة بوليتيكو نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن التركيز على الملف الإيراني قد يحرف الانتباه عن الوضع الاقتصادي الأوروبي المتردي.
وفي إشارة ضمنية لاستعداد روسيا للتفاوض، أعلن كيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمارات المباشرة الروسي والممثل الخاص للرئيس الروسي، أن أوروبا تحتاج إلى روسيا لمواجهة تسونامي أزمة الطاقة الهائل.
وأوصى الاتحاد الأوروبي بـ"الاعتراف بأخطائه الاستراتيجية في مجال الطاقة والجيوسياسة.. وتغيير قيادة الاتحاد نهجها المعادي لروسيا".
وكان ديمترييف قد حذر سابقاً من أن موجة ارتفاع أسعار النفط والغاز ستجتاح الاتحاد الأوروبي قريباً. وبحسب قوله، فإن السبب يكمن في "العناد الاستراتيجي الأحمق لبعض المعادين لروسيا على غرار رئيسة المفوضة الأوروبية أورسولا فون دير لاين ومسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس".