ملخص
تكشف المؤشرات عن أن الحرب الجارية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل نقطة تحول في موقع إيران الإقليمي، إذ تجد طهران نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، مع تراجع عسكري واقتصادي وسياسي، وفقدان ثقة ربما تدفع إلى العزلة الدولية سواء بقي النظام الحالي في السلطة أو تغير، إذ إن ترميم العلاقات الدولية سيحتاج إلى أعوام عدة.
الحرب الإسرائيلية الأميركية الجارية على إيران منذ الـ28 من فبراير (شباط) الماضي ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأعاصيرها السياسية والأمنية على دول المنطقة، لا سيما مع هجوم طهران على دول الجوار واستهداف إسرائيل والمصالح الأميركية ودول الخليج، وكأنها تريد جرف الإقليم إلى نزاعات وصراعات متعددة الأطراف تصطف خلفها دول وحكومات وجماعات وميليشيات وشعوب.
المنظور المباشر من واقع الرؤية السياسية الدولية لا ينفصل عن مبدأ "تهديد السلم والأمن الدوليين" الذي ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة، لا سيما مع الاعتداء على دول الجوار وانتهاك سيادتها، ولا ينفك الرأي والتحليل عما يجري في الواقع بين طرفين متباعدين يتحاربان، هما إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى، وبينهما دول ترفض أن تكون "منصات لضرب جيرانها" وتأبى الانحدار إلى مستنقع صراع المصالح الاستراتيجية الذي تدور من أجله الحرب، وتكتفي هذه الدول بالتصدي للعدوان عليها وعلى مصالحها دون أي بادرة هجومية.
مع استمرار الحرب تتكشف خسائر راهنة وتهديدات مستقبلية إقليمياً ودولياً تواجه إيران بصرف النظر عما ستفضي إليه في الأخير من سلام أو استسلام، إذ تفاقم طهران خسائرها الدولية والإقليمية إلى أعلى مستويات تشهدها البلاد منذ أكثر من 47 عاماً، لعل أبرزها سبعة عوامل يمكن إيجازها في السطور التالية.
سقوط سردية "القضية"
أولاً: سقوط السردية الأيديولوجية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، وواحدة من أبرز الخسائر التي لحقت بإيران هي تآكل صدقيتها في تبني القضية الفلسطينية كركيزة لشرعيتها الإقليمية، فعلى رغم أن طهران قدمت نفسها منذ عام 1979 باعتبارها "حاملة لواء القدس"، فإن سلوكها خلال الحرب الأخيرة أظهر أن أدواتها العسكرية تُستخدم أساساً لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وليس ضمن رؤية ثابتة لدعم الفلسطينيين.
ووفق تقديرات مراكز أبحاث غربية، فإن إيران لم تستخدم أوراق الضغط الكبرى، مثل تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بصورة كاملة، خلال ذروة حرب غزة 2023–2025، على رغم أن ما يقارب 20 في المئة من تجارة النفط العالمية تمر عبر المضيق.
وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون الشرق الأوسط في معهد كارنيغي للسلام الدولي ناثان براون، إن "إيران تستخدم القضية الفلسطينية كأداة تعبئة، لكنها لا تتصرف كفاعل مستعد لتحمل كلفة المواجهة من أجلها"، وهو ما يؤكد أن الفجوة بين الخطاب والممارسة أضعفت جاذبية النموذج الإيراني لدى قطاعات عربية واسعة.
غلق مضيق هرمز ومعه استهداف إسرائيل لم تلجأ إيران لأي منهما على مدى أكثر من عامين وهي تشاهد الإبادة التي تقوم بها إسرائيل في غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 حتى لو كان مناصرة ودعماً لحركة "حماس" الموالية لها، والأدهى من ذلك أن نظام الملالي لم يوجّه طلقة واحدة تجاه أشخاص أو أهداف عسكرية أو سياسية إسرائيلية، حتى لو بهدف الضغط لوقف حرب غزة، ليفضح موقفه الأخير زيف ادعاءاته ومغالطة شعاراته وأنوية مصالحه، ويؤكد النظام الإيراني أنه لا يصطف إلا مع مصلحته ولا يدعم إلا مشروعه فقط.
الإنهاك والاستنزاف
ثانياً: استنزاف القدرات العسكرية والبنية الدفاعية، إذ تكشف الحرب أيضاً عن كلفة عسكرية مباشرة على إيران، حيث تعرضت منشآت عسكرية وبنى تحتية حساسة لضربات متكررة، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن إيران أنفقت خلال الأعوام الأخيرة ما بين 15 إلى 20 مليار دولار سنوياً على تطوير برامجها الصاروخية وشبكاتها الإقليمية، إلا أن جزءاً مهماً من هذه القدرات تعرض للتآكل خلال أسابيع الحرب الراهنة.
الاستنزاف امتد إلى الخارج، إذ إن الضربات التي استهدفت مراكز القيادة والسيطرة أدت إلى إرباك في التنسيق بين الحرس الثوري ووكلائه في المنطقة، ووفق تقرير لمعهد الدراسات الاستراتيجية الدولية فإن "أي مواجهة مباشرة طويلة ستؤدي إلى تآكل تدرجي في القدرات الإيرانية يصعب تعويضها سريعاً".
ولا شك أن الحرب الجارية ستؤدي إلى إضعاف القدرة الإيرانية على فرض نفوذها الإقليمي بالقوة، وحتى لو بقى النظام الذي توعد الرئيس الأميركي ترمب بـ"إسقاطه" في اليوم الأول للحرب، فإنها ستستنزف البنية العسكرية لطهران، وإرباك شبكات القيادة والسيطرة، وتقليص الموارد المتاحة للحرس الثوري ووكلائه.
شبكة الوكلاء
ثالثاً: تراجع النفوذ الإقليمي ووكلاء إيران، حيث إن إحدى الخسائر الأكثر وضوحاً هي تراجع فاعلية الأذرع الإيرانية في الإقليم، فالميليشيات المرتبطة بطهران، التي كانت تُقدَّم باعتبارها "خط دفاع متقدماً"، باتت تواجه ضغوطاً أمنية وسياسية متزايدة، إضافة إلى تراجع قدرتها على المناورة.
وتشير بيانات وردت في تقارير إعلامية عدة إلى أن إيران أنفقت منذ 2011 أكثر من 30 مليار دولار لدعم حلفائها في سوريا والعراق ولبنان واليمن، إلا أن هذه الشبكات باتت أكثر انكشافاً وأقل قدرة على فرض معادلات ردع.
واعتبر مراقبون أمنيون غربيون أن "شبكة الوكلاء الإيرانية لم تعد رصيداً صافياً، بل تحولت إلى عبء استراتيجي مكلف"، إلا أن استمرار الحرب يسهم في تعرية الأذرع الإيرانية من ادعاءاتها المغلفة بالشعارات الدينية والقومية، وهو ما ظهر في انخراط "كتائب حزب الله" في العراق في أعمال عسكرية، وكذلك ابتعاد الحوثيين في اليمن عن الاشتباك في انتظار أمر من طهران، إضافة إلى دخول "حزب الله" اللبناني فعلياً في "صراع مصيري مع إسرائيل".
وبعد سقوط وشاح الشعارات المزيف عن المصدر في طهران تتكشف عورات الوكلاء في المنطقة، ولن تجد الميليشيات في خطابها المتطرف سوى الرواية الإيرانية "الفرط صوتية"، إذ أصدر الحوثيون المدعومون من إيران بياناً في الـ22 من مارس (آذار) الجاري عبروا فيه عن "رفض أي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز"، وحذروا من أي تصعيد، مما يدفع إلى التعامل العكسي مع وكلاء إيران وفق مسار أمني فقط واستبعاد المسار السياسي نهائياً.
هشاشة الدولة
رابعاً: انكشاف هشاشة الداخل الإيراني، فلم تعد الحرب محصورة في الخارج، بل انعكست على الداخل الإيراني اقتصادياً وأمنياً، فالعقوبات المتزايدة، إلى جانب كلفة الحرب، دفعت الاقتصاد الإيراني إلى مزيد من التراجع، حيث سجلت العملة المحلية انخفاضات متتالية، مع تضخم تجاوز 40 في المئة وفق تقديرات صندوق النقد الدولي قبيل اندلاع الحرب، وتجاوزت أسعار الغذاء 105 في المئة بعد اندلاع الحرب، حسب تصريحات خبراء الاقتصاد لوسائل إعلام إيرانية.
وأظهر استهداف أميركا وإسرائيل بعض المنشآت داخل إيران أن عمقها الجغرافي لم يعد محصناً كما كان يُعتقد، واعتبر تحليل لمركز "تشاتام هاوس" أن "القدرة الإيرانية على الصمود الداخلي مرتبطة بالاستقرار الاقتصادي، وهو ما يتعرض لضغوط غير مسبوقة" مع استمرار الحرب.
الاستهداف السهل للقيادات الإيرانية على مستوى كبار الشخصيات والصف الأول والثاني سواء في حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) 2025 أو في فبراير الماضي يؤكد أن البنية البشرية داخل النظام "هشة"، وذكرت "رويترز" أنه بخلاف الرؤوس الكبرى بدءاً من المرشد السابق علي خامنئي ومستشار الأمن القومي علي لاريجاني فإن "تقارير تؤكد "مقتل مسؤولين من المستويات الأدنى" في الغارات المتكررة.
نزف اقتصادي
خامساً: خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، حيث تكبدت إيران خسائر كبيرة نتيجة تراجع صادراتها النفطية واضطراب سلاسل التوريد، حتى بعدما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحد الماضي إعفاء ناقلتي نفط إيرانيتين من العقوبات.
فعلى رغم محاولاتها الالتفاف على العقوبات، تشير تقديرات إلى أن صادرات النفط الإيرانية انخفضت في فترات التصعيد إلى أقل من مليون برميل يومياً، مقارنة بطاقتها الإنتاجية التي تتجاوز 3 ملايين برميل، وكلف الحرب والعقوبات الإضافية أدت إلى خسائر بمليارات الدولارات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استثمارات ضخمة لإعادة تأهيل بنيتها التحتية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي وقت نوهت في بعض وسائل الإعلام المحلية في الأسبوع الثاني للحرب بأن "الاقتصاد الإيراني لا يحتمل حرباً طويلة، لأن كل يوم تصعيد يعني استنزافاً إضافياً للعملة الصعبة"، قال مستشار قائد الحرس علي فدوي للتلفزيون الرسمي "يجب عليهم أن يضعوا في اعتبارهم احتمال انخراطهم في حرب استنزاف طويلة الأمد ستدمر الاقتصاد الأميركي برمته، فضلاً عن الاقتصاد العالمي"، ويبدو أن حديثه يتعلق بارتفاع أسعار النفط والتوقعات بوصوله إلى 200 دولار للبرميل.
خنق مضيق هرمز دفع بعض منتجي النفط والغاز إلى البحث عن طرق ومسارات بديلة حققت مكاسب مع ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 120 دولاراً، وحتى فكرة هشاشة المكاسب القصيرة الأجل التي تتحول بسرعة إلى خسائر مع اتساع دائرة استهداف منشآت الطاقة الخليجية، ليست عملية وتتبدد المخاوف مع الاهتمام العالمي بالوصول إلى وضع مستقر وحماية مواقع إنتاج النفط والغاز وكذلك تأمين ممرات ومسارات نقله.
تراجع الدور الدولي
سادساً: تراجع المكانة السياسية والدبلوماسية، فعلى المستوى الدولي، أدت الحرب إلى تقليص هامش المناورة السياسية لإيران، فبدلاً من أن تكون طرفاً يصعب تجاوزه، أصبحت تُقدَّم بصورة متزايدة كعامل تهديد للأمن الإقليمي والدولي، خاصة مع استهداف الملاحة والطاقة، ودفع ذلك إلى تعزيز التنسيق الدولي ضدها، سواء عبر تحالفات بحرية أو إجراءات أمنية مشتركة، مما يعمّق عزلتها.
ونقلت صحف أوروبية تصريحات عن مصادر دبلوماسية أن "سلوك إيران في الأزمة الأخيرة عزز القناعة بأنها جزء من المشكلة وليس من الحل"، ووزير الخارجية عباس عراقجي وهو الذي يمثل رأس الدبلوماسية الإيرانية بدا خطابه متشبعاً بتصريحات المرشدين الجديد والقديم والحرس الثوري سواء في الحديث عن "استمرار الحرب" أو "مطالب دفع تعويضات" وهو ما كرره في أكثر من تصريح.
ربما ما يعكس التراجع السياسي والدبلوماسي أيضاً ما ذكره ترمب مراراً بأنه لم "يجد من يتحدث معه في إيران"، إضافة إلى زعزعة الثقة بين طهران والعواصم العربية في المنطقة خاصة التي استهدفتها، وتصريحات عراقجي عن تواصل المبعوث ستيف ويتكوف معه لم تكن ترتقي إلى الشكل الدبلوماسي عندما تحدث عنه قائلاً "آخر تواصل معه كان عندما قررت جهة عمله إنهاء المفاوضات".
فقدت إيران الثقة الدولية في روايتها ووعودها التي خرج الرئيس مسعود بزشكيان بها معتذراً لدول الجوار ومؤكداً أن بلاده "لن تستهدفهم مرة أخرى"، وفي اليوم التالي وحتى ساعته لا تزال تعتدي على الدول العربية بالصواريخ الباليستية والجوالة والمسيرات الموجهة.
فقدان المقعد الإقليمي
سابعاً: تسريع إعادة تشكيل النظام الإقليمي على حساب طهران، وربما تكون الخسارة الأعمق هي تسريع التحولات في بنية النظام الإقليمي، فالحرب دفعت نحو تعزيز التعاون الأمني بين دول المنطقة وشركائها الدوليين، وإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي بعيداً من نموذج "المحاور" الذي اعتمدت عليه إيران، والتركيز الدولي على حماية الممرات البحرية وأمن الطاقة قلّص قدرة طهران على استخدام هذه الأوراق كورقة ضغط استراتيجية.
ووفق تقديرات، فإن أكثر من 60 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية أصبحت ضمن ترتيبات حماية دولية مشددة خلال الأزمة، مما يقلل من فاعلية التهديدات الإيرانية.
وكشفت الحرب الأخيرة لا سيما مع خنق مضيق هرمز والاعتداء على دول الجوار أن البلدان الخليجية ليست مستهلكة للأمن بل مصدرة لها، وأنها ركيزة أساسية في استدامة الأمن العالمي وأي مساس بأمن هذه الدول تظهر تبعاته على الاقتصاد العالمي وعلى توجهات الأمن والسياسة في القوى الدولية الكبرى.
ولعل الحقيقة التي لا تدركها إيران أنه كلما زادت من استهدافها لمنشآت وبنى الطاقة الإقليمية، وكلما رفعت من تهديداتها للممرات البحرية، بهدف البقاء في معادلة الأمن الإقليمي، ستُقابل تصعيداً أكبر لنزع مخالب التهديد وإخراج طهران من منظومة الأمن العالمي ووضعها في مربع "الدول الخطرة".
خسائر متراكمة
في النهاية، المؤشرات تكشف عن أن الحرب الجارية ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل نقطة تحول في موقع إيران الإقليمي، إذ تجد طهران نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، مع تراجع عسكري واقتصادي وسياسي، وفقدان ثقة ربما تدفع إلى العزلة الدولية سواء بقي النظام الحالي في السلطة أو تغير، إذ إن ترميم العلاقات الدولية سيحتاج إلى أعوام عدة.
وتراكم الخسائر البنيوية في المشروع الإيراني، تتقاطع فيه الضغوط العسكرية مع الانكشاف الاقتصادي والتراجع السياسي، حيث ذكر موقع (measuredworld) العالمي أن الاقتصاد قبل الحرب كان ينمو بالكاد بنسبة تقارب 1.1 في المئة فقط في 2026 في مقابل تضخم يراوح ما بين 14 و48 في المئة وبالطبع هذه الأرقام ستتفاقم مع الحرب وبعدها.
ومن أهم التحديات أن تدمير البنية التحتية سيكون له تأثيرات اجتماعية لا يمكن إغفالها، إذ تشير التقديرات إلى احتمال دفع نحو مليوني شخص إضافي إلى دائرة الفقر خلال الفترة المقبلة في بلد تراوحت فيه نسب الفقر بالفعل بين 22 و50 في المئة قبل الحرب مباشرة، والأولويات الداخلية بعد الحرب ستنهك البلاد وتدفع بها إلى خارج النظام الإقليمي في بيئة دولية صارمة مع طهران.
وفي الوقت ذاته، التحولات الجارية في أمن الطاقة والممرات البحرية، التي تمثل نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، لم تعد ورقة ضغط مضمونة لطهران، بل تحولت إلى عامل يستدعي استجابة دولية جماعية تحد من قدرتها على توظيف هذه الورقة استراتيجياً، بحسب ما ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية.