ملخص
يدفع ارتفاع أسعار الطاقة صناع القرار إلى الاستعداد لرفع الفائدة على رغم الأخطار على الاقتصاد.
أدت الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط إلى إعادة تشكيل حسابات البنوك المركزية العالمية، في وقت حذر فيه كبار المسؤولين النقديين في أوروبا من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وإضعاف النمو الاقتصادي.
وتبدو أوروبا أكثر عرضة لهذه التداعيات بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة، حيث تضاعفت تقريباً أسعار الغاز الطبيعي منذ اندلاع الأزمة.
وأكدت رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، أن الحرب زادت من حال عدم اليقين بصورة كبيرة، مشيرة إلى أنها تخلق أخطاراً صعودية للتضخم وأخطاراً هبوطية للنمو الاقتصادي. وفي هذا السياق، قرر البنك المركزي الأوروبي ونظراؤه في المملكة المتحدة وسويسرا والسويد تثبيت أسعار الفائدة، وذلك عقب قرار مماثل من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، إضافة إلى قرارات مشابهة من بنكي كندا واليابان خلال الأسبوع نفسه.
وشدد صناع السياسات النقدية على أنه لا يزال من المبكر تحديد التأثير الكامل لارتفاع كلفة الطاقة على الاقتصاد، إلا أنهم بدأوا في الاستعداد لاحتمال استمرار اضطرابات الإمدادات فترة أطول، وهو ما قد يشكل تهديداً أكبر للاستقرار الاقتصادي.
رفع أسعار الفائدة
وفي هذا الإطار، أشار بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) إلى استعداده لرفع أسعار الفائدة لمواجهة أي تسارع في التضخم إذا تبين أنه سيستمر فترة طويلة.
وأكد محافظ البنك، أندرو بيلي، أنه يراقب التطورات من كثب، ومستعد لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عودة التضخم إلى المستوى المستهدف البالغ اثنين في المئة.
وتظهر أحدث توقعات البنك أن التضخم قد يرتفع إلى 3.5 في المئة في وقت لاحق من العام الحالي، بدلاً من العودة إلى المستوى المستهدف كما كان متوقعاً سابقاً.
وأدى هذا الإعلان إلى تغيير كبير في توقعات الأسواق، إذ بات المستثمرون يتوقعون زيادة ثالثة في أسعار الفائدة، في حين كانوا قبل اندلاع الصراع يرجحون خفضين في الفائدة خلال العام.
وفي هذا السياق، اعتبرت بعض التحليلات أن الأسواق ربما بالغت في رد فعلها، مشيرة إلى أن احتمال تنفيذ عدة زيادات في أسعار الفائدة خلال العام لا يزال غير مرجح.
من جانبه قدم البنك المركزي الأوروبي تقييماً أكثر توازناً، إذ أقر بأن ارتفاع أسعار الطاقة سيكون له تأثير ملموس في التضخم، ورفع توقعاته لهذا العام إلى 2.6 في المئة مقارنة بـ1.9 في المئة سابقاً. وحذر من أن سيناريو أكثر حدة، يتضمن أضراراً كبيرة للبنية التحتية للطاقة وبطء عودة الإمدادات، قد يدفع التضخم إلى نحو خمسة في المئة في العام المقبل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم ذلك، شددت لاغارد على أن اقتصاد منطقة اليورو يدخل هذه الأزمة من وضع قوي نسبياً، مدعوماً بسوق عمل متماسكة ومستويات تضخم قريبة من الهدف، مؤكدة أن المؤسسات النقدية مستعدة للتعامل مع أي صدمات كبرى قد تنشأ.
وتشير توقعات الأسواق وفقاً لصحيفة "وول ستريت جورنال"، إلى احتمال رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين إلى ثلاث مرات خلال العام، بعدما كانت التوقعات قبل الأزمة تشير إلى تثبيت الفائدة حتى عام 2027.
ويبقى السؤال الأهم أمام البنوك المركزية الأوروبية هو مدة استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، ومدى انتقال تأثيرها إلى أسعار السلع والخدمات الأخرى.
في الظروف الطبيعية تميل السياسات النقدية إلى تجاهل صدمات العرض الموقتة، على أساس أن تأثيرها يكون محدوداً زمنياً، وأن رفع الفائدة قد يضر بالنمو أكثر مما يساعد في كبح التضخم.
احتواء التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي
الهجوم الروسي على أوكرانيا في 2022 أدى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء آنذاك إلى موجة تضخم واسعة، وارتفاع مطالب الأجور، مما أدى إلى استمرار التضخم فترة أطول من المتوقع.
وتخشى البنوك المركزية الآن من تكرار هذا السيناريو، بخاصة مع بقاء ذاكرة التضخم حاضرة لدى المستهلكين والشركات، مما قد يدفع العمال إلى المطالبة بزيادات في الأجور، وهو ما قد يؤدي بدوره إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، رفع البنك المركزي الأوروبي توقعاته للتضخم الأساس، الذي يستثني أسعار الطاقة والغذاء، خلال الأعوام الثلاثة المقبلة، في إشارة إلى توقع انتقال الضغوط التضخمية إلى مختلف قطاعات الاقتصاد.
وفي ضوء هذه التطورات، تجد البنوك المركزية نفسها أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي، في وقت يظل فيه مسار الصراع في الشرق الأوسط العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.