Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبد الإله بن عرفة يكتب رواية بوليسية بإيحاء عرفاني

"ليلة اختفاء صاحب المعالي" تجري أحداثها في مدريد وتدافع عن القضية الفلسطينية

لوحة للرسام محمد شبيني (صفحة الرسام -  فيسبوك)

ملخص

"ليلة اختفاء صاحب المعالي"، الرواية الصادرة عن دار الآداب، هي الـ 15 للكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة بعد روايات عرفانية، شكلت "جبل قاف" (2002) حلقتها الأولى، و"أولو بقية: كهيعص الحكمة"(2025) حلقتها الـ 14". وللباحث دراسات معمقة في الصوفية والتاريخ الإسلامي.

عبد الإله بن عرفة روائي وشاعر وأكاديمي وباحث في العرفان والفلسفة ومحقق للتراث الأندلسي، حاز تحقيقه العلمي لديوان ابن عربي جائزة "كتاب العام التراثي في الوطن العربي" لعام 2024، وترجمت رواياته إلى لغات عدة.

لعل الانطباع الأول الذي يشي به عنوان رواية "ليلة اختفاء صاحب المعالي" هو أن ثمة حبكة بوليسية تنتظم الأحداث، وبالفعل يأتي المتن ليؤكد صحة هذا الانطباع، ذلك أن بن عرفة يطرح في بداية الرواية اختفاء الشخصية المحورية فيها في ظروف غامضة، ويروح يتقصى طوال الرواية أسباب الاختفاء والجهة الواقفة وراءه في لحظة تاريخية حرجة، وبذلك يصطنع إطاراً بوليسياً للمحتوى الروائي.

يتخذ الكاتب من الوقائع السياسية الراهنة المتعلقة بالحرب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، والحروب التالية لها، خلفية تاريخية لصياغة رواية متخيلة، يعبر فيها عن الواقع الراهن ويعري المؤامرات التي تحول دون إرساء حل عادل للقضية الفلسطينية، متوقفاً عند الدور الإسرائيلي في ظل تواطؤ دولي مريب، وهو يفعل ذلك من خلال تمحور الأحداث حول شخصية سياسية متخيلة تختفي في ظروف غامضة وتعود للظهور بصورة مفاجئة، وتعاني أعراضاً مرضية على المستويين الجسدي والنفسي، بفعل مادة للهلوسة دسها أحدهم في شرابها عشية اجتماع دولي تزمع تلك الشخصية ترؤسه، تحضيراً لمؤتمر حول القضية الفلسطينية، مما يؤدي إلى فشل الاجتماع، واستطراداً المؤتمر.

اختفاء غامض

تجري أحداث الرواية في فندق "بالاس أوتيل" والأماكن المجاورة له من مدينة مدريد الإسبانية عام 2025، وتتخذ مساراً خطياً يبدأ باختفاء الشخصية المحورية وينتهي بقرارها التخلي عن منصبها والعودة من حيث أتت، وما بين البداية والنهاية ثمة سلسلة من الأحداث المتعاقبة تدخل فيها مجموعة من الشخوص المتمحورة حول الشخصية الرئيسة، من قبيل المحقق والمرافق والشبح والمساعد والحارس الشخصي وغيرها، وفي هذا السياق يشكل الاختفاء المفاجئ للأمين العام لمنظمة دولية إسحاق الحبشي محرك الأحداث في الرواية، فتستنفر الأجهزة الأمنية ويتسرب الخبر إلى وسائل الإعلام ويتحرك المسؤولون السياسيون، ويكلف المحقق المعروف بتصديه للقضايا العويصة ميغيل التحقيق في الموضوع، لتنطلق عمليات البحث عن المختفي.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن ما يميز الرواية عن الرواية البوليسية التقليدية هو أن القارئ يواكب الشخصية خلال اختفائها، بدءاً من خروجها من الفندق مروراً بالليلة التي أمضتها في المتنزه، وانتهاء بعودتها للفندق وما تلاها من تحركات، ويتابع السرد في ترجحه بين رصد حركة الشخصية الخارجية، على غير هدى، في المتنزه، وغوصها على ذكريات متفرقة من الماضي البعيد، وتحليقها في أحداث متخيلة في الحاضر المعيش، في وقت تجهل الشخوص المكملة، على اختلاف وظائفها الروائية، ما يتعلق بعملية الاختفاء، وتكتشفه بالتدريج من خلال مجرى التحقيق، بينما يستوي في الرواية البوليسية التقليدية القارئ والشخصية في جهل مآل الأمور حتى جلائها في نهاية الرواية.

الشخصية المحورية

يُقدم بن عرفه الأمين العام لمنظمة دولية بصورة شخصية غير متوازنة تعاني اضطرابات سلوكية، تتجاور داخلها شخوص عدة تصطرع في ما بينها، مما يؤدي إلى اضطراب الشخصية وتعطيل قدرتها على اتخاذ القرارات المناسبة على رأس المنظمة الدولية، وينعكس سلباً على القضايا المطروحة، وهذه الصورة الكاريكاتورية التي يرسمها تنطوي على تعريض بمن يتولون الوظائف الدولية الكبرى وتشكك في امتلاكهم المؤهلات اللازمة لحسن إدارة العالم.

ذلك أن إسحاق الحبشي المتحدر من أصول أفريقية، يشعر بالإرهاق العقلي خلال القيام بوظيفته، ويحمل معه صراعات زوجاته في ما بينهن، ويعيش انفصاماً بين "كوتام"، الاسم الذي عرف به في بلدته الأصلية، وإسحاق الذي يقوم بمهمات الأمين العام، فيحن إلى الأولى ويحلم بالعودة لها، ويضيق ذرعاً بالثانية ويفكر في التحلل منها.

ولعل هذه المواصفات تجعله فريسة سهلة للمؤامرة التي يتعرض لها، فهو ما إن يرى السمراء الجميلة في مقصف الفندق حتى يجد نفسه منجذباً إليها، متخلياً عن أدبيات الوظيفة الدولية التي يشغل، ولا يراعي مقتضيات الحيطة والحذر في شرابه، فيتناول كأس المانجو الذي دُست فيه مادة مهلوسة، ويصرف مرافقه "دومة" ليبقى وحده في الجناح الفندقي، ويخرج من الفندق بعد تناوله الكأس متنكراً من دون أن يعلم أحداً بذلك، حتى إذا ما فعلت المادة المدسوسة في الشراب فعلها، يتعرق جسده ويشعر بالجوع والعطش ويفقد ذاكرته وينسى من هو؟ ومن أين أتى؟ وأين يقيم؟ ليبدو مثل متسول شارد يشفق عليه الآخرون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتذكر ذكريات قديمة وينسى كل ما يتعلق باللحظة الراهنة، فتصطرع في داخله أدوار شتى ويعيش صراعاً بين الشخصية والدور، ويُهيأ له أنه يمثل على خشبة مسرح في المتنزه الذي ضاع فيه وأن ثمة مشاهدين يتابعون أداءه، ويرى شخصية غامضة تطارده وتطرح عليه بعض الأسئلة وتطلع له بين حين وآخر، وتتدخل في خياراته وسلوكياته وتبلغ حد التوغل فيه وتشكيلها إحدى الشخصيات المتصارعة داخله، حتى إذا ما عرفنا أن هذه الشخصية اسمها ديفيد، وهي التي رآها في مقصف الفندق رفقة السمراء وفي غير مكان، وأنها على صلة بمن دس المادة المهلوسة في شرابه.  نستنتج أن الصهيونية تقف وراء عملية الاختفاء لتفويت فرصة إصدار بيان حول القضية الفلسطينية وإفراغ الاجتماع من مضمونه ونسف المؤتمر المزمع عقده في مرحلة لاحقة.

هي مجرد استنتاجات تشي بها أحداث الرواية، على أن المفارق في الموضوع أنه حين يُعثر على إسحاق ويُحقق معه من قبل المحقق المتخصص، يجد نفسه معنياً بالمشاركة في حل لغز اختفائه، فيتبادل الأفكار مع المحقق ويطرح عليه الأسئلة، وتقوم صداقة بين الاثنين يجري فيها تبادل الزيارات، غير أن التحقيق لا يصل إلى نتائج قاطعة، ويبقى ما توصل إليه في حدود الظن والتخمين، وفي نهاية الصراع بين توكوما وإسحاق داخل الشخصية المحورية التي تخلط بين الواقع والغيب وبين اليقظة والحلم، وترى كلاً من ديفيد والسمراء الجميلة في الحلم، ينتصر توكوما على إسحاق فيقرر الاستقالة من منصب الأمين العام والعودة للغابة التي فيها نشأ والزواج من السمراء.

على العكس من هذه الشخصية المضطربة، يقدم لنا بن عرفة صورة نموذجية للمحقق الإسباني المحترف من خلال شخصية ميغيل الذي يمارس عمله بمهنية عالية، فهو يدرس جغرافية المكان ويستجوب الشهود ويجري المقابلات ويراقب تسجيلات الكاميرات، ويقارن المعطيات ويطرح الأسئلة ويفترض الفرضيات ويرفع أعوانه البصمات.

ويسجل في دفتره الملاحظات ويتفقد مسرح الجريمة، ومع هذا لا يتوصل إلى نتائج قاطعة في تحقيقه، وتأتي شخصية المرافق "دومة" في مرتبة أدنى من النموذجية. فهو يهتم بكل ما يتعلق بالأمين العام من راحة ومأكل ومشرب، ويحفظ أسراره ولا يبوح بها، ويتحفظ في الإجابة عن أسئلة المحقق لكنه لا يتوخى الحذر حين ينفذ طلبه بالمغادرة، ويبتعد من المكان فيخرج من الفندق في غفلة منه، مما ينتقص من نموذجية الشخصية.

أما ما يفاجئ القارئ أو يصدمه، فهو تصدير الكاتب روايته بقصيدة عمودية يصطنع فيها حواراً مع الذكاء الاصطناعي ونوعية الشعر الذي يكتب من جهة، وفي تذييلها ببيان أدبي من 15 صفحة يتناول فيه الكتب التي يُعهد إلى الذكاء الاصطناعي بتأليفها وخطورتها على الذائقة الأدبية العامة من جهة ثانية. ألم يكن الأولى عدم تثقيل الرواية بهاتين الإضافتين الثقيلتين، خصوصاً أن لا علاقة للقصيدة والمقالة بجو الرواية بتاتاً؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة