ملخص
تتنوع اليوم أنظمة الدفاع الصاروخي بين منظومات قصيرة المدى لحماية القوات والمنشآت من الطائرات والمسيرات والقذائف، ومنظومات متوسطة المدى للدفاع عن مساحات أوسع، ومنظومات بعيدة المدى لمواجهة الطائرات الحديثة وصواريخ كروز، ثم طبقات مخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية داخل الغلاف الجوي أو خارجه.
محاولة إصابة جسم متحرك في الهواء كالطيور، أقدم بكثير من فكرة الطيران الحربي نفسه، فالصياد يفكر كمنظومة الدفاع الصاروخي، فهو حين يرفع قوسه نحو طائر، لا يطلق سهمه إلى حيث يوجد الآن، بل إلى حيث يتوقع أن يصبح بعد لحظة، وهي المسألة نفسها التي ستصبح لاحقاً قلب الدفاع الجوي، أي كيف تصيب هدفاً عابراً في السماء عبر توقع مساره، هذا المبدأ، أي إصابة الهواء عبر الحساب المسبق، يربط بين الصيد القديم وأكثر أنظمة الاعتراض الحديثة تعقيداً.
لكن السماء لم تصبح ساحة قتال بالآلات العسكرية المسلحة إلا مع بدايات القرن الـ20، فمع تحول الطائرة من اختراع تجريبي إلى أداة استطلاع ثم إلى آلة قصف، بدأت الجيوش تفكر في وسائل لإسقاطها سواء كان ذلك من الجو أو من الأرض، فالطائرات الأخرى تقوم بإسقاط الطائرات العدوة، ولكن لا يمكنها إسقاط الصواريخ، فبدأ العمل في المجمعات العسكرية الكبرى على إيجاد سلاح مضاد للطائرات.
وتشير الموسوعات العسكرية إلى أن تطوير هذه الأسلحة بدأ منذ عام 1910، ثم تسارع في الحرب العالمية الأولى حين جرى تكييف مدافع ميدانية لتطلق المقذوف بطريقة شبه عمودية نحو الطائرات والمناطيد، ولكن لم يكن الأمر يعتبر نظام "دفاع جوي" بالمعنى الحديث، بل محاولات أولى لتسليح الأرض ضد ما يحلق في السماء.
الحاجة أُم الاختراع
ظهرت في الحرب العالمية الأولى الفكرة العملية لهذا السلاح، واستخدمت جيوش عدة مدافع ميدانية أعيد تركيبها على قواعد تسمح بالارتفاع، ثم تطورت صمامات التوقيت لكي تنفجر القذيفة قرب الطائرة لا عند ملامستها فقط، كانت الفكرة هي ملء السماء بالشظايا على أمل أن تمر الطائرة في المكان الخطأ في اللحظة الخطأ، لكن هذا الأسلوب كان ذا تأثير محدود على سلاح الطيران في الجيوش المتحاربة حينها.
خلال الفترة السابقة على الحرب العالمية الثانية، صار السلاح المضاد للطائرات أكثر تخصصاً، ظهرت المدافع الخفيفة لمواجهة الطيران، ومن أشهر الأمثلة المدفع الألماني 88 ملم، الذي اشتهر بقدرته على الاشتباك مع الطائرات على ارتفاعات عالية، كما غطت لندن وبرلين ومدن صناعية أوروبية أخرى بشبكات كثيفة من المدافع والرادارات والإنذار المبكر، لكن المشكلة الأساسية بقيت قائمة لأن الطائرة أسرع وترتفع إلى الأعلى بينما القذيفة ذات مسار معين، هنا بدأ البحث عن سلاح يطارد الهدف نفسه أثناء الطيران.
ولادة الصواريخ المضادة
ولد الصاروخ الاعتراضي من رحم الحرب الباردة، لكن ألمانيا النازية كانت قد أطلقت برامج عدة لصواريخ موجهة، وكان أشهرها مشروع Wasserfall الذي اعتمد التوجيه اللاسلكي من الأرض، لم يدخل هذا الصاروخ الخدمة العملياتية قبل انهيار ألمانيا، لكنه مثل التصور الحقيقي والواضح لسلاح أرضي يغير مساره بعد الإطلاق كي يلاحق هدفاً جوياً.
بعد الحرب، بدأت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي بتطوير الصواريخ المضادة للطائرات التي دخلت الإلكترونيات والرادار والحوسبة البدائية في صناعتها.
تعد موسوعة بريتانيكا أن الصواريخ الموجهة، كانت ثمرة مباشرة لتقدم ما بعد الحرب العالمية الثانية في الإلكترونيات وأجهزة الاستشعار والحواسيب والقيادة والتحكم والدفع الصاروخي.
في الولايات المتحدة بدأ برنامج "نايك" في 1945 بهدف واضح أي بناء منظومة دفاع جوي قادرة على إسقاط القاذفات السوفياتية تخوفاً من خطر الضربة النووية على المدن والمنشآت الحيوية، وفي 1954 دخل "Nike Ajax" الخدمة بوصفه أول نظام صاروخي أرض-جو موجه يدخل الخدمة العملياتية في العالم، وقد نشر حول مناطق حضرية وصناعية وعسكرية رئيسة في الولايات المتحدة.
كان هذا البرنامج الأميركي يعمل ضمن منظومة تضم رادارات ترصد الهدف، وأخرى تتابع الصاروخ، ومراكز قيادة تحسب نقطة التقاطع، ثم أوامر تصحيح ترسل أثناء الطيران، وفي ذروة الحرب الباردة انتشرت هذه البطاريات حول مدن أميركية كبيرة مثل نيويورك وشيكاغو ولوس أنجليس.
وفي المعسكر السوفياتي ظهرت عائلة مقابلة من المنظومات، وقد أظهر برنامجه قوته في 1960 حين أسقط طائرة التجسس الأميركية U-2 فوق الاتحاد السوفياتي، وكانت هذه العملية بمثابة إعلان صريح أن الارتفاعات الكبيرة لم تعد ملاذاً آمناً.
الصواريخ المضادة تدخل الحرب
لم تبق هذه المنظومات حبساً للحرب الباردة النظرية، فمنذ ستينيات القرن الـ20 دخلت الصواريخ المضادة للطائرات قلب المعارك الفعلية، وغيرت شكل الحرب الجوية نفسها، ففي فيتنام استخدم الفيتناميون الشماليون الصواريخ السوفياتية على نطاق واسع ضد الطائرات الأميركية.
استخدم الفيتناميون هذا السلاح بكثافة من دفاعات أرضية تقليدية، وصواريخ على الارتفاعات الأعلى، ومدفعية مضادة للطائرات على الارتفاعات الأدنى، ورادارات وإنذار مبكر يربطان الاثنين، النتيجة أن الطائرات الأميركية اضطرت إلى الهبوط إلى مستويات أخفض لتفادي الصواريخ، مما جعلها أكثر عرضة للنيران الأرضية الأخرى.
ثم جاءت حرب الخليج 1991 لتفتح فصلاً آخر أي محاولة إسقاط صاروخ بصاروخ، عندما أطلق العراق صواريخ "سكود" على إسرائيل والسعودية، استخدمت الولايات المتحدة منظومات "Patriot" لاعتراضها، ومنذ ذلك الحين بدأ الدفاع الجوي يتحول ليجمع بين مواجهة الطائرات وصواريخ كروز والصواريخ الباليستية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في العقدين الأخيرين، دخلنا في مرحلة ثالثة أكثر تعقيداً، في أوكرانيا مثلاً، صار الدفاع الجوي مواجهة يومية مع صواريخ كروز ومسيرات انتحارية وطائرات وصواريخ باليستية في آن واحد، مما أعاد إبراز قيمة المنظومات الغربية. والمحاولات الجديدة هي محاولة ابتكار صواريخ غير مكلفة توازن كلفة الطائرة المسيرة التي تحاول إسقاطها، خصوصاً وأن الطائرة المسيرة المحملة بالمتفجرات باتت من الأسلحة الأكثر استخداماً والأقل كلفة في الحروب الأخيرة.
وهذه الفجوة في الكلفة المالية ولدت ما يمكن تسميته اقتصاد الاستنزاف الجوي، أي حين يرسل المهاجم أعداداً كبيرة من الوسائل الأرخص، مما يضطر المدافع إلى استهلاك مخزونه من الصواريخ الأغلى ثمناً إذا أراد حماية المجال أو البنية التحتية أو المدن، هنا تصبح السماء ساحة حساب مالي أيضاً، لا ساحة تكنولوجيا فقط.
كيف يعمل النظام الدفاعي؟
يطلق الصاروخ الاعتراضي نحو نقطة متوقعة للاشتباك، لا نحو الهدف مباشرة، ثم تبدأ مرحلة التوجيه، وهي قلب العملية، بعض الصواريخ تتلقى أوامر تصحيح من الرادار الأرضي، وبعضها يجمع بين أكثر من نمط، وفي الأنظمة الحديثة جداً، لا سيما المضادة للصواريخ الباليستية، يمكن أن يكون الاعتراض خارج الغلاف الجوي أو في طبقاته العليا، كما الحال في نظام "ثاد" الأميركي.
هناك اليوم منظومات قصيرة المدى لحماية القوات والمنشآت من الطائرات والمسيرات والقذائف، ومنظومات متوسطة المدى للدفاع عن مساحات أوسع، ومنظومات بعيدة المدى لمواجهة الطائرات الحديثة وصواريخ "كروز"، ثم طبقات مخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية داخل الغلاف الجوي أو خارجه، لذلك تتجه الدول الكبرى لا إلى منظومة واحدة، بل إلى دفاع جوي طبقي، أي شبكة تتوزع فيها الأدوار بحسب المدى والارتفاع ونوع التهديد.
النظام الدفاعي الأشهر من بين الأنظمة العالمية هو القبة الحديدية في إسرائيل، بسبب ورود اسمه بشكل مكثف في وسائل الإعلام خصوصاً خلال الحرب الجارية على إيران، ولكن القبة الحديدية ليست النظام الدفاعي الإسرائيلي كله، كما يتصور كثيرون، بل هي نظام دفاعي قصير المدى مخصص لاعتراض الصواريخ والقذائف قصيرة المدى وبعض التهديدات المنخفضة، وفوقه تأتي منظومات أخرى للتهديدات المتوسطة وأخرى للاعتراض خارج الغلاف الجوي، وتستخدم إسرائيل بنية متعددة الطبقات.