ملخص
في ظل رغبة كييف في توسيع طاقتها الإنتاجية وسعي دول الخليج إلى تعزيز دفاعاتها في مواجهة الهجمات الإيرانية، بدأت محادثات بين الطرفين حول آفاق التعاون للاستفادة من الخبرة الأوكرانية في تعزيز الدفاعات ضد التهديدات الحالية، وبناء شراكات أوسع للاستثمار وتبادل التكنولوجيا في المستقبل.
بينما كانت إيران تمد روسيا بمسيّراتها الهجومية وجدت أوكرانيا نفسها أمام معضلة دفاعية، فاعتراض هذه المسيّرات الرخيصة بالمضادات الأرضية المتقدمة يكلف ملايين الدولارات، وهو تفاوت تعرّفه أدبيات الحرب بـ "اختلال ميزان الكلفة"، أي عندما يستطيع الخصم استنزاف الدفاعات الجوية بأدوات زهيدة الثمن.
وتواجه دول الخليج اليوم تحدياً مشابهاً في ظل الحرب الأميركية مع إيران، فمع تزايد التهديدات المرتبطة بالمسيّرات الإيرانية يصبح الاعتماد الكامل على منظومات "باتريوت" و"ثاد" الصاروخية خياراً مكلفاً على المدى الطويل، خصوصاً عند مواجهة أسراب من الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة.
سلكت أوكرانيا ودول الخليج مسارات مختلفة لمعالجة هذه المعضلة، فخليجياً لجأت بعض الدول إلى توظيف المتوافر من مواردها العسكرية لتحييد المسيّرات، وكانت السعودية أول دولة تستخدم مروحيات "الأباتشي" المزودة بمدافع من عيار 30 مليمتراً لاعتراض الطائرات المسيّرة، وفق الباحث في الشؤون العسكرية فيصل الحمد.
في المقابل استثمرت كييف في تطوير طائرات من دون طيار مصممة خصيصاً لاعتراض المسيّرات الهجومية، وقد أسهم هذا النهج في إنشاء طبقة دفاعية جديدة منخفضة الكلفة، وفي ظل رغبة كييف في توسيع طاقتها الإنتاجية وسعي دول الخليج إلى تعزيز دفاعاتها في مواجهة الهجمات الإيرانية، بدأت محادثات بين الطرفين حول آفاق التعاون بأهداف قصيرة المدى، للاستفادة من الخبرة الأوكرانية في تعزيز الدفاعات ضد التهديدات الحالية، وبعيدة المدى لبناء شراكات أوسع للاستثمار وتبادل التكنولوجيا في المستقبل.
تعاون خليجي – أوكراني
هذا الأسبوع أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن ثلاث فرق فنية أوكرانية تضم مهندسين وعسكريين برئاسة وزير الدفاع رستم عميروف توجهت إلى دول خليجية لدعمها في مواجهة المسيّرات الإيرانية، وبدأ عملها وفق الرئاسة الأوكرانية الأربعاء الماضي في السعودية والإمارات وقطر.
ويُتوقع أن يتطور هذا التعاون إلى صفقات تسليح أو مشاريع مشتركة في مجال الدفاع الجوي منخفض الكلفة، إذ تحرص دول الخليج على شراء المسيّرات الاعتراضية ونقل المعرفة والتدريب لتقليل الاعتماد على مخزون الصواريخ الاعتراضية مرتفعة الكلفة.
وأفاد موقع "كييف اندبندنت" بأن شركة سعودية أبرمت اتفاقاً لشراء صواريخ اعتراض أوكرانية الصنع، وأن المفاوضات جارية بين الرياض وكييف على صفقة ضخمة منفصلة للأسلحة قد تُستكمل هذا الأسبوع.
وبينما تسوّق أوكرانيا لأنظمتها الدفاعية منخفضة الكلفة بوصفها بديلاً أو مكملاً يحد من استنزاف مخزون صواريخ "باتريوت"، فإن المحلل في مجال صناعة السلاح في أوكرانيا، بوهدان بوبوف، يقول إن "كثيراً من دول الخليج مهتمة حالياً بالاستيراد من أوكرانيا أو شراء التكنولوجيا".
أوكرانيا مختبر المسيّرات
برزت أوكرانيا منذ عام 2023 كأحد أبرز المراكز العالمية لتطوير المسيّرات الاعتراضية الرخيصة والمصممة لاعتراض المسيّرات المعادية وتدميرها في الجو يدوياً، وقد جاء هذا التطور نتيجة الحاجة الملحة إلى التعامل مع الهجمات الروسية اليومية بطائرات "شاهد" الإيرانية.
وتعتمد هذه الأنظمة على إرسال طائرة مسيّرة صغيرة وسريعة لاعتراض الطائرة المهاجمة قبل وصولها إلى هدفها، ويمكن أن يجري الاعتراض عبر الاصطدام المباشر أو تفجير شحنة صغيرة قرب الهدف، أو باستخدام وسائل تعطيل تؤدي إلى إسقاط المسيّرة المعادية أو فقدانها السيطرة.
وخلال الحرب مع روسيا ظهرت عشرات الشركات الناشئة الأوكرانية المتخصصة في هذا المجال والتي تستطيع تصنيع عشرات آلاف المسيرات شهرياً، ومن أبرزها شركة "وايلد هورنيتس" المطورة لمسيرات "ستينغ" وشركة "تي إي أف" المطورة لمسيرات "الأخطبوط".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبعد تساؤلات حول فعالية المسيّرات بعد الهجمات الروسية الكثيفة على كييف العام الماضي، قال القائد العام للقوات الأوكرانية أولكسندر سيرسكي في الثالث من مارس (آذار) الجاري إن طائرات الاعتراض نفذت 6300 طلعة وأسقطت 1500 طائرة مسيّرة روسية من أنواع مختلفة" خلال فبراير (شباط) الماضي.
المعروض يفوق الطلب
وأبدى مصنعو المسيّرات في أوكرانيا استعدادهم للتصدير إلى الخارج نظراً إلى أن العرض يفوق الطلب في أوكرانيا، إذ قالت شركة "سكاي فوول" الكبرى لتصنيع الطائرات المسيّرة إن طاقتها الإنتاجية فاقت قدرة أوكرانيا على شراء أنظمتها وإن الشركة مستعدة للتصدير، وفق "رويترز".
وذكر ممثل عن الشركة لـ "رويترز" أن مسيرتها "بي-1 سن" أسقطت 1500 من مسيّرات "شاهد" الإيرانية، إضافة إلى نحو 1000 طائرة مسيرة أخرى منذ دخولها الخدمة قبل أربعة أشهر، مضيفاً أن الشركة مستعدة لتصدير أنظمتها إلى دول الشرق الأوسط، إذا حصلت على موافقة الحكومة الأوكرانية، شرط ألا يؤثر ذلك في قدرة كييف على الدفاع عن نفسها.
أما شركة "وايلد هورنيتس"، الأكبر من حيث حجم الإنتاج، فيشير ممثلوها إلى أن إنتاجها الحالي يتجاوز 10 آلاف مسيّرة شهرياً، ومع ذلك تفرض أوكرانيا رقابة صارمة على تصدير الأسلحة خلال زمن الحرب، وتبدي قلقاً من بيع تقنيات المسيّرات الاعتراضية إلى أطراف أخرى.
وعلى رغم أن المسؤولين الأوكرانيين يروجون لهذه التقنيات بوصفها أساساً لصفقات ضخمة محتملة، فإنهم مترددون في الكشف عن تفاصيلها، وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أمرت كييف الوحدات العسكرية بعدم نشر صور أو مقاطع فيديو لطائرات الاعتراض.
ومع تزايد الطلب العالمي على حلول الدفاع ضد الطائرات المسيّرة تبدو الخبرة التي طورتها أوكرانيا مرشحة للتحول إلى أحد أبرز مجالات التعاون الدفاعي مع شركائها، ولا سيما في الشرق الأوسط، حيث تتزايد الحاجة إلى أنظمة دفاع جوي منخفضة الكلفة وقابلة للإنتاج السريع.