ملخص
أكد باحثون وخبراء عسكريون أميركيون أن الولايات المتحدة الأميركية تستخدم اليوم وضمن حربها الأخيرة في الشرق الأوسط، تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة الإيرانية المُعاد توظيفها لمهاجمة إيران نفسها.
في ساحة المعركة، التكنولوجيا للجميع. إذ يحق للمنتصر والخاسر تبادل الأفكار أحياناً، أو حتى "سرقة" سلاح الخصم لتحقيق الانتصار. وبالنسبة إلى الجيوش الكُبرى القادرة على حسم أعتى المعارك بلمح البصر، فإنه من الوارد جداً في هذا المجال الحربي الشرس أن تُساق إلى حروب استنزاف، مما يَضطرها إلى أن تستخدم أسلحة الخصم الفقيرة، ولكن مع تعديلات طفيفة.
وفي هذا السياق، أكد باحثون وخبراء عسكريون أميركيون أن الولايات المتحدة الأميركية تستخدم اليوم وضمن حربها الأخيرة في الشرق الأوسط، تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة الإيرانية المُعاد توظيفها لمهاجمة إيران نفسها.
يقول أرون داوسون وهو من معهد فريمان للفضاء والطيران في كلية كينغز لندن، وباحث في شبكة الردع النووي "إن ذلك حدث بالفعل ولكنه لم يكن ملاحظاً لكثيرين، لأنه جاء وسط أكبر حشد للقوة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط منذ عقود". إذ غابت وفق أرون أهمية هذا الجانب من جوانب الحرب الأميركية على إيران عن الأنظار إلى حد كبير.
توظيف؟
في حربها الأخيرة على إيران وظّفت أميركا التكنولوجيا العسكرية الإيرانية لمهاجمة طهران في عُقر دارها. ويشرح الخبير العسكري أرون السبب مُبيناً أن الولايات المتحدة في الضربات الأولى للهجوم، كشفت بهدوء عن نظامها الهجومي القتالي منخفض التكلفة من دون طيار "لوكاس"، وهي طائرة هجومية أحادية الاتجاه مُصممّة على غرار التكنولوجيا "الرخيصة" التي تطوّرها إيران نفسها منذ ثمانينيات القرن الماضي.
فيلم بوليسي
بدأت هذه الحكاية كما شرحتها مواقع علمية أميركية كبرى بالصدفة البحتة، ثم تطوّرت حبكتها الدرامية مثل فيلم سينمائي أميركي بوليسي، ولكنه رومانسي أيضاً. إذ تحوّلت الطائرات المُسيّرة بكل أنواعها بعد 2019 من سلاح للفقراء سهرت عليه "عقول جائعة" في دول ذات طموحات حربية كبيرة لكنها واقعة تحت نير العقوبات العالمية، إلى سلاح فتّاك ناجح للغاية. لدرجة أن القوى العسكرية العالمية النووية أخذت تتسابق في امتلاكه وتجريبه خلال معاركها الملحمية في شرق العالم وفي غربه أيضاً.
ومن المعروف أنه وبسبب العقوبات على إيران، باتت طائرات شاهد المُسيّرة إلى جانب الصواريخ الباليستية السلاح الجوي الرئيسي المصنّع هناك محلياً.
سلاح استنزاف
يقول أرون عن مُسيّرة شاهد "هي نظام رخيص نسبياً مُصمم أصلاً ليس للتفوق على الدفاعات الغربية بقدر ما هو مصمم لاستنزافها". بمعنى أن تصميم شاهد العبقري ارتقى بهذه الطائرة الحربية الصغيرة من كونها سلاحاً استراتيجياً له مَهمة واحدة مُحدّدة وهي استنزاف الخصم إلى كونها سلاحاً فتاكاً. وذلك بسبب القدرات الحربية العالية مع الكلفة الزهيدة جداً. وقد دخل النموذج الأصلي "شاهد-131" الخدمة العملياتية الحربية لدى إيران للمرة الأولى في سبتمبر (أيلول) 2019، خلال هجوم على مصفاة نفط سعودية.
تحوّل
وفي هذه الحالة فإن ما بدأ كحل عسكري تحوّل سريعاً إلى سلاح عالمي. إذ استخدمته أولاً فصائل إيران الإقليمية، كالحوثيين في اليمن، ثم روسيا في حربها على أوكرانيا. وبسبب الأضرار الفادحة التي أوقعها هذا السلاح فإن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وصف إيران بأنها "شريكة بوتين"، ليس فقط لأنها تزود روسيا بطائرات شاهد المسيّرة، بل أيضاً بتكنولوجيا تصنيع طائرات مماثلة.
أما المفاجأة فتمثلت في ما حدث لاحقاً. فبعد أن ذُهلت الولايات المتحدة بنجاح هجمات الطائرات المسيّرة واسعة النطاق ومنخفضة التكلفة في ساحة المعركة، بذَلت جهوداً سريّة للاستيلاء على طائرات "شاهد-136" لتحليلها تقنياً. وقامت بهندسة هذه الطائرات "عَكسياً" لإنشاء نُسَخ طِبق الأصل منها، لاستخدامها في تدريبات مكافحة الطائرات المسيّرة، والتي "تم دمجها بدورها في أسطول طائرات لوكاس المسيّرة الحالي".
الانتشار سريعاً
بَعدها حَدث الانتشار سريعاً. وفي غضون خمسة أشهر من إطلاق البرنامج الأميركي لتحويل التكنولوجيا الإيرانية إلى سلاح عالمي، جهّز البنتاغون القوات الأميركية في الشرق الأوسط بطائرات لوكاس المسيّرة. واختبرت القوات العسكرية الأميركية قدراتها على الإطلاق من البحر باستخدام سفينة حربية في الخليج العربي.
وهنا يضيف أرون الذي عمل إلى جانب مسيرته الأكاديمية، باحثاً برلمانياً لدى اللورد ستيراب، وهو رئيس أركان الدفاع الأميركي السابق خلال الفترة من 2006-2010 ،"لاحقاً، أكدت القيادة المركزية الأميركية استخدام طائرات لوكاس المسيّرة في القتال للمرة الأولى".
تفيد تقارير صحافية عالمية وفيديوهات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأن هذه الطائرات مُحسنّة الصنع أميركياً أُطلقت بعد ذلك من مواقع أرضية بواسطة قوة "سكوربيون سترايك". وهي قوة مَهام أميركية شُكّلت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بهدف "قلب موازين القوى مع إيران"، باستخدام تكنولوجيا الطائرات المسيّرة.
أما موعد الظهور العملياتي الرسمي لهذا النوع من المسيرات والذي كان للمرة الأولى في إيران قبل نحو عقد من الزمن فإنه بات يُشير اليوم إلى حدث عسكري تاريخي. فهو يُعبّر عن تحوّل في اقتصاد الحروب الحديثة، وربما حتى عن تحول كبير طرأ على فلسفة القوّة الجوية الأميركية بعد ذلك. إذ يُعتقد أيضاً أن طائرات لوكاس المُسيّرة استُخدمت في العاصمة الفنزويلية كاراكاس في 3 يناير (كانون الثاني) 2026، ضمن مَهمة أميركية للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.
حسابات حربية
لعقود، سَعت القوة الجويّة الغربية عامة والأميركية خاصة جاهدةً لبناء طائرات أسرع وأعلى وأبعد مدى بكثير من المسيرات الإيرانية التي صارت تُعد حربياً من أهم أسلحة المعسكر الحربي الشرقي في العالم.
ولكن الذي كان يعيق تلك الجهود هو الحسابات الحربية المالية المتناقضة. إذ أجرى "نورم أوغسطين" المسؤول في البنتاغون عام 1979، دراسةً حول التكاليف المتزايدة للطائرات المقاتلة الأميركية. وخلص الجنرال الذي تعامل مع نتائج الدراسة بأسلوب ساخر إلى ما يلي "في عام2054، سنخصص موازنة الدفاع الأميركية بأكملها لشراء طائرة تكتيكية واحدة فقط. وسيَتعين على القوات الجوية والبحرية تقاسم هذه الطائرة لمدة ثلاثة أيام ونصف لكل منهما أسبوعياً! باستثناء السنوات الكبيسة، إذ ستُتاح لقوات المارينز ليوم إضافي".
وعلى رغم السخرية الواضحة والتهكم الظاهر في كلام الجنرال الأميركي، إلا أنه ثمّة حقيقة مريرة ومُهمة وراء دعابة أوغسطين هذه. فهذه الآلات الحربية الأميركية المتطوّرة للغاية التي تملكها القوى الحربية الكبرى في العالم هائلة التكلفة مقارنة مع سلاح المسيرات الإيراني. ولذلك فهي أيضاً نادرة بالفعل، وهي بطيئة الاستبدال للأسباب ذاتها، كذلك هي حسّاسة سياسياً للغاية، إذ لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
مُعضلة عسكرية
لكن كيف يمكن حل هذه المعضلة في المعادلة العسكرية الغربية؟ والجواب يكمن في اعتماد المعادلة الحربية الإيرانية المقبلة هذه المرة من شرق العالم وليس من غربه. فهي تقوم على فكرة "الكمية الكبيرة من الأسلحة ذات الأسعار المعقولة". إذ أكدت التجربة العسكرية في إسرائيل وأوكرانيا خلال السنوات القليلة الماضية فائدة امتلاك أنظمة حربية رخيصة الثمن و"قابلة للاستهلاك"، وذلك لكي تُكمّل أحدث أسطول للطائرات الأميركية الثمينة.
فالاحصائيات المقبلة من ساحات الحرب وتحديداً خلال حربي غزة وأوكرانيا تُفيد بأن نحو 75 في المئة من الخسائر الجسيمة للخصم في ساحة المعركة تسببت بها طائرات مُسيّرة صغيرة. مما يعني أيضاً أن هذا النوع من الطائرات المُسيرة جعل حروب الاستنزاف استراتيجية عسكرية ناجحة تتبناها حتى القوى العسكرية العالمية الكبرى القادرة على حسم الحروب في أقل من لمح البصر!
وضمن معادلة الجنرال الأميركي أوغسطين الساخرة، تُجسّد طائرات لوكاس، التي يبلغ سعر الواحدة منها نحو 35000 دولار، هذا المنطق تماماً. لذلك يهدف برنامج "السيطرة على الطائرات المسيّرة" الذي أطلقته إدارة ترمب أخيراً إلى امتلاك مخزون مكوّن من 340000 طائرة مسيّرة مماثلة بحلول أوائل عام 2028.
ذخائر مُتسكّعة
صُممت عائلة طائرات شاهد الإيرانية المسيّرة للهجوم بعيد المدى أحادي الاتجاه. ويُعدّ طراز شاهد-136، وهو طائرة مسيّرة بطول 3.5 متر مصنوعة من الفوم والخشب الرقائقي، أكثر أنواع الطائرات المسيّرة استخداماً وفعالية. إذ يحمل رأساً حربياً متفجراً يتراوح وزنه بين 40 و50 كيلوغراماً. وتستطيع هذه "الذخائر المتسكعة" التحليق إلى منطقة هدف تبعد أكثر من ألف ميل بسرعة تقارب 115 ميلاً في الساعة، ثمّ الدوران حول الهدف لمدة تصل إلى ست ساعات قبل الانقضاض عليه.
ووفق موسوعات علمية وباحثين في الشأن العسكري، تُحرّك هذه الطائرات المسيّرة بمحرّك مَكبسي بقوة 50 حصاناً، يُصدر صوتاً مميزاً يُشبه صوت الدراجة النارية، وتستخدم نظام ملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، ومساراً مُبرمجاً مسبقاً بدقة عالية، شرط أن تتمكن من التغلب على محاولات العدو لتشويش نظام التوجيه الخاص بها.