Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ضريبة على السلع تحدث تصدعات عميقة بالبرلمان الليبي

لم يقف الخلاف عند حدود الجدل القانوني حول شرعية القرار بل تطور إلى تهديدات بتغيير رئاسة المجلس

سارع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى إصدار بيان أوضح فيه أنه لم يكن حاضراً الجلسة التي أُقر فيها القرار (أف ب)

ملخص

تسبب غضب شعبي على فرض ضريبة برلمانية على السلع في تبادل التهم داخل البرلمان، في شأن المسؤولية عن إقرارها، وتحول إلى خلاف قانوني محتدم.

بدأت الأزمة السياسية في ليبيا تأخذ فصولاً جديدة ويتمدد فيها الانقسام من الصراع بين الأطراف المتنافسة إلى البيت الداخلي لهذه الأطراف نفسها، فبعد أيام من أزمة التعديلات الوزارية في حكومة عبدالحميد الدبيبة في طرابلس، تشغل بنغازي المشهد هذه الأيام بصراع محتدم داخل المؤسسة التشريعية ممثلة في البرلمان.

الأزمة البرلمانية الحادة المشتعلة بين رئيس المجلس ونائبيه ومجموعات من النواب، أججها قرار بفرض ضريبة على السلع والخدمات أثار غضباً شعبياً واسعاً، وتحول خلال أيام قليلة إلى شرارة أزمة سياسية داخل المجلس، بعدما تبادل الرئيس ونائباه الاتهامات في شأن المسؤولية عن تمرير القرار، في مشهد يعكس حجم التصدع داخل القيادة البرلمانية.

هذا الخلاف لم يقف عند حدود الجدل القانوني حول شرعية القرار، بل تطور ليصل إلى تهديدات بعقد جلسات موازية وتفعيل آليات لتغيير رئاسة المجلس.

قرار يشعل الأزمة

بدأت قصة الأزمة حين أُعلن البرلمان فرض ضريبة على بعض السلع والخدمات، وصل بعضها إلى 40 في المئة، مما أثار رفضاً واسعاً في الشارع الليبي، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة والتراجع الحاد لقيمة العملة المحلية.

ومع تصاعد الغضب الشعبي، سارع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح إلى إصدار بيان أوضح فيه أنه لم يكن حاضراً الجلسة التي أُقر فيها القرار، مؤكداً أنه "طالب منذ البداية بإيقاف تطبيق الضريبة على السلع الاستهلاكية والضرورية للمواطنين".

وأضاف صالح أنه "دعا محافظ مصرف ليبيا المركزي إلى عدم تنفيذ القرار إلى حين عرضه مجدداً على مجلس النواب لمراجعته بعد التشاور مع الخبراء في مجالات الاقتصاد والمحاسبة والمالية"، مؤكداً أن "الهدف هو اتخاذ قرار يصب في مصلحة الوطن والمواطن".

وشدد أن "الذين يطالبون اليوم بإلغاء الضريبة هم أنفسهم من أقروها، ولا عيب في مراجعة القرار إذا ثبت أنه لا يخدم مصالح المواطنين".

رد حاد

رواية رئيس المجلس لم تمر من دون رد ممن لمحت إلى ضلوعهم في إقرار هذه الضريبة، فقد أصدر النائب الأول لرئيس المجلس فوزي النويري بياناً نفى فيه ما ورد في بيان عقيلة صالح، مؤكداً أن "الجلسة التي أدارها بعد مغادرة رئيس المجلس لم يطرح فيها أساساً موضوع فرض الضريبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال إن "الجلسة اقتصرت على البنود المدرجة مسبقاً في جدول الأعمال"، مشيراً إلى أن "ذلك موثق في تسجيل الجلسة ويمكن العودة له للتحقق من صحة ما حدث".

اتهم النويري أيضاً في بيانه رئيس المجلس عقيلة صالح بـ"محاولة التنصل من المسؤولية وإلقائها على الآخرين"، مؤكداً أن "المراسلات المتعلقة بفرض الضريبة صدرت عن رئيس المجلس نفسه".

وفي تصعيد لافت، أعلن النويري أنه "سيتخذ الإجراءات القانونية اللازمة إزاء ما وصفه بالمعلومات المضللة الواردة في بيان رئيس المجلس"، في خطوة تعكس تحول الخلاف إلى مواجهة سياسية وقانونية داخل قيادة البرلمان.

مراسلات محيرة

في خضم هذه التطورات، برزت تساؤلات حول المراسلات التي جرى تبادلها بين مجلس النواب ومصرف ليبيا المركزي في شأن تنفيذ الضريبة ومصدرها.

فقد طالب النائب الثاني لرئيس المجلس مصباح دومة المصرف المركزي بتوضيح السند القانوني الذي استند إليه في تنفيذ القرار، مؤكداً أنه "لا يجوز فرض أي التزامات مالية على المواطنين إلا بموجب قانون صادر وفق الأطر الدستورية".

محاولة غير موفقة

وفي محاولة لاحتواء الأزمة، عقد عدد من النواب جلسة تشاورية غير رسمية في مدينة بنغازي برئاسة أكبر الأعضاء سناً، وخلصت الجلسة إلى إعلان إبطال قانون الضريبة، معتبرة أنه "منعدم الأثر القانوني لعدم صدوره وفق الإجراءات التشريعية الصحيحة".

لكن هذا الموقف لم ينه الجدل، بل زاد من تعقيد المشهد، إذ اعتبر بعض النواب أن إبطال القرار يجب أن يتم عبر جلسة رسمية مكتملة النصاب، وليس عبر اجتماع تشاوري.

تحشيد لجلسة مرتقبة

بعد فشل هذه المحاولة، بدأ عدد من النواب تحركات لعقد جلسة رسمية لمجلس النواب خلال الأيام المقبلة، في محاولة لحسم الجدل حول الضريبة، وكشف النائب عصام الجهاني عن استمرار التحشيد لعقد جلسة الثلاثاء، مندداً بما وصفه "صمت رئاسة المجلس حيال ملف الضريبة".

 

 

واتهم الجهاني رئاسة المجلس بـ"عدم اتخاذ خطوات لإلغاء المراسلات المتعلقة بفرض الضريبة، أو مخاطبة مصرف ليبيا المركزي لإيقاف تنفيذ القرار"، معتبراً أن هناك "رسائل مشبوهة أو مزورة" تم استخدامها لتمرير القرار.

وأكد أن مجموعة من النواب مصممة على متابعة الملف، حتى إلغاء الضريبة بصورة كاملة.

تهديد بتغيير الرئاسة

مع تبادل الاتهامات المستمر، وتصاعد حدة الخلاف تطورت الأزمة لتتجاوز الجدل في شأن الضريبة، إذ وصلت إلى تهديدات مباشرة بتغيير رئاسة مجلس النواب، فقد لوح النائب سالم قنيدي، بإمكان عقد جلسة رسمية في العاصمة طرابلس برئاسة أكبر الأعضاء سناً إذا استمرت رئاسة المجلس في تجاهل مطالب النواب بإلغاء الضريبة.

وأشار قنيدي إلى أن "النواب قد يلجأون إلى تفعيل نظام الدورة البرلمانية"، وهو إجراء قد يفتح الباب أمام تغيير رئيس المجلس وهيئة الرئاسة في ظل تصاعد الدعوات داخل المجلس لاستقالة عقيلة صالح ونائبيه، على خلفية ما وصفه بعض النواب بـ"سوء إدارة الأزمة".

اختبار صعب

لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على مجلس النواب وحده، بل تمتد إلى المشهد السياسي الليبي بأكمله، فالمؤسسة التشريعية التي يفترض أن تقود عملية التشريع والرقابة تواجه اليوم اختباراً حقيقياً في قدرتها على إدارة الخلافات الداخلية، بحسب الصحافي الصديق الورفلي.

ويتابع "استمرار الانقسام داخل المجلس قد يضعف دوره في أية تسوية سياسية مستقبلية، خصوصاً في ظل الحديث عن مبادرات دولية لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية وإجراء انتخابات جديدة".

ويرى الورفلي أن "الأزمة الحالية تعكس تحدياً مزدوجاً أمام مجلس النواب الأول يتعلق بقدرته على استعادة الثقة الشعبية بعد الجدل الذي أثاره قرار الضريبة، والثاني يتمثل في الحفاظ على وحدة المؤسسة التشريعية في مواجهة الانقسامات الداخلية".

كما حذر من أنه "إذا لم يتمكن المجلس من احتواء هذه الأزمة فقد يجد نفسه أمام مرحلة جديدة من الانقسام داخل المؤسسة التي يفترض أن تمثل السلطة التشريعية العليا، وفي بلد يعاني أصلاً انقسامات سياسية عميقة، وقد يتحول هذا الخلاف البرلماني إلى مؤشر إضافي على هشاشة المؤسسات وصعوبة التوافق في المرحلة الانتقالية التي تعيشها ليبيا منذ سنوات".

فراغ يجلب التدخلات

من جهته، تخوف المحلل السياسي فيصل بوالرايقة، من أن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا لم يعد يمثل مجرد خلاف حول السلطة أو الجدل المتكرر في شأن الشرعية، بل يخلق فراغاً داخلياً قد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية وإعادة تشكيل المشهد.

وقال بوالرايقة إن "الانشغال الداخلي بالصراعات السياسية والجدل حول الشرعية والضرائب يأتي في وقت يتصاعد فيه الخطر الخارجي بهدوء، بينما تشهد المنطقة تحولات متسارعة قد تنعكس على ليبيا بصورة مباشرة".

وأشار إلى أن "المشكلة لا تكمن فقط في الانقسام السياسي، بل في ضعف قدرة بعض الأجسام السياسية على استشراف التحديات المقبلة، موضحاً أن "إضعاف المؤسسات أو العمل على تفتيتها يفتح المجال أمام الاختراقات الخارجية ويزيد من هشاشة الجبهة الداخلية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير