ملخص
تاريخياً استنجد السودان بشجرة المسكيت عام 1967 وقام باستيرادها من أجل مكافحة الزحف الصحراوي، لكنها تحولت إلى أداة مخيفة لاستنزاف المياه الجوفية والقضاء على النباتات والمحاصيل، ومن ثم تدمير البيئة والمراعي والتسبب في هجران مزارعين أراضيهم بسبب غزوها الواسع.
هيأت أعوام الحرب مع ما رافقها من تداعيات بخاصة النزوح وترك المزارعين أراضيهم بيئة مثالية من الفوضى وفرصة ذهبية لانتشار النباتات الطفيلية، وعلى رأسها شجرة المسكيت، التي كانت تنتشر بكثافة لتغطي مساحات زراعية شاسعة في شمال وشرق ووسط وجنوب البلاد، واستغلت الشجرة أعوام الحرب وفترة نزوح المزارعين بخاصة في ولاية الجزيرة، وتوقف عمليات المكافحة الموسمية لهذه الشجرة، ليتحول انتشارها في زمن قياسي إلى غابات كثيفة ضاربة المحاصيل الزراعية التقليدية التي تحتاج إلى رعاية وري منتظم.
آفة عصية
تاريخياً استنجد السودان بشجرة المسكيت عام 1967 وقام باستيرادها من أجل مكافحة الزحف الصحراوي، لكنها تحولت إلى أداة مخيفة لاستنزاف المياه الجوفية والقضاء على النباتات والمحاصيل، ومن ثم تدمير البيئة والمراعي والتسبب في هجران مزارعين أراضيهم بسبب غزوها الواسع.
ومنذ أعوام تحولت الشجرة إلى آفة تواصل التهام أراضي السودان الزراعية، وهاجس يهدد الزراعة ويؤرق المزارعين بكل أنحاء السودان وفي منطقة دلتا القاش بولاية كسلا على وجه الخصوص، التي تعتبر الأكثر تضرراً من بين ولايات البلاد الأخرى المتضررة، لا سيما البحر الأحمر، والجزيرة، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، والقضارف، ونهر النيل، والشمالية، والخرطوم وفي مجاري الأودية ومناطق الرعي بدارفور.
الحرب وتحدياتها
بحسب إحصاءات رسمية تحتل أشجار المسكيت في ولاية كسلا وحدها مساحة تراوح ما بين 50 و70 في المئة من مساحة كل قسم من أقسام مشروع القاش الزراعي الستة، وتسبب مكافحتها وإزالتها هاجساً مادياً وزمنياً مرهقاً للمشروع. وبينما حققت ولاية نهر النيل في شمال البلاد نجاحات ملموسة في إزالة نحو أكثر من 60 في المئة من مساحة انتشارها، يتواصل العمل على مكافحتها في أكبر مشروعات السودان الزراعية المروية في ولاية الجزيرة وسط البلاد حيث يقدر وجود 80 مليون شجرة مسكيت، وفق إحصاءات حكومية.
وأدت فترة الحرب، بحسب المزارع عبدالجليل عبدالباسط، إلى خلق فوضى منحت كثيراً من النباتات والحشائش الطفيلية، وعلى رأسها المسكيت، فرصة ذهبية للانتشار، وأضاف "أدى تدمير أو انسداد قنوات الري بسبب الحرب إلى توقف جهود المكافحة القومية ومراقبة الغابات والمشاريع الزراعية، مما أتاح لشجرة المسكيت التمدد العشوائي والتغول في الأراضي الخصبة".
وحذرت مصادر بالاتحاد العام لمزارعي السودان، من تحول شجرة المسكيت إلى آفة تهدد الأراضي الزراعية على المستوى القومي في ظل ضعف الموازنات المرصودة لمكافحتها، منوهة بأنه لو كان التعامل معها سريعاً وحاسماً لأمكن تفادي الأذى الذي ألحقته بالأراضي الزراعية والمزارعين. وطالبت المصادر الحكومة بتخصيص موازنات أكبر وسرعة التحرك للتعامل مع خطر المسكيت لحماية الأراضي الزراعية من أخطارها، والعمل على تنسيق الجهود بين مختلف أطراف القطاع الزراعي للتعامل مع تداعياتها.
الجزيرة تكافح
على أثر تحريرها من قبضة قوات "الدعم السريع" أطلقت ولاية الجزيرة حملة واسعة لإزالة أشجار المسكيت، وأكد والي الولاية الطاهر إبراهيم، في خلال تدشين الحملة "أن إزالة شجرة المسكيت شأن ولائي"، داعياً إلى تضافر الجهود الرسمية والشعبية للتخلص منها.
ووقفت المدير العام لوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية، عرفة محمود أحمد، برفقة رئيس لجنة الإسناد المدني بالمقاومة الشعبية في الولاية، على أعمال إزالة أشجار المسكيت في محلية الحصاحيصا.
وأكدت أحمد أن شجرة المسكيت تُعد آفة قومية لما لها من آثار سلبية على الأراضي الزراعية والبيئة، مشيرة إلى أن الوزارة ستسخر كل إمكاناتها من أجل التخلص منها، والعمل على إيجاد طرق علمية مناسبة للاستفادة من مخلفاتها أو التعامل معها بصورة آمنة.
لجان دائمة
في سياق متصل، قال المنسق الأسبق للمسكيت بالهيئة القومية للغابات السودانية طلعت دفع الله عبدالماجد "المطلوب ليس تجييش الناس ليوم أو أسبوع، بل إنشاء لجان مجتمعية دائمة لإدارة المسكيت في كل وحدة إدارية، تضم المزارعين، ورعاة الماشية، والشباب، والنساء"، منوهاً بضرورة قيام حملة شعبية وخطة واضحة. ولفت إلى أن ولاية الجزيرة حال خاصة، وهي تضم أكبر المشروعات الزراعية المرويّة بالبلاد، وذات كثافة سكانية عالية وقرى متقاربة، "وإلى جانب انتشار قنوات الري، ينبغي إعداد خريطة دقيقة لانتشار المسكيت بالولاية مع التركيز على أهداف واقعية عبر ثلاثة محاور لحماية مشروع الجزيرة والبنى التحتية، تقوم على إزالة هذه الشجرة بالكامل من قنوات الري والطرق الرئيسة، ومنع ظهور أحراش جديدة حول القرى ومواقع الخدمات وعلى الحدود الخارجية للمشروع".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فشل تاريخي
تاريخياً فشل السودان في استئصال شجرة المسكيت نتيجة تداخل عوامل بيئية، واقتصادية، وإدارية جعلت من المكافحة عملية معقدة للغاية، ومنذ استيراد الشجرة في أواخر السبعينيات لمكافحة الزحف الصحراوي، تحولت لاحقاً إلى آفة اجتاحت مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية والمراعي.
إخفاقات متلازمة
إلى جانب الخصائص البيولوجية للشجرة نفسها وقدرتها الهائلة على التكاثر والانتشار العشوائي في بيئات متنوعة، عزا المنسق الأسبق للمسكيت فشل حملات مكافحة هذه الشجرة إلى ثلاثة أسباب رئيسة تجعل شعار القضاء عليها غير واقعي "أهمها المخزون البذري الكبير المدفون في التربة، أو الذي يمر أيضاً عبر أجهزة هضم الماشية ويظل حيّاً أعواماً طويلة، إذ تشير أبحاث إلى بقاء بذور المسكيت حية في التربة أكثر من 10 أعوام، فضلاً عن الجذور العميقة للمسكيت التي تصل إلى أعماق تفوق 20 و40 متراً في بعض البيئات الجافة مع القدرة العالية على التجديد، ووجود جذور جانبية قوية تحولها عند القطع السطحي إلى شجيرة متعددة السيقان أكثر كثافة من الأصل".
كيفية الاستعادة
وعن كيفية استرجاع الأراضي الزراعية التي سطت عليها هذه الشجرة رأى عبدالماجد "أن الأمر يتطلب استراتيجية متكاملة، لأن مجرد قطع الشجرة من السطح يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تنمو براعم أقوى في الجذور، لذلك تعتبر الإزالة الميكانيكية العميقة الطريقة الأنجح للمساحات الكبيرة والمصابة بكثافة، وتعتمد على اقتلاع الجذور من عمق 20 إلى 25 سنتيمتراً تحت سطح التربة لضمان عدم عودة النمو، إلى جانب المكافحة الكيماوية للأشجار المتفرقة كخطوة تكميلية، كذلك يؤدي الرش الجوي في حالات الغابات الكثيفة دوراً مهماً جداً في خفض الكثافة قبل بدء تنظيف الأراضي"، وحذر أيضاً من استخدام ثمار هذه الشجرة كعلف بروتيني إلا بعد طحنها لقتل البذور بداخلها، "لأن مرورها عبر الجهاز الهضمي للحيوانات من دون طحن يحفّز إنباتها بشكل أسرع، مع إمكان تحويل الكتلة النباتية المزالة إلى أخشاب ومواد بناء وإنتاج الفحم النباتي العالي الجودة عبر أفران محسّنة لتعويض الطلب على الوقود الخشبي".
العدو الصديق
وأوضح عبدالماجد أن شجرة المسكيت ليست أصيلة في بيئة السودان، بل أُدخلت إلى البلاد في بدايات القرن الـ20 لأغراض تثبيت الكثبان الرملية وتوفير الحطب والظل، لكنها انتشرت لاحقاً على نطاق واسع في ولايات النيل والجزيرة وكسلا والبحر الأحمر وغيرها، وهي شجرة تحمل صفات صديق وعدو في آن. وتابع أنه على رغم أضرار شجرة المسكيت، التي تصنف اليوم كأحد أخطر الأنواع الغازية التي تحتل الأراضي الخصبة في السودان وشرق أفريقيا، فإن تركها من دون إدارة، يؤدي إلى تكوين أحراش كثيفة تعوق الزراعة والرعي وتغلق القنوات والمجاري، كذلك فإنها تنافس المحاصيل الأخرى على الماء، "إلا أن من أبرز فوائدها أن جذورها العميقة تحسن بنية التربة وتثبتها ضد الانجراف، وخشبها ممتاز للفحم والحطب، وتمثل قرونها علفاً جيداً للمواشي إذا استُخدمت بجرعات مدروسة، ويمكن استعمالها في إنتاج ألواح خشبية مضغوطة وإنتاج عسل الغابات".
فاشلة ومكلفة
وتابع "معظم التقارير المحلية ومنها التقرير الوطني الخامس للتنوع الأحيائي، يؤكد أن حملات مكافحة المسكيت السابقة كانت مكلفة جداً وغير ناجحة أو غير مستدامة، فبعد إزالة المساحات تعود الأحراش، خلال أعوام قليلة، بسبب ضعف المتابعة وغياب البديل، وتوصلت بلدان أفريقية مثل كينيا وإثيوبيا إلى النتيجة نفسها: الإبادة الشاملة غير واقعية عندما تكون الإصابة واسعة، والحل هو الإدارة المتكاملة وتقليل الكثافة والحد من الانتشار مع تعظيم المنافع الممكنة".
مورِد لا عدو
ورأى منسق المسكيت "أنه بعد أعوام من البحث والعمل الميداني مع زملاء بهيئة البحوث الزراعية، تم التوصل إلى أن أفضل طريقة للتعامل مع شجرة المسكيت اعتبارها مورداً يجب ضبطه لا عدواً يجب استئصاله، بالعمل على خفض كثافتها في الأماكن الحساسة، مع الاستفادة منها اقتصادياً"، لذلك من الضروري، وفق عبدالماجد، "أن يتم الربط بين عمليات المكافحة وحملات تشجير موازية بأشجار مثمرة وأصناف محلية نافعة في أطراف المشروع، بما يضمن بقاء الغطاء الشجري".
أساليب جديدة
وطالب المنسق بضرورة الاستفادة من خبرة هيئة البحوث الزراعية، والهيئة القومية للغابات، والجامعات التي درست المسكيت في السودان، والبحث والتجربة المستمرين لابتكار أساليب جديدة باستخدام الرعي المكثف للقضاء على الشتلات الصغيرة، والإشراك الجاد للمجتمعات المحلية في جهود المكافحة.
وإلى جانب مساحات واسعة من مشاريع أخرى وسط وشمال البلاد، باتت شجرة المسكيت تنتشر في أكثر من 700 ألف فدان (نحو 2940 كيلومتراً مربعاً) من الأراضي الصالحة للزراعة شرق البلاد، وتغطي نحو 60 في المئة من مساحة مشروع القاش الزراعي وحده، وتعتبر ولاية كسلا شرق السودان من أكثر الولايات تأثراً بانتشار الشجرة التي باتت تهدد المشاريع الزراعية والإنسان والحيوان.