ملخص
يهدد شبه توقف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز عقب تصعيد الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران بتغيير مسارات الإمدادات العالمية.
قفزت أسعار النفط بأكبر وتيرة في أربعة أعوام، بعدما أدى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي إلى تصعيد واسع في الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مما تسبب في شبه شلل لحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
ومع مرور ما يقدر بنحو 20 مليون برميل نفط يومياً عبر مضيق هرمز، أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية، فإن أي تعطيل طويل الأمد قد يجرد الأسواق مما يصل إلى 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات، وفق تقديرات أولية، مما يضع ضغوطاً إضافية على الأسعار وسلاسل التوريد العالمية.
ويشكل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من الخليج.
ومع تصاعد التوترات في المنطقة برزت مخاوف حقيقية لدى الدول المستوردة من اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.
في هذا السياق، تسعى قوى كبرى مثل الصين والهند إلى إعادة رسم خريطة وارداتهما النفطية، عبر تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على الممرات المهددة أمنياً.
وتعتمد الصين والهند بصورة كبيرة على نفط الخليج، مما يجعلهما عرضة لتقلبات جيوسياسية حادة، لذلك تعمل بكين ونيودلهي ودول آسيوية أخرى على تعزيز استثماراتهما في البنية التحتية للنقل والتخزين، وتوسيع عقود طويلة الأجل مع موردين خارج منطقة الخليج، وتسعيان إلى تطوير طرق بحرية وبرية بديلة تقلل من أخطار الإغلاق المحتمل أو الاستهداف العسكري في المنطقة.
وفي ظل هذه التطورات، برزت دول مثل روسيا والولايات المتحدة وكندا كمصادر بديلة للإمدادات النفطية، فقد عززت روسيا صادراتها نحو آسيا بأسعار تنافسية على رغم العقوبات الغربية، خصوصاً بعد التحولات في أسواق الطاقة العالمية.
وزادت الولايات المتحدة من صادرات النفط والغاز المسال، مستفيدة من طفرة إنتاج النفط الصخري، أما كندا فتمثل خياراً مستقراً سياسياً واقتصادياً، على رغم التحديات المرتبطة بقدرات النقل والبنية التحتية.
هذا التحول لا يعني الاستغناء الكامل عن نفط الخليج، لكنه يعكس اتجاهاً استراتيجياً نحو تنويع الأخطار، فالدول المستوردة باتت تدرك أن أمن الطاقة لم يعد مسألة اقتصادية وحسب، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بالاعتبارات الجيوسياسية والعسكرية.
ومن المرجح أن يستمر هذا المسار في الأعوام المقبلة، مع سعي القوى الكبرى إلى بناء منظومة إمدادات أكثر مرونة وأقل تعرضاً للصدمات الإقليمية.
"النفط الروسي بديل مهم مع تزايد أخطار مضيق هرمز"
قالت المستشارة في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية إلينا سوبونينا، في تصريحات لصحيفة "اندبندنت عربية" من روسيا، إن الولايات المتحدة كانت تحاول إقناع الأوروبيين والآسيويين، والهند تحديداً، بالتخلي عن النفط الروسي، وحثهم على البحث عن بدائل في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.
وأوضحت أن روسيا كانت تؤكد باستمرار أن هذا التوجه يمثل خطأً استراتيجياً، مشددة على أن كل دولة ينبغي أن تعتمد على تنويع سياستها الخارجية والاقتصادية، إذ لا يمكن ضمان استقرار مصدر واحد فحسب للنفط في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.وأضافت أن التداعيات الجارية للحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران تعزز صحة الموقف الروسي، إذ تظهر أن النفط الروسي يشكل بديلاً مهماً وجيداً لكثير من الدول، في وقت تتزايد فيه الأخطار المرتبطة بإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز.
وبحسب سوبونينا، فإن غالبية الشركات الهندية لم تقطع علاقاتها مع روسيا في مجال الطاقة، مشيرة إلى أن العدد القليل من الشركات التي أوقفت تعاملاتها مع النفط الروسي إما عادت بالفعل إلى التعاقد مع موسكو، أو تخطط للعودة، في ظل حال عدم الاستقرار التي يشهدها مضيق هرمز. وأكدت أن هذا الوضع لا يخص الهند وحدها، بل يشمل دولاً كثيرة، من بينها دول أوروبية، حيث بدأ رجال أعمال أوروبيون بانتقاد سلطات بلدانهم بسبب المواقف السياسية المتشددة تجاه روسيا، ولا سيما أن الاقتصاد الأوروبي لا يزال في حاجة إلى واردات الطاقة الروسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشارت إلى أن الأوروبيين بدأوا يدركون تدريجاً أن سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد تضر بالمصالح الاقتصادية لأوروبا، خصوصاً في قطاع الطاقة، الذي يشكل عنصراً حيوياً في استقرار الأسواق والصناعة. وتوقعت سوبونينا أن تتجه بعض الحكومات الأوروبية إلى مراجعة طبيعة علاقاتها في هذا الملف، معتبرة أن جزءاً من هذه الدول قد يعود إلى شراء النفط والغاز الروسيين إذا استمرت التوترات الإقليمية واضطرابات الإمدادات. ولفتت إلى أن دولاً مثل المجر وسلوفاكيا، اللتين واصلتا شراء النفط والغاز الروسيين بصورة مستمرة، تعلنان اليوم أن موقفهما كان صائباً، وهو ما يعزز موقعيهما السياسي داخل الاتحاد الأوروبي في ظل تصاعد الجدل حول أمن الطاقة في القارة.
"إغلاق مضيق هرمز يعني حجب خُمس إنتاج العالم من النفط"
من جانبه قال عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية والاستثمار في الإمارات وضاح الطه، إن فرضية إغلاق مضيق هرمز انحسرت بصورة كبيرة، لا سيما بعد الهجمات التي قادتها الولايات المتحدة على أسطول البحرية الإيراني. وأوضح أنه على رغم بقاء هذا الاحتمال قائماً من الناحية النظرية، فإنه لا يزال غير عملي ولا يصب في مصلحة إيران من الناحية اللوجيستية، لأن طهران في حال أقدمت على هذه الخطوة ستجد نفسها في وضع حصار ذاتي، خصوصاً إذا ما غامرت بإغراق المضيق بالألغام البحرية كخيار افتراضي بديل. وأضاف أن فرضية الإغلاق غير قابلة للتنفيذ عملياً، إلا أن ذلك لا يمنع من ضرورة التفكير في بدائل استراتيجية سواء من جانب المنتجين أو المستهلكين. وأشار إلى أن كبار مستهلكي النفط في آسيا، سواء النفط الإيراني أو غير الإيراني مثل السعودي والعراقي والكويتي، سيتأثرون جميعاً في حال تعطل الإمدادات، وعلى رأسهم كوريا الجنوبية واليابان ودول أخرى تعتمد بصورة أساس على نفط المنطقة.
وأوضح أن تطوير العلاقات بين الدول المستهلكة والمنتجة يمثل أحد المسارات القائمة بالفعل، مشيراً إلى أن روسيا والصين تربطهما حدود برية مشتركة، مما يتيح إمكان ضخ النفط عبر أنابيب برية في محاولة لتعويض جزء من الكميات المفقودة من إيران، كذلك فإن الصين تمتلك خيار التواصل مع كندا لتعويض جزئي، وكذلك الحال بالنسبة إلى الهند في علاقتها مع روسيا، وإن كان ذلك ضمن حدود معينة.
وأكد الطه أن حجب النفط يعني حجب خمس إنتاج العالم تقريباً، أي ما يزيد على 17 مليون برميل من النفط الخام يومياً تمر عبر مضيق هرمز، وهي كمية يصعب تعويضها بالكامل من منتجين آخرين، بل وحتى من المنتجين داخل المنطقة نفسها. وبين أن دولاً مثل العراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات ليس لديها بدائل استراتيجية قادرة على تعويض الكمية كاملة، واستثنى جزئياً الإمارات والسعودية، مشيراً إلى أن لديهما بدائل محدودة للغاية.
فالإمارات تعتمد على خط أنابيب الفجيرة الممتد إلى بحر العرب أو بحر عمان، بطاقة تقارب مليون برميل يومياً، وهي كمية لا تغطي إجمال صادراتها.
أما السعودية فلديها منفذ على البحر الأحمر، لكنه أيضاً لا يرقى إلى مستوى إجمال طاقتها التصديرية عبر الخليج، أما العراق فلديه خط أنابيب واحد عبر خط جيهان إلى ميناء جيهان التركي، بطاقة تراوح ما بين 350 و500 ألف برميل يومياً، مقارنة بصادرات تبلغ نحو 3.4 مليون برميل يومياً، مما يعكس فجوة كبيرة في حال تعطل الإمدادات عبر المضيق.
وشدد الطه على أن المنتجين غير مهيئين عملياً لتعويض الكميات بالكامل، كذلك فإن المستهلكين أيضاً غير مستعدين لخلق بدائل فورية في حال إغلاق المضيق، وهو احتمال يراه يتضاءل في الوقت الراهن. وأشار إلى أن الأسواق، منذ اندلاع الحرب، بدأت بتسعير الأخطار المرتبطة بنقص الإمدادات، مما دفع أسعار النفط إلى مستويات الثمانينيات، أي ما بين 80 و82 دولاراً للبرميل. وأوضح أن هذه المستويات السعرية لا تعكس أساسات السوق الفعلية، إذ تشير المؤشرات إلى وجود فائض في المعروض، لكن الأخطار الجيوسياسية هي التي فرضت هذه العلاوة السعرية. وختم بالقول إن المستهلكين الكبار، ولا سيما في أوروبا والولايات المتحدة، ليسوا على استعداد للمجازفة بإلحاق ضرر بالغ باقتصاداتهم، مما يجعل أي تصعيد واسع النطاق في ملف إمدادات الطاقة خياراً عالي الكلفة على جميع الأطراف.
"لا يوجد رابح من هذه الأزمة، فالكل يخسر"
وقال المحلل الاقتصادي الكويتي محمد رمضان إن أزمة مضيق هرمز الناجمة عن العمليات العسكرية الجارية لا يمكن أن تنتج رابحين حقيقيين، مؤكداً أن تداعياتها تطاول جميع الأطراف بصورة أو بأخرى. وأوضح أن الدول المستوردة للنفط الإيراني، وعلى رأسها الهند والصين، وجدت نفسها مضطرة إلى البحث عن بدائل لتعويض الإمدادات، في ظل حال عدم اليقين التي تسيطر على حركة الشحن في المنطقة. وأشار إلى أن القاعدة الاقتصادية السليمة تفرض تنويع مصادر الطاقة وعدم الاعتماد على مصدر واحد، لأسباب تتعلق بالأمن الطاقوي والاستقرار السعري والأخطار الجيوسياسية. وأضاف أن الدول التي اعتمدت على مصدر نفطي واحد تواجه اليوم ضغوطاً كبيرة، مع ارتفاع أسعار النفط بصورة ملحوظة، وهو ما ينعكس سلباً على اقتصاداتها، سواء من ناحية كلفة الاستيراد أو معدلات التضخم. وبين رمضان أن هناك من قد يبدو مستفيداً على المدى القصير، وفي مقدمهم المصدرون الروس الذين قد يحققون عوائد أعلى نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على بدائل النفط الإيراني.
إلا أنه لفت إلى أن روسيا، على رغم المكاسب النفطية المحتملة، تواجه في المقابل أخطاراً سياسية، إذ إن خسارة حليف استراتيجي مثل إيران، في حال أقدمت الولايات المتحدة على إضعاف نفوذها أو التأثير في شكل الحكم فيها، قد تمثل خسارة كبيرة لموسكو على المستوى الجيوسياسي. وختم بالقول "لا يوجد رابح من هذه الأزمة، فالكل يخسر"، في إشارة إلى أن المكاسب الظرفية لبعض الأطراف لا تعوض حجم الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تفرضها حال عدم الاستقرار في أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم.