ملخص
فاغنر مورا، أيقونة "ناركوس"، يعود هذه المرة كأبرز مفاجآت سباق الأوسكار بفيلمه "العميل السري". من مواجهة بولسونارو إلى كسر قوالب هوليوود، يخوض مورا رحلة تجمع بين الفن والسياسة، فيما يعيد طرح أسئلة السلطة والحرية في البرازيل وأميركا.
قبل يومين فقط من حديثنا هذا، كان فاغنر مورا يرقص السامبا في حفل ما بعد توزيع جوائز "غولدن غلوب" الذي أقيم في 11 يناير (كانون الثاني) الماضي، بعدما تفوق على أسماء مثل مايكل بي جوردن وأوسكار آيزاك ليصبح أول برازيلي يحصد جائزة أفضل ممثل في عمل درامي. لم يكد يستوعب نشوة اللحظة حتى وجد نفسه في طائرة متجهة إلى لندن في اليوم التالي، وها هو الآن يدردش معي عبر تطبيق زوم، قبل استعداده لشد الرحال بعد ساعات إلى محطة جديدة من جولته الإعلامية. "الأمر متعب يا رجل"، يقول وهو يفرك عينيه بكفيه.
يخوض الممثل البالغ من العمر 49 عاماً حملة الترويج لفيلمه "العميل السري" The Secret Agent للمخرج كليبر مندونسا فيلو، وهو كوميديا سوداء عن أكاديمي يحاول الهرب من قبضة الديكتاتورية العسكرية في البرازيل خلال سبعينيات القرن الماضي. لا يدرك مورا بعد أنه لن يحظى بالراحة قريباً، إذ تحول الفيلم إلى مفاجأة موسم الجوائز، محققاً أربعة ترشيحات لجوائز الأوسكار (من بينها أفضل فيلم وأفضل فيلم دولي) منذ لحظة إجراء هذا الحوار.
وأنا أستمع إليه، يخطر ببالي ذلك الإرهاق الذي بدا في عيني كيليان ميرفي خلال الجولة الترويجية الطويلة لفيلم "أوبنهايمر" Oppenheimer عام 2024. مورا، المعروف بأدائه المتميز لشخصية بابلو إسكوبار في مسلسل "ناركوس" Narcos على شبكة نتفليكس، يبدو ممثلاً مأخوذاً بجوهر العمل نفسه، وأقل حماسة لما يليه من أضواء وحملات. لكنه يذكّر نفسه بأن فيلماً برازيلياً ناطقاً بالبرتغالية لا يحظى كل يوم بهذا القدر من الاحتفاء العالمي. يقول: "كلما شعرت بالتعب أقول لنفسي ’هيا يا رجل، هذا لا يحدث دائماً… إنه أمر رائع‘".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في "العميل السري"، يقدم مورا أداء يليق بالأوسكار في دور مارسيلو، الأب الأرمل الذي يجد نفسه مطارداً بعدما انتصرت مبادئه الأخلاقية على توخي الحيطة والحذر خلال عشاء مع وزير فاسد. نفهم أن زوجته دفعت حياتها ثمناً لذلك. ليس مارسيلو ثورياً، بل هو مثقف عادي، من أولئك الذين اختفوا تحت نظام اتسم بالرقابة والارتياب من الأوساط الأكاديمية والملاحقة المنهجية لكل من يخرج عن الصف.
يتقمص مورا الشخصية بحضور آسر لرجل تحكمه مبادئه بهدوء، فيما يغلي الحزن في داخله بصمت، ولا يبقيه متماسكاً سوى هاجس حماية ابنه. تتخلل هذا التوتر الثقيل لمسات عبثية صغيرة، من بينها نكتة متكررة عن ساق "زومبي" مبتورة تدعى "الساق المشعرة" تعيث فوضى في الحي. إنه تفصيل يبدو تافهاً، لكنه تذكير بأن الحياة تحت الحكم الديكتاتوري تستطيع الجمع بين الرعب والسخرية بالقدر نفسه.
كان مورا طفلاً خلال تلك الحقبة الممتدة بين عامي 1964 و1985، لكنه يقول: "لا يبدو أنها حدثت قبل زمن بعيد... أشعر أن منطق الديكتاتورية لا يزال حاضراً بقوة في البرازيل اليوم. البرازيل بلد استثنائي بثقافته وتنوعه ونزعته التقدمية وتعاطفه وجماله... لكنه أيضاً آخر بلد في العالم الغربي قام بإلغاء العبودية، ويحمل في تاريخه انقلابات وعنفاً ونزعات نخبوية وإرثاً استعمارياً وإمبريالياً. هذه أمور لا تزال جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية".
يقول مورا إن فيلم "العميل السري" جاء نتيجة "حيرة" كان يشترك فيها هو والمخرج فيلو حول الحياة تحت حكم جايير بولسونارو. فقد حاول الرئيس الاستبدادي خلال أربع سنوات تقويض عقود من التقدم في البرازيل، وتعرض كل من مورا وفيلو لتشويه السمعة ووصمهما بالشيوعيين.
في عام 2019، أخرج مورا فيلماً عن كارلوس ماريغيلا، الزعيم الماركسي للميليشيات الذي اغتالته الحكومة العسكرية في أواخر الستينيات. لكن حكومة بولسونارو رفضت تمويل الفيلم وعرقلته عملياً من الوصول إلى دور العرض حتى عام 2021. قبل ذلك بعدة سنوات، تعرض فيلو للانتقاد من اليمين بعد أن استغل هو وطاقم فيلمه "برج الدلو" Aquarius الصادر عام 2016 فرصة عرضه الأول في مهرجان "كان" للاحتجاج على عزل ديلما روسيف، الناشطة اليسارية الإصلاحية وأول رئيسة للبلاد، ولاحقاً مُنع الفيلم من أن يكون الترشيح الرسمي للبرازيل لسباق الأوسكار.
يقول متذكراً: "كنا نتهاتف ليلاً ونقول ’يا رجل، كيف يمكننا الاستجابة لهذا الوضع؟ كيف يمكننا دعم بعضنا البعض؟‘ عند مشاهدة فيلم ’العميل السري‘، أشعر أحياناً أنني أؤدي شخصيتي الحقيقية نوعاً ما. كان واضحاً جداً أنني أتحدث عن شيء أعرفه جيداً".
يمتاز مورا بصوت فخم لا يمكن تجاهله، هادئ لكنه قوي كقاطرة، وقد شبّه فيلو صوته بأنه يشبه نظام دولبي آتومز Dolby Atmos المدمج. كما تحمل عيناه عمقاً استثنائياً؛ إذ يستطيع بنظرة واحدة اختزال تاريخ عاطفي كامل في لحظة تبدو عفوية. وهذا جزء من السبب الذي جعل أداءه لشخصية إسكوبار في "ناركوس" كشفاً مدوياً، فخلال موسمين شعرنا بأننا نطل على عقل أخطر رجل في العالم بشكل مباشر.
أجبرنا مورا على التعاطف معه، كما فعل توني سوبرانو، لكن بشارب مفتول [من مسلسل "آل سوبرانو"]. يقول: "أدركت أنني كلما أظهرت جانباً من نفسي، أصبحت أكثر هشاشة كفنان. هذا ما يجب أن تكون عليه الأداءات القوية".
يحتفظ مورا بدفاتر لكل شخصية يؤديها، وعند لحظة ما يجد نفسه يكتب حتماً: "هذه الشخصية هي أنت". وحتى عندما يجسد شخصية تاجر مخدرات، يوضح: "أنا أراه بهذه الطريقة. أقدّمه من خلال رؤيتي أنا. لست هو، بل هذه قراءتي له".
بعد "ناركوس"، كان من السهل أن تنحرف مسيرة مورا نحو الأعمال التجارية الضخمة، كما حدث مع زميله السابق بيدرو باسكال الذي أصبح أحد أبرز نجوم الصف الأول في هوليوود. لكنه يقول: "بصراحة، هذا ليس على هواي" مشيراً إلى أفلام الأبطال الخارقين الكبرى مثل "الأربعة الرائعون" Fantastic Four التي يلعب باسكال بطولتها الآن. ويضيف: "بعد ’ناركوس‘ كنت أتلقى في أغلب الأحيان عروضاً لألعب نفس النوع من الشخصيات. هذه هي طريقة هوليوود". أرادوا منه الالتصاق بدور تاجر المخدرات، لكنه أدرك الفخ فوراً.
ويخبرني مورا أن "هذه هي الصورة النمطية للاتينيين... شخصية تاجر المخدرات العنيف… نحن أكثر بكثير من ذلك. هذا أمر أتعامل معه بجدية كبيرة - مسألة التمثيل وكيف يُنظر إلينا في الولايات المتحدة".
بدلاً من ذلك، التزم الممثل بمشاريع فريدة، مثل فيلم "حرب أهلية" Civil War الصادر عام 2024 لـ أليكس غارلاند، حيث خطف الأنظار بدور مراسل حرب مخضرم، وسلسلة "لص المخدرات" Dope Thief التي تعرضها "آبل تي في"، التي أدى فيها دور محتال مضطرب. يصف مورا هذه الشخصيات بأنها "غير مرتبطة بأي تصور مسبق عن كيف يجب أن يكون الرجل اللاتيني".
لم يكن موضوع تمثيل اللاتينيين في يوم ما أكثر أهمية مما هو عليه اليوم. ففي عام 2015، صرح دونالد ترمب قائلاً عن المكسيكيين: "إنهم يأتون بالمخدرات والجريمة. إنهم يرتكبون الاغتصاب. أعتقد أن بعضهم أشخاص طيبون". وخلال فترة رئاسته الثانية، لم يخفف ترمب من لهجته هذه.
وينجرف حدثي مع مورا غالباً إلى السياسة، ليس اختياراً منه، بل بفعل الجاذبية الموضوعية للواقع. يعيش مورا في لوس أنجليس مع زوجته وأبنائه الثلاثة المراهقين، وقد شاهد الولايات المتحدة التي تعصف بها احتجاجات ضد سياسات ترمب الصارمة تجاه الهجرة. من الصعب عدم ملاحظة صدى فيلم "العميل السري" ضمن هذه الاضطرابات، فالمشهد الافتتاحي يظهر اثنين من عناصر شبيهة بخدمات الهجرة والجمارك الأميركية يفتشون هوية مارسيلو عند محطة وقود قبل طلب رشوة، لكن الاختلاف، كما يقترح مورا، هو الوعي التاريخي.
يقول مورا: "كان بولسونارو رافضاً لنتائج الانتخابات، مثل ترمب، واعتدى على المؤسسات في البرازيل كما فعل الأميركيون [في الولايات المتحدة]. لكن البرازيل فعلت شيئاً لم يفعله الأميركيون، لأن بولسونارو الآن في السجن. أعتقد أننا فعلنا ذلك لأن البرازيليين يعرفون معنى الديكتاتورية، بينما يأخذ الأميركيون الوضع كأمر مسلم به".
ومع ذلك، ليست كل أدوار مورا محمّلة برسائل سياسية ثقيلة. ففي عام 2022، أدى صوتياً دور ذئب شرير في فيلم الرسوم المتحركة "القط ذو الحذاء: الأمنية الأخيرة" Puss in Boots: The Last Wish المستمد من سلسلة "شريك" Shrek. تتألق عيناه عند الحديث عن ذلك: "لقد كان ذلك ممتعاً جداً، يا رجل"، ويتابع متبسماً: "هذه هي الطبيعة التي يفترض أن يتحلى بها هذا العمل. لا يمكننا أبداً أن نفقد هذا الشعور كفنانين".
أكسبه ذلك احترام الجمهور الأصغر سناً أيضاً. فقد أنهى أخيراً في منطقة ساري في إنجلترا تصوير فيلم الإثارة المقبل على نتفليكس بعنوان "11817" إلى جانب غريتا لي بطلة فيلم "حيوات سابقة" Past Lives وطفلين ممثلين آخرين. ويضحك مقلداً رد فعلهم: "عندما اكتشف الطفلان أنني أديت صوت الذئب في ’القط ذو الحذاء‘... صرت بطلاً في نظرهما".
يقترب مورا من الخمسين بنظرة جديدة لحياته وعمله. يقول: "لا أريد فعل أي شيء، أو قول أي شيء، أو التصرف بطريقة لا تتوافق مع قناعاتي... مع مرور الزمن، تدرك أنه لم يعد لديك وقت للأمور التافهة. أريد الفرح والسعادة، أريد الضحك، وأريد أن أكون مع من أحب".
وماذا يمكن للمرء أن يطلب أكثر من ذلك؟ ربما لا شيء سوى جائزة الأوسكار.
بدأ عرض فيلم "العميل السري" في دور السينما البريطانية في 20 فبراير (شباط).
© The Independent