ملخص
سجل اليوم الأول للحرب سقوطاً لتلك الأجسام داخل كل من أرياف درعا والقنيطرة في الجنوب السوري، وداخل البادية جنوب شرقي المنصورة في ريف الرقة، بينما راقب الشارع الدمشقي بحذر شديد الانفجارات المتتالية للدفاعات الإسرائيلية، وهي تصد الهجوم الإيراني الناري.
أخيراً اشتعل فتيل الحرب المرتقبة الأميركية - الإيرانية، وسرعان ما امتد لهيبها منذ الساعات الأولى تاركة تأثيرها في الجوار بعدما تأثرت البلاد ببارود الصواريخ المتساقطة أو الطائرات المسيرة التي تهاوت أثناء تحليقها بنيران الدفاعات الجوية، بينما شخصت الأبصار إلى السماء حيث شاهد السوريون الأجسام الفولاذية تشتعل وتتهاوى المسيرات بعدما تحولت إلى كتل من لهب.
وسجل اليوم الأول للحرب سقوطاً لتلك الأجسام داخل كل من أرياف درعا والقنيطرة في الجنوب السوري، وداخل البادية جنوب شرقي المنصورة في ريف الرقة، بينما راقب الشارع الدمشقي بحذر شديد الانفجارات المتتالية للدفاعات الإسرائيلية، وهي تصد الهجوم الإيراني الناري.
في غضون ذلك أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السوري إغلاق الممرات الجوية الجنوبية أمام حركة الطائرات بصورة موقتة، وجاء ضمن بيان لها "هذا الإجراء يأتي حرصاً على ضمان أعلى معايير السلامة الجوية"، وأوضحت اعتماد مسارات بديلة تضمن انسيابية الحركة، واستمرارية العمليات التشغيلية.
فرط القوة المفقود
ومن المتوقع أن تشن إيران هجمات محدودة تبعاً لمعلومات استخباراتية في أعقاب تغير الواقع العملياتي والميداني للقوات الأميركية، لكن ما زالت قاعدة "الرميلان" الواقعة في محافظة الحسكة بين تل تمر وتل بيدر، والمتوضعة في جنوب الطريق الدولي (أم 4)، الهدف الأكثر إثارة للصواريخ الإيرانية، من دون أن تشيح النظر عن مطار "المزة" العسكري في العاصمة السورية دمشق، حيث يشهد نشاطاً أميركياً خفياً مع ما يدور حول تحويله إلى قاعدة عمليات للولايات المتحدة، وتشير المعلومات الأولية إلى انخفاض عدد الجنود الأميركيين إلى أقل من ألف جندي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يلفت السياسي والباحث الأكاديمي في العلوم السياسية وصناعة السياسات العامة وائل مرزا النظر إلى بقاء الشرق السوري، خصوصاً دير الزور والبوكمال والميادين، المجال التقليدي لنشاط شبكات مرتبطة بإيران بحكم الاتصال اللوجيستي مع العراق، وهو ما يجعل المنطقة مرشحة لمحاولات مشاغلة، أو رسائل ميدانية ضد المصالح الأميركية، ومع تصاعد الضغط على إيران قد تسعى بعض هذه الشبكات إلى إظهار أن المواجهة لن تبقى محصورة جغرافياً، ولكن هذه الإمكانية باتت أضعف بكثير مما كانت عليه خلال أعوام سابقة، لأن البيئة التي سمحت لهذه المجموعات بالعمل تآكلت جذرياً.
ويضيف "تراجعت قدرة هذه الميليشيات على تهديد المصالح الأميركية لسببين حاسمين، التفوق الجوي النوعي والضربات الاستباقية التي دمرت معظم بنيتها اللوجيستية، والتحول السياسي المحلي بعد صعود الدولة السورية الجديدة، حيث بدأت الحواضن العشائرية شرق الفرات تنفض عن الولاء لطهران مفضلة الانخراط في الدولة الوطنية، وفي هذا الواقع فإن أي نشاط ميليشيوي واسع سيكون أقرب إلى انتحار تكتيكي يهدف إلى تخفيف الضغط عن المركز الإيراني أكثر من كونه تهديداً عملياتياً حقيقياً، مما يجعل الاحتمال الأرجح هو تحرشات محدودة أو عمليات إزعاج لا تصعيداً واسعاً".
محاولات مشاغبة
وسبق أن خاضت القوات الأميركية والإسرائيلية هجوماً متبادلاً مع الجيش الإيراني في حرب أطلق عليها حرب الـ12 يوماً خلال يونيو (حزيران) 2025، في تصعيد خطر انعكس على الأجواء السورية.
وفي وقت قريب تسلمت وزارة الدفاع قواعد عسكرية من القوات الأميركية وآخرها "قسرك"، مع حفاظها على عدد محدود جداً بهدف انتقال مدروس وانسحاب كامل عقب دخول دمشق في التحالف الدولي لمكافحة "داعش" خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.
وفسر مراقبون الانسحاب من القواعد وقتها بأنه يندرج في إطار إتاحة المجال للقوات الحكومية السيطرة على الشمال الشرقي، بالتوازي مع تعمد الولايات المتحدة سحب قواتها إلى العراق تحضيراً للهجمات على إيران، ولكي لا تترك هذه النقاط والقواعد بحال هشة وعرضة لضربات جوية إيرانية أو هجمات برية، وكانت القوات الأميركية انسحبت من قرابة 28 قاعدة ونقطة عسكرية خلال العام الماضي ومطلع العام الحالي.
ويشرح الباحث السياسي مرزا أن الحرب الحالية لا تعيد سوريا إلى دائرة التبعية، وإنما تسرع تفكيك ما تبقى من خلايا أو جيوب مرتبطة بطهران، وتمنح الدولة السورية الجديدة فرصة لتثبيت احتكارها للعنف الشرعي واستعادة المجال الوطني بدعم (عربي – تركي) واضح، في هذا المعنى تتحول سوريا من ساحة نفوذ إلى ساحة حسم لنهاية مرحلة إقليمية كاملة.
ويردف قائلاً "هذا التحول الإيجابي لا يلغي حساسية التأثر، لأن موقع سوريا الجيوسياسي يجعلها مجال تماس بين مسارح الصراع، فأي تصعيد أميركي– إسرائيلي مع إيران يرفع احتمال محاولات استخدام المجال السوري كمساحة رسائل أو إزعاج عبر شبكات أو تهريب أو خلايا، لذلك يتحدد أثر الحرب على سوريا وفق معادلة مزدوجة، فما يجري هو من جهة فرصة تاريخية لإنهاء الممر الإيراني نحو المتوسط وتحويل سوريا إلى جسر استقرار يربط العراق بفضائه العربي، ومن جهة أخرى اختبار لقدرة الدولة الجديدة على منع إعادة إنتاج (الأرض المفتوحة) التي استخدمت فيها البلاد لأعوام كساحة صراع إقليمي".
المجال الميداني
وكانت طهران أخلت جميع قواعدها العسكرية في سوريا بعد سحب "الحرس الثوري" مقاتليه خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، مع سقوط نظام بشار الأسد وهربه إلى موسكو، وألحق سقوط دمشق بيد القوات المعارضة المتشددة خسارة كبيرة استراتيجية وجيوسياسية بإيران، إذ كانت تتموضع شرق البلاد أكبر القواعد العسكرية ومستودعات تخزين الصواريخ، فضلاً عن ممرات نحو الجنوب السوري ومنه إلى حلفاء إيران في لبنان.
ويصف مرزا المجال الميداني المتاح لإيران داخل سوريا اليوم بأنه "ضيق ومحصور" مقارنة بالماضي، بعد فقدانها العمق الشبكي الذي كان يوفره النظام السابق، وإذا حاولت الرد عبر الجغرافيا السورية فسيقتصر ذلك على أدوات منخفضة التأثير مثل (حرب العصابات أو المسيرات الانتحارية) المنطلقة من جيوب معزولة في البادية الشرقية أو على امتداد محور الحدود مع العراق، لكن بحسب ما يراه فإن هذه الأدوات ذات أثر محدود لأن البيئة السورية لم تعد مواتية لتصعيد واسع في ظل انتشار الدولة الجديدة والضغط الجوي الأميركي – الإسرائيلي وفقدان الحواضن.
ويرجح خلال الوقت ذاته أن تنتقل الاستراتيجية الإيرانية الأساس للرد خارج سوريا أكثر مما داخله، فالمجال العراقي يظل الأكثر قابلية للتشغيل نظراً إلى بقاء نفوذ طهران السياسي والأمني هناك، بينما قد يستخدم المجال البحري لتعطيل الملاحة الدولية بعيداً من الجغرافيا السورية التي فقدتها تدريجاً.
وأضاف "أما داخل سوريا، فقد تقتصر محاولات الإزعاج على خلايا عابرة للحدود أو محاولات رمزية لاستهداف مواقع مرتبطة سابقاً بالوجود الأميركي مثل محيط التنف، بهدف إحراج واشنطن إعلامياً أكثر من تحقيق تأثير ميداني حقيقي، بعبارة أخرى، سوريا لم تعد منصة رد إيراني مريحة، وإنما ساحة خسرتها طهران مع صعود الدولة الجديدة".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرر عام 2019 سحب قوات بلاده من سوريا أواخر ولايته الأولى، لكن القرار لاقى معارضة من البنتاغون ليعود مجدداً لتنفيذ هذا القرار، وبالفعل وضعت وزارة الحرب خطة لسحب القوات خلال 30 يوماً، وتمكنت من تسليم هذه القواعد وكان أكبرها "التنف" و"الشدادي" و"قسرك" وغيرها إلى الحكومة بعد انتهاء دورها، وانتقال واشنطن إلى نوع جديد من التحالف مع سوريا بعيداً من المجال العسكري، وبلا شك لتفويت أية فرصة تستخدمها طهران لضرب مواقع أميركية في بلد تعرف تفاصيله جيداً خلال عقد الحرب الماضية.