ملخص
أمام أسئلة حول ما إذا كان تحالف نتنياهو "المرتقب" قد يكون مجرد "تنسيق أمني ودبلوماسية متبادلة"، أم اتفاقية "تحالف فعلية"، في ضوء التعقيدات والحسابات المتباينة على المستويات الثنائية والإقليمية، يبقى السعي الإسرائيلي في محاولة تجميع عدد من الدول ضمن شبكة تنسيق أمني – عسكري واستخباراتي، تتكامل فيها منظومات الدفاع الجوي، وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والممرات اللوجيستية، موضع نقاش، وفق كثير من المراقبين.
أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تشكيل ما وصفه "تحالف سداسي" لمواجهة "محاور سنية وشيعية راديكالية" في المنطقة مزيداً من النقاشات في شأن معادلات القوة والنفوذ في الشرق الأوسط ومساعي البعض إلى إعادة تشكيلها في توقيت تتقاطع فيه حسابات الحرب والسلام بحثاً عن تحديد "صورة جديدة" للأطر الأمنية والسياسية في النظام الإقليمي.
"التحالف السداسي" الذي كان عنواناً بارزاً خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل الأربعاء الماضي، حيث اصطفاف نيوديلهي كحليف استراتيجي لتل أبيب، أعاد إلى الأذهان حديث قديم متجدد في شأن مساعٍ "لم تكتمل" لتشكيل تحالفات، وإن كانت تحت تسميات ومرتكزات مختلفة، وعكس بتشكيلته (يضم الهند وقبرص اليونان إلى جانب دول عربية وأفريقية إلى جانب تل أبيب) محاولة إسرائيل إعادة هندسة شبكة تحالفاتها الإقليمية في لحظة "سيولة استراتيجية غير مسبوقة في الشرق الأوسط"، وفق ما يقول مراقبون.
وأمام تلك المتغيرات فتح "حلف نتنياهو" الباب أمام مزيد من الأسئلة في شأن قدرة تل أبيب على التجاوز بمفاعيل ذلك الحلف البعد الدعائي إلى محاولة تأسيس "إطار أمني وتحالف متعدد الأطراف" يعيد ترتيب خرائط الاصطفاف وموازين القوة في الإقليم، أم أن الإقليم أمام شبكة من التفاهمات الأمنية والعسكرية الموقتة في ظل استمرار الانخراطات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة في بؤر التوتر بالشرق الأوسط؟ وإلى أي مدى يمكن أن ينعكس هذا التحالف على أدوار الدول المركزية في المنطقة؟
أهداف وغايات الحلف
وفق ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فإن هناك مساعي لتشكيل ما وصفه بـ"تحالف" إقليمي في مواجهة ما اعتبره "محاور سنية وشيعية"، قائلاً إنه يعمل على إقامة "منظومة كاملة أشبه بسداسي تحالفات حول الشرق الأوسط أو داخله، تضم الهند ودولاً عربية وأفريقية، إلى جانب اليونان وقبرص ودول آسيوية أخرى" لم يسمها.
وادعى نتنياهو أن الهدف "إنشاء محور من الدول التي ترى الواقع والتحديات والأهداف بعين واحدة، في مقابل المحاور الراديكالية (متشددة) التي تتضمن المحور الشيعي، الذي وجهنا له ضربات قوية جداً، وكذلك المحور السني الراديكالي الآخذ بالتشكل"، على حد وصفه، مضيفاً أن التعاون مع هذه الدول، في حال انضمامها إلى التحالف، يمكن أن "يثمر نتائج كبيرة ويضمن متانة إسرائيل ومستقبلها".
وبينما لم يصدر أي تعليق، سواء بالتأييد أو الرفض من الدول المعنية التي أشار إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي، تباينت رُؤى المراقبين ممن تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" في شأن أهداف وغايات هذا الحلف، من دون استبعاد أن يكون جزءاً من صورة "الشرق الأوسط الجديد" التي تحدث عنها مراراً نتنياهو لتأمين مصالح الدولة العبرية الاقتصادية والأمنية، وإعادة رسم الصراع الإقليمي بما يخدم أهدافها، مرجحين في الوقت أن تدفع التعقيدات والتحديات في الإقليم هذا الحلف ليكون "تنسيقاً أمنياً موقتاً ودبلوماسية متبادلة وليس اتفاقية تحالف فعلية".
وفي رأي رئيس أركان الحرب الكيميائية السابق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية اللواء محمد الشهاوي فإن "التحالف الذي أعلن عنه نتنياهو لمواجهة ما سماه محاور راديكالية سنية وشيعية معاً، يعكس محاولة إسرائيل لإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية للمنطقة عبر شبكة تحالفات تمتد من جنوب آسيا إلى شرق المتوسط"، موضحاً في حديثه معنا أن "الهدف من هذا التحالف هو تأمين خطوط الملاحة في البحر الأحمر وشرق المتوسط وتعزيز وضع إسرائيل كمركز إقليمي".
وذكر الشهاوي أن وجود مثل هذه التحالفات العابرة لدول المنطقة في حال ظهورها للنور "قد يؤدي إلى إعادة ترتيب الأولويات الدولية في الشرق الأوسط، حيث تتقدم ملفات الأمن والطاقة والتجارة على حساب قضايا أخرى مصيرية كالقضية الفلسطينية، وهو ما يثير مخاوف من تكريس واقع سياسي جديد يقوم على إدارة الصراع بدلاً من حل الصراع".
ويقول رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية خالد شنيكات أيضاً إن "مسألة التحالفات دائماً ترتبط بحالة عدم الاستقرار والحرب، بمعنى آخر انتفاء التعاون وتنامي فكرة التنافس والصراع"، مضيفاً في حديثه معنا، "بالنسبة إلى نتنياهو هو يعتقد دائماً وفق تحليل شخصيته أنه يميل للصراع، ويرى أنه يعمل في بيئة معادية، بالتالي يتبنى فكرة الأحلاف، سواء في صورتها السرية أو العلنية في محاولة لفرض السيطرة والقوة على المنطقة"، مشيراً إلى تباهييه المستمر بتحالف بلاده مع الولايات المتحدة الأميركية بما يضمن له التفوق العسكري على الدول العربية وغير العربية بالمنطقة.
وذكر شنيكات، "على رغم أن عودة فكرة التحالفات إلى المنطقة تقود إلى مزيد من حالات عدم الاستقرار، وربما مزيد من التصعيد والعسكرية، فإنها تنسجم وفكر نتنياهو في شأن الحروب والتهديد باستخدام القوة"، معتبراً أنه يرى أن "مستقبل المنطقة قائم على الهيمنة وأنه لا بد أن يسيطر على أجندتها ويوجهها، وهذا ما يفسر طوال وقت نهجه وتحركاته".
في المقابل يقلل مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير معصوم مرزوق من مدى جدية مثل هذا التحالف، قائلاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "تعددت في الفترة الأخيرة الاقتراحات والمحاولات لوضع أطر سواء أمنية أو اقتصادية تضم مجموعات مختلفة من دول الشرق الأوسط"، مضيفاً "الحقيقة أن تعدد هذه التسميات يذكرني بالمثل القائل إن تعدد الوصفات يفسد الطبخة".
ورأى مرزوق في توقيت ودلالات إعلان نتنياهو تعكس "محاولته المستمرة لإثارة ستارة كثيفة من الدخان للإخفاء على الجرائم التي ارتكبها، سواء في الأراضي الفلسطينية أو دول المنطقة كسوريا ولبنان، والتي قد تتوسع فيما بعد"، مضيفاً "هناك عديد من الأطر سواء السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية التي أعلن عنها في المنطقة، كما الحال بالنسبة إلى مجلس السلام أو التحالف الإبراهيمي أو السداسي الآن، وفي رأيي إن كل هذه التحركات ما هي إلا مساعٍ لإخفاء جرائم ترتكبها دولة واحدة وبمساعدة الولايات المتحدة الأميركية، في منطقة الشرق الأوسط بغرض بداية أو الإعلان عن بداية الحقبة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، والتي تعني في النهاية في الوجه المقابل استبعاد جميع شعوب المنطقة، سواء العربية أو التركية أو الإيرانية".
في الاتجاه ذاته رأى حسن نافعة المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن غايات وأهداف التحالف الذي أعلن عنه نتنياهو تأتي في إطار "سعي الأخير إلى إظهار إسرائيل كدولة طبيعية وغير معزولة بعد حرب الإبادة في غزة التي استمرت عامين، وعليه يحاول إرسال الرسائل، سواء للداخل أو الخارج، بقدرته على صياغة تحالفات وشراكات جديدة"، موضحاً في حديثه معنا "في وقت من الأوقات كان هناك حديث مكثف عن تحالف ضد إيران وما يشبه (الناتو العربي) أو الشرق الأوسطي، لكنه لم يحدث، والأمر ذاته قد ينطبق على ما يسميه نتنياهو الحلف السداسي".
فرص وعقبات التشكل
أمام أسئلة حول ما إذا كان تحالف نتنياهو "المرتقب" قد يكون مجرد "تنسيق أمني ودبلوماسية متبادلة"، أم اتفاقية "تحالف فعلية"، في ضوء التعقيدات والحسابات المتباينة على المستويات الثنائية والإقليمية، يبقى السعي الإسرائيلي في محاولة تجميع عدد من الدول ضمن شبكة تنسيق أمني – عسكري واستخباراتي، تتكامل فيها منظومات الدفاع الجوي، وتتشابك فيها المصالح الاقتصادية والممرات اللوجيستية، موضع نقاش، وفق كثير من المراقبين.
ويقول المتخصص العسكري والاستراتيجي اللبناني العميد سعيد قزح إن الحديث عن "التحالف السداسي" الذي أطلقه نتنياهو "ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو محاولة لإعادة صياغة تموضع إسرائيل الإقليمي والدولي في ظل متغيرات جيوسياسية حادة"، موضحاً في حديثه معنا أن "نتنياهو يسعى من خلال هذا الطرح إلى دمج عدة مسارات في إطار واحد، وهي "المسار الآسيوي (الهند): تعميق الشراكة مع الهند كقوة صاعدة ومستورد رئيس للسلاح الإسرائيلي، مع تعزيز التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، والمسار المتوسطي (اليونان وقبرص)، وبناء حائط صد في شرق المتوسط يركز على أمن الطاقة (الغاز) والتعاون العسكري، وهو محور موجه بصورة غير مباشرة بوجه تركيا، والمسار العربي والأفريقي: محاولة لإحياء الاتفاقات الإبراهيمية بصيغة أوسع، وضم دول أخرى إليها".
وأعرب قزح عن اعتقاده أن "هذا التحالف تعترضه التناقضات بين الدول التي ذكرها نتنياهو، فالهند مثلاً تحافظ على علاقات متوازنة مع إيران ولن تضحي بها كلياً من أجل إسرائيل. كذلك اليونان وقبرص تهتمان بالأمن المائي أكثر من الدخول في صراعات إسرائيل المباشرة. وهناك الحرج السياسي الكبير الذي سببته الحرب في غزة والتوترات في الضفة يجعل انضمام دول عربية جديدة علناً في تحالف مع إسرائيل أمراً شديد الصعوبة حالياً".
من جانبه يقول اللواء محمد الشهاوي في شأن واقعية هذا الحلف إن "نجاح التحالف وبلورة الفكرة يعتمدان بصورة رئيسة على استعداد الدول المعنية لتحويل التصريحات لالتزامات عملية، وأن المعادلات الإقليمية لا تختزل في ثنائية سني - شيعي"، مضيفاً أن "التحالفات بصورة عامة تتشكل وفق المصالح المتغيرة، وعلى رغم أن هذا التحالف يعكس تحولات عميقة في الرؤية الإسرائيلية لطبيعة الصراع وترتيبات الأمن الإقليمي، فإن نجاحة غير مؤكد على الإطلاق".
في الاتجاه ذاته اعتبر السفير معصوم مرزوق أن "مسمى التحالف السداسي سيكون مجرد كيس معبأ بالهواء الفارغ مثل أكياس أخرى من البالونات التي تحلق الآن في سماء الشرق الأوسط"، في إشارة إلى تسميات مجلس السلام والتحالف الإبراهيمي والمؤتمر الاقتصادي لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، معتبراً أن كل هذه التسميات "بالونات ملونة دأبت الدولة العبرية على استخدامها للفت الانتباه عن جرائمها التي ترتكبها في المنطقة وجرائم أخرى يتم التخطيط لارتكابها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب حسن نافعة فإن "الحديث غير المكتمل في شأن التحالف من قبل نتنياهو يعكس أن التصريحات موجهه بصورة أكبر للداخل الإسرائيلي مع اقتراب الانتخابات، فضلاً عن بعض الرسائل إلى الولايات المتحدة"، مضيفاً "في تأكيد نتنياهو على وجود الهند مع زخم الضيافة خلال استقباله لرئيس الوزراء مودي، فهو يرغب في القول إن تحركه مع الهند يهدف إلى احتواء الصين عبر الربط بين الهند وأوروبيا من خلال الشرق الأوسط، وهي مصلحة أميركية، وسعت واشنطن إلى هذا الأمر قبل سنوات إلا أن المشروع تعطل بسبب التطورات التي شهدتها المنطقة". وتابع في شأن ما إذا كان هذا الحلف قد يتحول إلى "تحالف حقيقي"، بالقول "أشك في ذلك، لا سيما مع ما تم طرحه سابقاً من أطر كثيرة، سواء أمنية أو اقتصادية ولكن لم يكتب لها النجاح، وكانت أشد ترابطاً وحضوراً من هذا الحلف الذي يسميه نتنياهو (السداسي)".
ماذا عن تعاطي دول المنطقة؟
في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات كثيفة على مستويات عدة، سواء بصورة تفاعلات ثنائية أو متعددة الأطراف، يُنظر مع كل تطور كبير إلى الدول الفاعلة في الشرق الأوسط وكيفية تعاطيها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. وأمام ما يعتبره كُثر، إصرار إسرائيل على فرض معادلات جديدة للقوة والتأثير، وإن بصيغ متباينة، يمثل ما سماه نتنياهو "التحالف السداسي"، صيغة جديدة قد تضيف مزيداً من التعقيد على المشهد الإقليمي.
وحول تأثير هذا الأمر على الدول الكبرى كما هي الحال بالنسبة إلى السعودية ومصر وتركيا، أعرب السفير معصوم مرزوق عن اعتقاده أن "غالب الدول في المنطقة الكبرى تدرك حقيقة تلك التحولات انطلاقاً من إدراكها أنها ستكون ضحية إن لم تنتبه لما يخطط ضد مصالحها الاستراتيجية على المدى البعيد"، مشيراً إلى أن مثل هذه الخطوات تستدعي تحركات مكثفة على مستويات عدة بوسائل مختلفة.
من جانبه يقول حسن نافعة إن "أزمة المنطقة الراهنة تكمن في الفراغ الاستراتيجي مع عدم تعاون الأطراف الفاعلية بصورة استراتيجية ومتعددة للحفاظ على المصالح الاستراتيجية لدولها"، مضيفاً "لدى إسرائيل أطماع في منطقة الشرق الأوسط، وعلى الدول الكبرى أن تتحرك باتجاه طرح رؤية استراتيجية مضادة".
بدوره أوضح خالد شنيكات أن تشكل مثل هذه التحالفات أو حتى مجرد الإعلان عنها، يعني "تطابق رُؤى الدول المنخرطة مع إسرائيل والولاء المتبادل"، مضيفاً "يُضفي حرص الدولة العبرية على العمل على أجندة تعيد صياغة المنطقة وفق رُؤاها ومصالحها، مزيداً من المسؤولية على الدول الإقليمية الكبرى للعمل في الاتجاهات المضادة، وإلا فإن المنطقة متجهة نحو مزيد من التأزم وعدم الاستقرار".
ويقول مراقبون إن تأثير المحور المزعوم لا يقاس فقط بعدد أعضائه المفترضين، بل بقدرته على الصمود أمام تباين حسابات العواصم المعنية، فبينما ترى بعض الدول في التقارب مع إسرائيل فرصة لتعزيز أمنها في مواجهة تهديدات إقليمية، تتحفظ أخرى على الانخراط في اصطفاف قد يجرُّها إلى مواجهة مفتوحة أو يضعها في مواجهة رأي عام داخلي رافض.