ملخص
يعرض التقرير الجدل حول إيداع العراق إحداثيات بحرية جديدة، بوصفه خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية متداخلة، وسط تأكيد خبراء أن الوضع القانوني للحدود محسوم، وأن الدبلوماسية تبقى المسار الأمثل لتجنب تصعيد يمس الاستقرار الإقليمي.
منذ أيام، دخل ملف الحدود البحرية بين العراق والكويت دائرة الضوء مجدداً، بعدما أودعت بغداد قائمة إحداثيات وخارطة بحرية جديدة لدى الأمم المتحدة، في خطوة فجرت موجة متتالية من البيانات والمواقف اليومية، وأعادت فتح نقاش قديم حول السيادة والشرعية والحدود. فبين احتجاج كويتي رسمي، وتأكيدات خليجية على التمسك بقرارات الأمم المتحدة، وتفسيرات عراقية متباينة، خرج الملف من إطاره الفني الضيق إلى ساحة سياسية وقانونية أوسع، تختلط فيها حسابات الجغرافيا مع رهانات الموانئ ومشاريع التنمية ومسارات النفوذ الإقليمي.
وفي محاولة لفهم الصورة الكاملة، يقدم محللون قراءات متعددة لما وراء التوقيت والدلالات، وحدود القيمة القانونية للخطوة العراقية، وما إذا كانت تمهد لنزاع طويل الأمد أم تبقى في إطار الضغط والمناورة السياسية؟
مناورة سياسية
أكد المحلل السياسي الكويتي والباحث في شؤون الخليج محمد الرميحي، في تصريح لـ"اندبندنت عربية" أن قراءة التطورات المرتبطة بإيداع العراق قائمة إحداثيات وخارطة بحرية لدى الأمم المتحدة يجب أن تنطلق من سؤال التوقيت قبل أي شيء آخر.
وقال، إنه يميل إلى الاعتقاد بأن الصورة الأوسع تكمن في التساؤل: لماذا قدمت هذه الإحداثيات في هذا الظرف تحديداً؟
وأوضح الرميحي أن العراق يعيش حالة انسداد سياسي واضح، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية هي حكومة تصريف أعمال، ولا يوجد رئيس جمهورية منتخب ولا رئيس وزراء مكتمل الصلاحيات، مما يعكس حالة فراغ سياسي. وتساءل: ما الدافع لاتخاذ خطوة بهذا الحجم في ظل هذا الواقع الداخلي؟
وذكر أن بعض العشائر في جنوب العراق أصدرت بيانات تنديد تجاه الكويت، معتبراً أن تفسير الحدث سياسياً يرتبط بسياق إقليمي أوسع، لا سيما في ظل الصراع الأمريكي– الإيراني. وقال، إن المؤشرات توحي بأن الإيرانيين ربما أرادوا توجيه رسائل غير مباشرة للأميركيين عبر إظهار القدرة على تحريك بؤر توتر هنا وهناك، سواء في لبنان عبر "حزب الله"، أو في ملف الحدود بين الكويت والعراق، لإيصال رسالة مفادها أنهم قادرون على زعزعة الأمن ليس فقط في شرق المتوسط، بل أيضاً في الخليج ذي الحساسية الاقتصادية والسياسية العالية.
وأضاف أن هذا التفسير يبدو الأقرب لفهم مسألة التوقيت، أكثر من كونه نزاعاً قانونياً حقيقياً.
وفي ما يتعلق بالوضع القانوني، شدد الرميحي على أن الخطوة العراقية لا تستند إلى أساس قانوني ملزم، موضحاً أن الأمم المتحدة تحتفظ بالوثائق التي تودع لديها من دون أن يعني ذلك إقراراً أو تبنياً لمضمونها. وأشار إلى أن الحدود العراقية-الكويتية حسمت بقرارات مجلس الأمن منذ أكثر من عقدين، ومن ثم فإن سحب العراق لهذه الأوراق أو عدم سحبها لا يغير من الوضع القانوني القائم، ولا يمنحها قيمة قانونية مؤثرة.
وأكد الرميحي أن رد مجلس التعاون الخليجي عكس صلابة المجلس تجاه التحديات الخارجية، ورفضه القاطع لأي استفزاز يمس أي دولة من دوله. وختم بالقول إن ما يجري لا يعدو كونه مناورة سياسية تفهم في إطار التوازنات الإقليمية، وأن فهمها في سياقها السياسي كفيل بإبطال مفعولها.
وجهة نظر عراقية
أكد السياسي العراقي والنائب السابق الدكتور ظافر العاني أن إيداع الإحداثيات البحرية لدى الأمم المتحدة يمثل إجراءً دبلوماسياً لا يترتب عليه أثر قانوني ملزم بحد ذاته، لكنه يعكس وجهة نظر الحكومة العراقية، وقد يفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد لتسوية ملف الحدود بصورة عادلة ونهائية.
وأوضح العاني أن ملف الحدود مع دولة الكويت يظل من القضايا الحساسة في الوعي العراقي، خصوصاً في ظل تراكمات سياسية أسهمت عبر سنوات في تكوين شعور عام بالغبن، ولا سيما في ما يتعلق بالحدود البحرية، لافتاً إلى أن العراق يمتلك منفذاً مائياً محدوداً، ما يضفي على القضية بعداً سيادياً واقتصادياً في آن واحد.
وأشار إلى أن العلاقات بين بغداد والكويت شهدت خلال الأعوام الماضية تطوراً إيجابياً وتعاوناً متنامياً، مستبعداً أن يؤدي إيداع الإحداثيات إلى إحداث تراجع جوهري في تلك العلاقات، مؤكداً أن الروابط الثنائية أعمق من أن تتأثر بإجراء دبلوماسي قابل للنقاش والمعالجة عبر القنوات الرسمية.
وشدد العاني على أن الحوار والمفاوضات السلمية يظلان الخيار الأمثل لمعالجة أي خلاف، حتى وإن استدعى الأمر اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، بما يصدر عنها من أحكام باتة وملزمة للطرفين، تسهم في إنهاء الجدل وفق الأطر القانونية الدولية.
وأضاف مؤكداً حرص العراقيين على صون علاقاتهم مع الكويت ودول الخليج، داعياً دول مجلس التعاون إلى الاضطلاع بدور فاعل في تهدئة الأجواء وطرح مبادرات دبلوماسية متوازنة ترضي الطرفين، ومشدداً على أن المنطقة ليست بحاجة إلى أزمة جديدة تعكر استقرارها.
الدبلوماسية أولاً
في قراءة قانونية لمسار التعامل مع الخلاف البحري بين العراق والكويت، يرى المستشار السياسي البحريني أحمد الخزاعي أن أي معالجة رشيدة لملف الإحداثيات المودعة لدى الأمم المتحدة يجب أن تنطلق من المرجعية القانونية الدولية، بعيداً من التصعيد السياسي أو الخطوات الأحادية. ويؤكد أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تمثل الإطار الناظم لترسيم الحدود البحرية وآليات إيداع البيانات والاعتراض عليها، بما يوفر مسارات واضحة لتسوية النزاعات وفق قواعد الشرعية الدولية.
وأوضح الخزاعي أن الاتفاقية تمنح الدول الحق في إيداع إحداثياتها، لكنها في الوقت ذاته تتيح للدول الأخرى تقديم اعتراضات أو تحفظات، مما يعني أن الخلاف يجب أن يدار أولاً عبر القنوات الدبلوماسية الثنائية أو الجماعية، استناداً إلى نصوص الاتفاقية التي تشجع على التشاور والتفاوض قبل الذهاب إلى مسارات قانونية تصعيدية. واعتبر أن هذا الفهم يمنح وزناً لتصريحات الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي الداعية إلى معالجة المسألة ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية.
وأشار إلى أنه في حال تعذر التوصل إلى تسوية عبر الحوار المباشر، فإن الاتفاقية نفسها تنص على آليات لفض النزاع، من بينها اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) أو إلى محكمة العدل الدولية إذا اتفقت الأطراف المعنية. وأكد أن هذه المسارات القضائية توفر الحياد والشرعية، لكنها تتطلب موافقة الأطراف، مما يجعل الدبلوماسية التوافقية الخيار الأكثر مرونة في المراحل الأولى، بخاصة في سياق مجلس التعاون الذي يفضل الحلول التوافقية حفاظاً على وحدة الموقف الإقليمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف أن خيار التحكيم الدولي يبقى متاحاً إذا فشلت المسارات الدبلوماسية، سواء عبر تشكيل هيئة تحكيم خاصة أو وفق قواعد الأمم المتحدة، موضحاً أن هذا المسار يفضي إلى حكم ملزم قانونياً، لكنه قد يحمل أخطاراً سياسية إذا رأى أحد الأطراف أن النتيجة لا تخدم مصالحه. لذلك شدد على أن التحكيم ينبغي أن يكون خياراً احتياطياً بعد استنفاد الوسائل الدبلوماسية، وأن يدار الملف بروح مؤسسية توازن بين الشرعية القانونية والمصالح الاستراتيجية للدول المعنية. وعد أن المعطيات الراهنة توحي بأن التحركات العراقية الأخيرة تفتقر إلى مؤشرات حسن النوايا في إدارة الملف.
وفي ما يتعلق بكيفية استجابة العراق لدعوة سحب الإحداثيات، أوضح الخزاعي أن بإمكان بغداد تبني خطاب قانوني ودبلوماسي يبين أن هذه الخطوة تأتي انسجاماً مع التزامها باتفاقية قانون البحار وقرارات الأمم المتحدة، وليس تنازلاً عن حقوق وطنية. وبين أن هذا الطرح يسمح للحكومة العراقية بتقديم القرار داخلياً بِعدِه تعبيراً عن احترام الشرعية الدولية وتعزيز صورة الدولة المسؤولة، مما يقلل من احتمالات الانتقاد السياسي.
وأكد أن الاستجابة الإيجابية ستعزز الثقة مع الكويت ودول مجلس التعاون، وستفهم كإشارة إلى رغبة العراق في تجاوز الملفات الخلافية وفتح صفحة تعاون جديدة، بعيداً من التوترات التي قد تستغلها أطراف خارجية لإضعاف الموقف الجماعي. وختم بالقول إن سحب الإحداثيات سيغلق الباب أمام أي تصعيد أو انتقال للملف إلى ساحات قضائية دولية قد تضع العراق في موقف حرج، محققاً توازناً بين حفظ ماء الوجه داخلياً وتعزيز المصداقية خارجياً، بما يخدم الاستقرار الإقليمي ويؤكد التزام بغداد القانون الدولي.
الواقع الجغرافي
يقول المحلل السياسي الكويتي عبدالله خالد الغانم لـ"اندبندنت عربية"، إن فهم التجاذبات البحرية بين الكويت والعراق يتطلب الانطلاق من الواقع الجغرافي الذي حكم العلاقة بين البلدين تاريخياً، مشيراً إلى أن هذا التوزيع الساحلي ظل عاملاً حاضراً في أزمات متكررة امتدت من مراحل سياسية مبكرة وصولاً إلى التطورات الراهنة.
ويضيف الغانم أن العراق يعد دولة واسعة جغرافياً لكنها محدودة ساحلياً، إذ لا يتجاوز طول ساحله نحو 57–58 كيلومتراً، ويعاني جزء كبير منه من الطمي، مما يقلل قدرته على استقبال السفن ذات الغاطس الكبير، في حين تتمتع الكويت بساحل أطول نسبياً مقارنة بمساحتها الجغرافية. ويرى أن هذا الواقع يجعل حركة الملاحة المتجهة إلى الموانئ العراقية تمر عملياً عبر المياه الكويتية، وهو ما يضع العراق في وضع جغرافي يقترب من حالة "شبه حبيسة".
وفي ما يتعلق بالجدل حول ميناء مبارك، يشير الغانم إلى أن بعض الطروحات الإعلامية العراقية تتهم الكويت بالتسبب في خنق العراق ساحلياً، مؤكداً أن هذا التوصيف غير دقيق، إذ تسمح الكويت بحسب قوله بمرور السفن العراقية التجارية وغير التجارية عبر مياهها من دون مقابل أو تفتيش، بما يمكن الموانئ العراقية من العمل واستيعاب احتياجاتها التشغيلية.
مزاعم السيادة البحرية
ويتابع الغانم أن المرحلة الحالية تشهد ظهور مطالبات عراقية جديدة تتعلق بمناطق مائية كويتية، من بينها فيشت العيج وفيشت القيد، موضحاً أن وضع هذه المناطق استقر تاريخياً باعتبارها ضمن المياه الكويتية. ويرى أن هذه المطالبات، في حال تثبيتها، قد تؤدي إلى توسيع النطاق البحري العراقي على حساب المياه الكويتية، بما يمنح بغداد امتداداً أكبر في مياهها الإقليمية والاقتصادية وصولاً إلى عمق جون الكويت والخليج.
ويضيف أن هذا الامتداد المحتمل قد يفتح المجال أمام مشاركة عراقية في موارد طاقية قائمة في المنطقة، بما في ذلك حقل الدرة، وبعض الحقول الواقعة ضمن المنطقة المغمورة المشتركة بين الكويت والسعودية، وهو ما يمنح النزاع بعداً اقتصادياً يتجاوز مسألة ترسيم الحدود البحرية.
ويربط الغانم بين هذه التطورات وسعي العراق إلى تشغيل ميناء الفاو ودمجه ضمن مشروع "خط التنمية"، بحيث تتمكن السفن المتجهة إلى الميناء من الوصول إليه من دون المرور عبر المياه الكويتية، استناداً إلى التصور العراقي الجديد للحدود البحرية.
ويشير في هذا السياق إلى أن رفض العراق سابقاً مشروع الربط السككي مع الكويت، إضافة إلى الاتفاق الرباعي المعلن في أبريل (نيسان) 2024 بين العراق والإمارات وقطر وتركيا بشأن ميناء الفاو وخط التنمية من دون إشراك الكويت، يعكسان، بحسب تقديره، توجهاً نحو تقليص الدور الكويتي في هذه المنظومة اللوجيستية الإقليمية.
ويخلص الغانم إلى أن هذه المعطيات تعكس محاولة لإعادة صياغة الواقع البحري بما يمنح العراق امتداداً أوسع، في وقت يستند فيه الموقف الكويتي إلى اتفاقات ثنائية وقرارات دولية تثبت الوضع القائم للحدود البحرية، مما يجعل الملف مرشحاً لمزيد من الجدل القانوني والسياسي خلال المرحلة المقبلة.