ملخص
في كتاب بعنوان "وبهجة الحياة" صدر حديثاً في باريس عن منشورات فلاماريون (2026)، تقدّم جيزيل بيليكو بالتعاون مع الصحافية جوديت برّينيون، شهادة إنسانية، تستعيد فيها الاعتداءات الجماعية التي تعرضت لها سرّاً على يد زوجها دومينيك بيليكو على مدى تسعة أعوام، بعدما دعا رجالاً اتصل بهم عبر موقع على الإنترنت، إلى اغتصابها وهي فاقدة الوعي في منزلهما الزوجي في مازان جنوب فرنسا.
لم تعِ جيزيل حقيقة ما تعرّضت له إلا عام 2020، حين أوقف زوجها بتهمة تصوير نساء داخل أحد المتاجر المحلية، لتكشف التحقيقات لاحقاً وجود صور توثّق تعرّضها هي نفسها للاغتصاب. وبفعل تناولها الأدوية المهدِّئة والمنومة، كانت تعاني نوبات فقدان للذاكرة، مما أثار مخاوفها من احتمال إصابتها بمرض ألزهايمر.
وعلى رغم أن الشك راودها في إحدى المرات فسألت زوجها عمّا إذا كان يقوم بتخديرها، فإنها صدّقت نفيه، وبقيت غافلة عن حقيقة أنها كانت تُخدَّر وتُغتَصب.
أثناء المحاكمة التي جذبت اهتمام الرأي العام ووسائل الإعلام العالمية، تنازلت جيزيل بيليكو عن حقها في عدم الكشف عن هويتها وأصرت على محاكمة علنية من أجل زيادة الوعي بالاعتداء الجنسي الميسر بالمخدرات وتشجيع ضحايا الجرائم الجنسية على التحدث، وقد أكسبتها شجاعتها هذه دعماً وإعجاباً دوليين، فأصبحت رمزاً نسوياً وظهرت في قوائم النساء الأكثر تأثيراً في العالم.
اعتداءات جنسية
إذاً على توالي 320 صفحة، وبعد انكشاف حقيقة أن زوجها الذي أحبّته منذ الـ10 من عمرها، خانها وخدّرها لأعوام من دون علمها وعرّضها لاعتداءات جنسية متكرّرة على يد عشرات الرجال، تروي جيزيل بيليكو قصتها، من أجل ذاتها أولاً، ومن أجل أن تهبها أيضاً للنساء اللواتي قد يكنّ ضحايا مثلها.
السرد هنا فعل استعادةٍ للذات ومحاولة لتحويل الألم إلى معنى والخبرة الفردية إلى أفق تضامن مع نساء كثيرات. ليس هو استدراراً للشفقة والانتقام، بل لاستعادة امتلاك قصة لم تعد ملك الكاتبة، بغية وضعها في متناول أخريات قد يجدن فيها ما يعينهن على الفهم والنجاة. القصة المروعة التي تعرضت لها جيزيل بيليكو أيقظت في نفسها ألماً صامتاً وحالة من الذهول.
نقرأ على غلاف الكتاب "كيف يمكن فهم ما حدث لي، وما الذي أطلقته محنتي بعد ذلك؟ كان عليّ أن أسير على طول صدعٍ، صدعي أنا، وكبهلوان يمشي على حبلٍ مشدود، عليّ أن أواصل التقدّم، أودّ، من خلال هذا الكتاب، أن أضع كلماتٍ لما اجتزته، أن أقول إنني لم أعد أخاف من الوحدة، وإنني استعـدتُ بهجة الحياة، أن أقول إني حيّة".
منذ الصفحات الأولى، يلفت انتباه القارئ رفض بيليكو أن تُحبس في صورة "الضحية". فهي وإن تعرّضت لجرائم لا تُحتمل، تصرُّ على ألا يُختزل وجودها في هذا الوصف. ولعلها تقول بوضوح إنها لا تريد أن تُعرَّف كـ"امرأة مكسورة"، لكنها بالمقابل تتبنّى موقفاً إنسانياً معقّداً: لا تعميم للكراهية، ولا دعوة إلى الحرب بين الرجال والنساء، وهي باعترافها بخطورة الواقع وبانتشار العنف الجنسي، ترفض أن يتحوّل ذلك إلى إنكار لإمكان العيش بين الرجل والمرأة. انتصارها، كما تصفه، هو قدرتها على أن تحبّ من جديد، وأن تثق بالحياة رغم كل شيء.
تستمدّ بيليكو جزءاً كبيراً من صلابتها من تاريخ شخصي سابق على المأساة التي مرّت بها، فقد فقدت أمها وهي في التاسعة من عمرها بسبب مرض السرطان، تجربة مبكرة علّمتها، كما تقول، أن أقصى الألم قد حدث بالفعل، وأن ما بعده يمكن احتماله.
لهذا السبب أيضاً، حين بدأت تعاني اضطرابات في الذاكرة وحالات غياب عن الوعي متكرّرة، فسّرت الأمر في البداية من خلال هذا الإرث العائلي، وظنّت أنها مصابة بالمرض العضال نفسه. 10 أعوام من الزيارات لعيادات الأطباء سبقت انكشاف الحقيقة: كانت تُخدَّر من دون علمها. هنا، لا يكتفي الكتاب بسرد الوقائع، بل يشرح كيف يعمل الإنكار القسري، وكيف يعجز العقل عن تخيّل "اللامعقول".
السؤال القاسي
يواجه الكتاب، بشجاعة، سؤالاً قاسياً لا يزال يُطرَح على هذه المرأة: "كيف لم تنتبه؟" تردّ بيليكو على هذا السؤال مفككةً الاتهام، مستعرضةً تفاصيل صغيرة ومقلقة بدت في حينها غير قابلة للتأويل الجنائي: طعم غريب في الشراب، بقع مريبة على الملابس، فقدان كامل للذاكرة. حتى حين شكّت وسألت زوجها، قابل شكّها بالبكاء، فشعرت بالذنب واعتذرت.
فكيف يمكن مواجهة هذا القدر من التلاعب الأكثر خبثاً؟ وبصراحة أشد، تردّ أيضاً على من يقولون إنها كان يمكن أن تلاحظ شيئاً في الصباح. نعم، كانت تلاحظ "سائلاً يخرج من جسدها". لكن، مرة أخرى، كيف يمكن تخيّل ما كانت تتعرّض له؟ كانت تجد تفسيراتها ضمن حدود الممكن: كانت تعتقد أنها تبولت أثناء نومها، وكأنها لم تعد تسيطر على جسد يتقدّم في السن. هكذا تعمل آليات التلاعب القصوى: تحويل الضحية إلى متّهمة. الكتاب هنا درس أخلاقي ومعرفي في آن، يشرح حدود الإدراك حين يكون العنف منظّماً ومُقنَّعاً.
ولا تتوقّف المأساة والصدمة عند حدود الذات، فالعائلة كلّها تتصدّع. هكذا يرافق القارئ بيليكو وهي تكتشف، خطوة خطوة، أفظع ما تعرّضت له، واصفةً ردود فعل أولادها الذين كانوا أشدّ عنفاً منها وصعوبة التفاهم معهم في لحظات الانهيار، راويةً بصدق أنهم أرادوا محو الماضي فيما كانت هي تتشبث به. حاجتها إلى العزلة مقابل رغبتهم في إحاطتها. فنراها تحكي سوء الفهم الذي يتسع، والآلام المفتوحة والعلاقة الصعبة أحياناً مع ابنتها كارولين منذ المراهقة، وهي علاقة انفجرت أمام هول المأساة، لا سيّما بعد العثور على صور صادمة لها في حاسوب والدها. فبين أمّ تحاول حماية نفسها من أسوأ السيناريوهات، وابنةٍ تواجه الحقيقة باندفاع كامل، تتّسع الهوّة. لا يقدّم الكتاب أجوبة سهلة على كثير من الأسئلة، لكنه يعترف بالالتباس، وبأن الصدمة الواحدة قد تُنتج استجابات متناقضة، وكلّها مفهومة إنسانياً.
في هذا السياق، تشرح الكاتبة كيف "قسّمت" زوجها رمزياً إلى شخصين: الرجل الذي عاشت معه أعواماً طويلة، والمجرم الذي تبيّن لاحقاً. ليس هذا تبريراً، بل محاولة للنجاة النفسية، ولإنقاذ الذاكرة من المحو الكامل. فإنقاذ الماضي، ولو جزئياً، شرطٌ للاستمرار.
صوت نسوي عالمي
يكتسب الكتاب أهميته أيضاً من تحوّل كاتبته على طريقتها إلى صوت نسوي عالمي. فجيزيل بيليكو التي تنتمي إلى جيل عاش زمن الحركات النسوية من دون أن يكون جزءاً فاعلاً منها، استبطنت مثل كثيرات، عدداً من الصور النمطية عن الزواج والرغبة ودور المرأة. تأثرت بحب والدها لوالدتها، وبحزنه اللامحدود على وفاتها، وكانت تبحث بدورها عن هذا الحب، الذي ظنّت أنها وجدته لدى دومينيك بيليكو. غير أن المأساة التي عاشتها دفعتها إلى مساءلة صورة المرأة الخاضعة التي فرضت عليها. فحرصت على أن تكتب أنها كانت تواجه زوجها، وأنها ليست المرأة الخاضعة التي صوّرها بعض الأطباء النفسيين أو الصحافيين. بل إن دومينيك بيليكو نفسه قال إنه أراد "إخضاع امرأة غير خاضعة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تصل السردية ذروتها مع قرار رفض المحاكمة السرّية. بعد تردّد طويل، تسأل الكاتبة نفسها: ألن يكون إغلاق الأبواب حمايةً للجناة؟ تختار المواجهة العلنية، وتتهيّأ نفسياً لأشهر كي تقف في القاعة. فتصف كيف كانت أمام عنف محامي الدفاع وعرض مقاطع الفيديو، تحتمي بهاتفها، تشاهد صور أحفادها. وكيف كانت الرسائل التي وصلتها من نساء العالم تمنحها قوة إضافية. في النهاية، لا تندم. تشعر بأن قصتها خرجت من إطارها الشخصي لتصبح سنداً لغيرها وبأن اكتشافها التدرجي لحجم أفعال زوجها الذي ظنّت أنها تعرفه" قفزة إلى بُعد آخر، حيث تتوقف الإنسانية ويعجز الكلام". مرة أخرى، "تقطع" جيزيل بيليكو زوجها رمزياً من حياتها، "كما نقطع عضواً عندما تستفحل الغرغرينا. إنقاذ جزء منه كان إنقاذ جزء من حياتنا".
"وبهجة الحياة" كتاب عن الفظاعة، لكنه قبل كل شيء كتاب عن القدرة على الاستمرار، عن امرأة ترفض أن تُختزل، وتصرّ على أن الحياة، أياً كانت مجروحة، تستحق أن تُعاش وأن الغد مفتوح على علاقة حب صادقة.