Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ومضات تنويرية على "سوشيال ميديا مصر" تطفئها التعليقات

رجال دين أزهريون وباحثون في علومه يطرحون قضايا ورؤى تشتبك مع الواقع من زوايا غير تقليدية على مواقع التواصل وتساؤلات حول مدى قدرتهم على تنقية الدين من خرافة وجمود التأثير

حوادث وأحداث تفرض نفسها على الساحة المصرية بين الحين والآخر يتشابك معها رجال الدين (أ ف ب)

ملخص

الأشهر القليلة الماضية، شهدت منصات "السوشيال ميديا"، لا سيما "فيسبوك" ظهوراً لعدد ضئيل، لكن مؤثر، من رجال دين وباحثين في علومه يطرحون قضايا ورؤى دينية من زوايا غير تقليدية، تسميها القاعدة إما "مثيرة لجدل لا طائل منه"، أو "مشككة في الثوابت ويجب أن تتوقف"، وتعدها الأقلية المتشوقة للتنوير والمتضررة من رياح الرجعية والانغلاق الديني والثقافي والاجتماعي نقطة ضوء في بحر التشدد الهائج والجامح

جرت العادة والعرف والثقافة في رمضان أن يمعن كثيرون من الصائمين والصائمات في متابعة برامج ذات محتوى ديني، حتى أولئك الذين لا يميلون في الأيام العادية لمشاهدة أو الاستماع للبرامج والفتاوى والخطب الدينية، يعتبرون المحتوى الديني الرمضاني مكملاً للصيام ومتمماً لأجواء التقوى ومضيفاً لمشاعر الورع.

وجرت العادة أيضاً أن يستغل البعض هذه الحال من التوقد الروحاني، والسمو الشعوري في دس كل ما يمكن دسه من تفسيرات واجتهادات يميل بعضها إلى التشدد ويجنح البعض الآخر صوب التطرف، وذلك لاعتقادهم بأن الأجواء تكون مهيأة لـ"نشر الإسلام الصحيح"، وهو الذي يعتبره آخرون نسخة غارقة في التشدد أو مائلة للتطرف.

وجرى العرف أن تنتشر وتتوغل وتتسرب فتاوى رمضان المزمنة من حكم العلاقة الحميمية، وقطرة العين، وحقنة الأنسولين، وترك الصلاة، وسب العباد، وتطليق الزوجة في نهار رمضان، وبعض البرامج الدينية الشعبوية، إلى الصائم أينما كان، سواء كان سائلاً أو مهتماً أو غير مهتم، أو مستلقياً على أريكته منتظراً مدفع الإفطار.

واعتادت الملايين أن تنتهج هذه الفتاوى والبرامج نهج الصوت الواحد، والتفسير الواحد، والهدف الواحد، وغالباً يميل كل ما سبق إلى زيادة درجة التدين بين الناس، وفي قول آخر، زيادة الغلو، ظناً منهم أنه كلما زاد المؤمنون تشدداً صح الدين واستقامت الأمة.

صوت يبدو مختلفاً

هذا العام، تظهر أمارات صوت مختلف من داخل أسرة "رجال الدين"، يمكن القول إنها المرة الأولى التي تطل فيها أصوات من أبناء المؤسسات الدينية، أو الباحثين في أمور الدين والشريعة من خريجي التعليم الديني، ليلقوا حجراً، ولو صغيراً في مياه الحديث الديني الرمضاني المزمن، الذي زاد جموداً مع جمود دعوات تجديد وتطهير وتحديث الخطاب الديني، التي أطلقها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قبل ما يزيد على عقد كامل، ولم تلق آذاناً مصغية أو إرادات أو رغبات متوافرة.

الأشهر القليلة الماضية شهدت منصات "السوشيال ميديا"، لا سيما "فيسبوك" ظهوراً لعدد ضئيل، لكن مؤثر، من رجال دين وباحثين في علومه يطرحون قضايا ورؤى دينية من زوايا غير تقليدية، تسميها القاعدة إما "مثيرة لجدل لا طائل منه"، أو "مشككة في الثوابت ويجب أن تتوقف"، وتعدها الأقلية المتشوقة للتنوير والمتضررة من رياح الرجعية والانغلاق الديني والثقافي والاجتماعي نقطة ضوء في بحر التشدد الهائج والجامح.

حوادث وأحداث تفرض نفسها على الساحة المصرية بين الحين والآخر، وهي لا تكشف فقط عن رياح تطرف وثمار أعوام من الخطاب الديني الخالط بين تفسيرات متطرفة للدين، مع نزعات قروية تتأرجح بين الرجعية والانغلاق، إضافة إلى المكون الشعبوي الذي يدغدغ مشاعر البسطاء، وذلك عبر اتجاه النقاش والتعليقات على منصات "السوشيال ميديا"، لكن كشفت أيضاً عن عدد محدود من المواقف والآراء "الدينية" المنفتحة والمتفتحة.

حوادث مثل قتل الطالبة الجامعية نيرة أشرف عام 2022 على يد زميل لها بعدما رفضت الزواج به، وتعاطف معه من قبل بعض المصريين لمجرد أن المقتولة لم تكن ترتدي الحجاب، وأن محتوى صفحاته على "السوشيال ميديا" يشير إلى أنه "شاب متدين"، والشابة التي كانت تضع ساقاً على ساق في المترو فنهرها رجل ستيني وكاد يضربها بعصاه وتحول المسألة إلى أنثى غير ملتزمة قواعد الدين والحياء أمام الرجال، وبعدها "فتاة الأتوبيس" وتعرضها للتحرش على مرأى ومسمع من الركاب الرجال، وتضامنهم مع المتحرش، إلى صورة طفلة في السابع من عمرها ترتدي النقاب في معرض الكتاب وتحولها إلى منصة تراشق بين فريق ضخم من "المتدينين" يثمن ويعظم نقابها ويتمنى لكل الإناث مثل هذا المظهر، وآخر محدود ممن يرون نقاب الصغيرة قتلاً ووأداً لطفولتها، وبرهاناً على شارع يسير عكس اتجاه المنطق، وقيام عدد من الرجال بإجبار شاب على ارتداء بدلة رقص في الشارع والاعتداء عليه بالضرب وسط رد فعل تراوح ما بين الذهول والسكوت، دخلت على خط النقاش والجدل والعراك أصوات "دينية" مستنيرة أنارت قليلاً عتمة الرجعية القاتلة، وفي قول آخر الاتجاه المحافظ المحمود.

 

يدور هؤلاء في حلقة "إن الله طلب منا الحد الأدنى من العبادات، والحد الأقصى من القيم والأخلاق والسلوكيات"، وهو ما يعرضهم لموجات هجومية شديدة من قبل من انتهجوا النهج المعاكس، حيث الحد الأدنى من السلوكيات والأقصى من العبادات.

يشتبكون مع الحوادث والأحداث التي تشغل الشارع المصري، فيعلقون عليها من وجهة نظر دينية تسير عكس اتجاه الشعبوية الإيمانية المتماهية مع خطاب ديني يمزج عادات قديمة وتقاليد جامدة بتفسيرات هي الأكثر تشدداً، وتكون النتيجة تنويراً على استحياء، واستعداء للتيار الرجعي الجامح بكل قوة.

تساءل أحدهم قبل أيام على صفحته على "فيسبوك": "لو الإمام الشافعي بعث اليوم، ورأى الموبايل التاتش والفاكس والأشعة السونار التي يرى فيها الجنين وهو في بطن أمه، هل كان سيقول إن أقصى مدة للحمل ثلاثة أعوام؟ بالطبع لا، لا يصح أن يكون الخطاب الديني في وادٍ والدنيا في وادٍ آخر، ولا أن تشتعل بيننا المعارك من أجل جزئيات أو فرعيات، فالدول الأخرى وصلت إلى المريخ وتبحث في أسرار الكون وتوصلوا إلى علاجات بالخلايا الجذعية ونانو الذهب، وبيننا من ينادى بالعلاج ببول الإبل والحجامة، وما زالت مشكلاتنا: هل النقاب فرض أم سنة؟ وهل أهنئ المسيحي في عيده؟ وهل يجوز إلقاء السلام عليه أم لا؟".

مثل هذه الأسئلة المطروحة أثارت نقاشاً عقلانياً بين المتابعين، لكنها في الوقت نفسه أدت إلى تجييش آخرين وغزو الصفحة، والإبلاغ عن محتوى يحمل ازدراء للمعتقد وكراهية للآخرين، في حين تفرغ فريق آخر لسب صاحب الصفحة وشتمه، واتهامه، وهو خريج جامعة الأزهر ومعين في وزارة الأوقاف، بالجهل بالدين وأحكامه، مع التهديد بمقاضاته، والوعيد بعذاب الآخرة لأمثاله.

وعلى رغم أن أمثال هذا الرجل قليلة، فإن ما يثيرونه من تحريك للمياه الفكرية الراكدة، التي تبذل الجهود الحثيثة، لا لإبقائها على ركودها وحسب، بل لمنع القلة التي تحاول تحريكها، وجعلها عبرة لمن قد تسول له نفسه تكرار المحاولة، أو دفع الجموع إلى التفكير خارج الصناديق المغلقة والمعدة سلفاً.

لماذا تنجذب المجتمعات إلى الرجعية؟

ظاهرة الانجذاب للأفكار الرجعية ليست حكراً على مجتمع دون آخر، وتظل الأسباب واحدة، وإن تلونت بألوان ثقافية واجتماعية واقتصادية وكذلك سياسية، وتأتي الرجعية الدينية على رأس الرجعيات الجاذبة للناس، بين محاولات للبحث عن يقين ومصدر أمان في عالم متغير ومتخم بالمتغيرات والتعقيدات، تقدم الأفكار الرجعية الدينية نفسها باعتبارها الحلول البسيطة والحاسمة للقلق والخوف، ومصدراً لليقين الوحيد المتاح، وهي تقي الأفراد "شرور" التفكير، ومجهود البحث عن تفسير، إذ تدع آخرين يقومون بالمهمة بالنيابة عنه، في مقابل التسليم لهم، والدفاع عنهم "ضد أعداء الدين".

من جهة أخرى تقدم الرجعية الدينية فرصة الهوية الجماعية الواضحة من دون مجهود يذكر، ليس هذا وحسب، بل تقدمها باعتبارها الهوية الوحيدة الصحيحة والصائبة، وكل ما عداها من هويات فاسد ومارق ويجب التصدي له، إن لم يكن بالفعل، فبالقول و"البلوك" والشتم على الصفحات.

تقدم الرجعية الدينية توليفة "نحن أهل الحق في الجنة، وهم أهل الضلال في النار"، هذه الهوية الجماعية المريحة تلبي حاجة إنسانية عميقة لا للقبول في داخل جماعة وحسب، لكن الشعور بأن الفرد جزء من جمع حاشد، صوته عالٍ في الدنيا، ومآله الجنة، مما يعطي شعوراً بالقيمة والأهمية.

من جهة أخرى تقي الرجعية الجموع الحاشدة معضلة التعقيد، الأفكار الرجعية تقدم رؤية أبيض وأسود، لا مجال فيها لألوان أو درجات غيرهما، الخير يقابله الشر، والحلال في مقابل الحرام، والحقيقة في وجه الباطل، وهي ثنائيات تريح العقول وتهدئ القلوب و"تحمي" الجموع الحاشدة من التفكير النقدي المستقل، الذي يستغرق وقتاً وجهداً، والأدهى من ذلك أنه غالباً يقود صاحبه إلى الضلال والنار، أو هكذا يقولون.

ولأن أصحاب الريادة وصناع القرار في الرجعية الدينية يعرفون أن النفس الإنسانية تبحث دائماً عن الشعور بالقوة والبأس والمكانة المختلفة والمرموقة، وحين يتعذر تحقيق ذلك، سواء على المستوى الفردي أو الوطني، فإن الانتظام في حركة أو موجة دينية رجعية يمنح الشعور بالقوة والسيطرة، وأن الآخرين يخشونهم.

ويبقى عنصر الحنين للماضي موجوداً وبقوة، حيث نوستالجيا الماضي الديني، والعصر الذهبي وقت كانت جماعة، أو معتنقو مذهب أو معتقد بعينه الأقوى، البديل الأسهل والأسرع لتعذر المكانة على أرض الحاضر الواقع، فيكون الهرب الجماعي والتسليم لموجات الفكر الرجعية حاضرين بقوة.

 

أحد "رجال الدين" الذين يطلون بومضات تنويرية على "السوشيال ميديا" كتب: "تقاس حضارة الأمم بما تقدم من علم وفكر ينفعها وينفع البشرية، لو قارنا بين الأمم الآن، فما الذي قدمناه للعالم ويميزنا عن الآخرين؟ الإجابة تعني أننا لم نفهم الإسلام فهماً يدفعنا للتقدم، الاعتماد على الآخرين من أجل الحصول على الطعام والسلاح والدواء يتعارض وما يدعو إليه الدين من علم وتقدم وحضارة ونفع للبشرية، هذا الاحتياج، ورفض الإقرار به يعني عدم فهم الإسلام، ماذا صنعنا؟ وماذا صنع الآخرون؟ أجهزة، ومعدات، وأدوات طبية، وتكنولوجيا وذكاء اصطناعي، وعلى رغم ذلك تجد من يسأل عن معتقد الآخرين أو طائفته أو مذهبه، الغرب وصل الفضاء، ونحن مختلفون حول ألف باء الدولة المدنية، أو تصف الديمقراطية بالكفر، أو ترفض الإقرار بمبدأ المواطنة، أو ترى أن الله سخر الغرب لنا ليبتكر ويصنع لنا، بينما نتفرغ نحن للعبادة، نحن نحتاج إلى ’فرمتة‘ جزء كبير من العقول، مثل الكمبيوتر، ثم ندخله إلى الإسلام الصحيح المستنير حتى نخرج من دائرة الفقر والعنف والإنكار والجهل".

فتحت الكلمات أبواب التثمين والإعجاب، لكنها في الوقت نفسه جلبت كماً هائلاً من السخرية والاتهامات والتعليقات التي لا تخرج عن إطار اتهام الرجل بالجهل أو دعم أعداء الإسلام، وكذلك مطالبته بالتوقف فوراً عن بث الأفكار المغلوطة والسموم عبر "السوشيال ميديا" خوفاً على الدين والمتدينين، وهما من يصفهما الفريق المثمن أنصار التفسيرات الرجعية للدين والرجعيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجدر الإشارة إلى أنه بالنسبة إلى كثيرين ممن ضربتهم رياح الرجعية في مصر لم يصبحوا رجعيين باختيارهم، التربية والتنشئة الاجتماعية، ثم ترك المجال العام مرتعاً للمتطرفين والمتشددين لنشر أفكارهم، مع مقاومة تطوير وتطهير الخطاب الديني من قبل المؤسسات الدينية الرسمية والإبقاء على المادة الفعالة للرجعية في غالب الخطاب، جعلت الرجعية مسلماً بها، إنها الثقافة التي تشكل وعي كثيرين، وتبدو وكأنها الأفكار الوحيدة الحقيقية والصحيحة، وكل ما عداها حرب ضد الدين.

مثل هؤلاء من رجال الدين، والباحثين في علومه، وعلى رغم عددهم القليل، تعقد عليهم الأقلية الراغبة في التنوير والتنقيح آمالاً عريضة، وعلى رغم أن خطابهم التنويري العقلاني التجديدي يقتصر على حدود "السوشيال ميديا" و"البودكاست" والظهور الإعلامي البالغ المحدودية، تحسباً للتيار الرجعي العام، وكذلك اعتراضات من أقرانهم في المؤسسات الدينية الرسمية الملتزمة قواعد محددة في خطابها الديني، وميل السياسات العامة للدولة للمحافظة الشديدة في التناول الديني مع دس الحلول والمكونات الدينية عناصر مزمنة في التعليم والرياضة والثقافة والفن وغيرها، فإن هناك من يعتبرهم قادرين على ضخ دم جديد، أو أداء دور العنصر الداعم والمحفز للتيار المدني التنويري الهزيل.

كسر احتكار الخطاب الديني

المتخصص في علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يقول لـ"اندبندنت عربية" إن هذا النوع من الحضور التنويري بدأت أماراته تظهر بالفعل، وربما يشتد عوده في رمضان نظراً إلى الإقبال المعتاد والمتوقع من كثيرين على المحتوى الديني بصورة عامة، ودور "السوشيال ميديا" المتنامي في هذا الشأن، ويضيف "كونهم أزهريين يمنحهم قوة وقبولاً أولياً لدى شرائح كثيرة لا تثق في من يسمونهم علمانيين أو تنويريين مدنيين (وهي مسمات تقترن في عقول البسطاء بالكفر والإلحاد). وربما يسمح هذا القبول الأولي بتمرير أفكار أولية أساسية مثل نقد الخرافة، وتأكيد المقاصد، وتقديم قراءة تاريخية للفقه، ورفض التكفير السهل، وقبول الاختلاف، وذلك دون المقاومة الشرسة المبدئية التي تجتاح القاعدة العريضة الغارقة في رجعية الخطاب الديني".

ويتابع أن هؤلاء يخاطبون، ولو بصورة محدودة، شريحة محافظة دينياً، لكن منزعجة من الشعبوية الدينية الرخيصة الصفراء، مثل إرضاع الكبير ونكاح البهيم، وكذلك الآراء والفتاوى والتفسيرات المتطرفة والمثيرة للجدل التي تلقى إقبالاً شعبياً منقطع النظير، موضحاً أن هذا الجمهور يمثل قطاعاً مختلفاً، فلا هو ينتمي إلى التيار المدني التنويري التقليدي، أو هو غارق في الرجعية، لكنه محافظ ومتحفظ على الشعبوية.

وضمن ميزات وفوائد هذه الأصوات المختلفة المتنامية قدرتها على كسر احتكار الخطاب الديني الشعبوي "فوجود صوت أزهري يتحدث بلغة أكثر عقلانية وأقل انفعالية يحدث شقاً، ولو صغيراً، في الخطاب الديني السائد الذي يحظى برعاية واضحة عبر المؤسسات الرسمية والدعاة التلفزيونيين".

وعلى رغم الميزات والآثار التنويرية لهذا الاتجاه الديني الجديد، الذي يهفو إليه الناجون من الرجعية، فإن عراقيل عدة ستعتري طريقه، يقول سعيد إن عددهم القليل، وكونهم أفراداً معزولين نسبياً داخل المؤسسات الدينية الرسمية أو خارجها يحول دون تزويدهم بعناصر القوة التي يمنحها التيار المنظم، كذلك فإن الخطوط الحمراء الجامدة والثابتة تشل حرية معظمهم، يقول سعيد: "حتى الأكثر جرأة منهم لا يمس أو يقترب من ثوابت بعينها مثل حجية السنة، أو الحدود في الإسلام، أو قواعد الميراث، أو قضايا المرأة الأساسية، أو موقف الإسلام من الليبرالية والعلمانية والأقليات، أي تجاوز واضح لهذه الخطوط يعرضهم للإقصاء السريع أو التشهير أو التحقيق أو الإقصاء أو المحاكمة".

 

ويرى سعيد أن الاتجاه العام لا يحبذ تنويراً حقيقياً، أو تفكيراً منطقياً أو نقدياً يعيد النظر في علاقة الدين بالدولة، والدولة بالمواطنة والحريات، وغيرها بل يقتصر في أكثره تحرراً على محاربة أو مواجهة المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين والتكفيريين، وهو ما يفسر الاتجاه لدعم خطاب أزهري وسطي، لا الخطاب التنويري الذي ينتهج النقد الجذري.

ويضاف إلى ما سبق نبض الشارع المصري، وهو النبض المنجذب والمتماهي مع الرجعية والشعبوية، يقول سعيد إن الخطاب الديني العاطفي والوعظي الذي يعطي إجابات جاهزة واضحة، لا يشترط فيها المنطق أو العقلانية، والغارق في مشاعر الانتماء والقوة والزهو أكثر جاذبية من الخطاب التنويري الذي يطرح تساؤلات، ويقر بتعقيدات، ويطالب بالاجتهاد، لا الجهاد.

في تلك الأثناء، واستثماراً للأجواء والنزعات الروحانية في رمضان، يدق دعاة متمرسون في الخطاب العاطفي، والمحتوى "الأصولي" المرتدي بدلة حديثة وعباءة مطرزة بآلاف الجنيهات على أوتار باتت تهفو إلى الرجعية، وتعدها مصدر فخر، ومنبع تميز وخصوصية.

دروس دينية بعد العشاء، صلاة تراويح ينبغي الحجز قبلها بأيام، وخطاب يدغدغ العواطف ويدق على الفجوات وما أكثرها، إنها المشاهد التي تعيد إلى الذاكرة بداية ظاهرة الدعاة الجدد، ومعهم مشايخ السلفية الذائعو الصيت في رمضان في الثمانينيات والتسعينيات الذين أسهموا بقدر غير قليل في تحول المجتمع المصري من ضفة الوسطية إلى الضفة المقابلة.

تأثير تراكمي وتحالف محدود

هل تتمكن تلك الأعداد القليلة والحضور المحدود للأصوات الدينية الرافضة للرجعية والداعية إلى تنقية الدين مما علق به حقاً من خرافة وجمود من التأثير؟ يقول سعيد إن هناك عدة سيناريوهات متوقعة، منها أن تؤتي تأثيراً تراكمياً بطيئاً، وهذا يسهم في توسعة مساحة النقاش المقبول نسبياً داخل الإطار الديني، وهنا سيظهر التأثير الأكبر على الشباب المتدين من جيل "زد" الذي يفكر بطريقة أكثر انفتاحاً، وهو ما قد يترجم بعد 10 أو 20 عاماً إلى قاعدة أوسع للأفكار المدنية.

أما السيناريو الثاني، كما يراه سعيد، فهو التحالف التكتيكي المحدود، إذ يمكن أن تتقاطع هذه الشخصيات المتنورة مع التيار المدني (الهزيل المفتت) في قضايا محددة مثل مكافحة الإرهاب الفكري ونقد الزواج المبكر وخلط التعليم بالدين وتقييده، ومواجهة الفتاوى الشاذة على "السوشيال الميديا"، لكن من دون أن يتحول التحالف إلى تيار تنويري مدني بالمعنى الكامل أو المرجو.

ويظل هناك سيناريو الإجهاض السريع، وهو ما سيحدث سريعاً إذا حاول أحدهم التشكيك مثلاً في حجية أحاديث بعينها بطريقة جذرية أو نقد صريح للمؤسسات الدينية الرسمية، وهنا سيتعرض حتماً للإقصاء أو التشويه أو الضغط، كما حدث مع مجددين سابقين.

يشار إلى أن شخصيات دينية تنويرية مجددة تعرضت وما زالت للهجوم والتشويه والإقصاء في الأعوام القليلة الماضية لمجرد طرحها أفكاراً للنقاش، والدعوة إلى التفكير النقدي للتراث، وتقديم تفسيرات تميل إلى الحداثة والتسامح والهدوء بدلاً من نبرات العنف الفكري ونعرات الفوقية والاستعلاء الشعبوية، أبرز الشخصيات الدينية التي تثير الجدل وتفجر الغضب من قبل الشارع والمؤسسات الدينية الرسمية في الوقت نفسه أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر سعد الدين الهلالي.

 

المتخصص في علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يرى أن الأصوات التنويرية الدينية قيمة مضافة ومهمة ونادرة "وسط هذا الكم من التشدد والرجعية"، ويمكن أن يكونوا جسراً، أو ممتص صدمات عبر تقديم أفكار مدنية تنويرية، ومخفف صدمة للأفكار المتطرفة عبر أخرى تنويرية مدنية، "لكنهم لن يكونوا القوة المحركة الرئيسة للتيار التنويري المدني، هذه القوة تحتاج أولاً إلى بناء ذاتي داخلي قوي للتيار المدني نفسه فكرياً وإعلامياً وتنظيمياً، ثم يبدأ في الاستفادة من أي حليف أزهري أو ديني تنويري، لكن من دون تعليق كل الآمال عليه".

حتى اللحظة، يكتب أصحاب هذه الأصوات التنويرية آراءهم في الأجواء الرمضانية الروحانية، ويرد عليهم فريق كبير مندد وشاجب ومطالب بالتوقف عن إلحاق الضرر بالدين، وفريق صغير مثمن ومستمتع بصوت العقل وتفكير المنطق.

نتيجة المباراة لم تحسم بعد، ولا يتوقع لها أن تحسم في المستقبل القريب، لا سيما مع ميل الخطاب الديني الرسمي للمحافظة الشديدة، وأحياناً المفرطة، وترك كثير من الأصوات البالغة التطرف ترتع على أثير "السوشيال ميديا" وفي قاعات الدروس الدينية والتنمية البشرية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات