Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نفايات لبنان... فشل متراكم وخطط يعاد تدويرها

الأزمة لا تكمن في غياب الخيارات بل في غياب الإرادة السياسية لاعتماد إدارة علمية ومستدامة

النفايات أزمة مستدامة في لبنان (رويترز)

ملخص

أزمة النفايات في لبنان، والتي تظهر عادة مع تكدس الحاويات على الطرقات وارتفاع الأخطار الصحية والبيئية، ليست بجديدة، بل هي نتاج عقود من التخبط الإداري والسياسي، تُرجمت بطمر عشوائي وحرق في الهواء الطلق، وتلوث متزايد للمياه والتربة، في ظل غياب التخطيط المستدام والحلول الجذرية.

يتجدد الجدل حول أزمة النفايات في لبنان مع الحديث عن "خطة تدخل" قيل إن وزارة البيئة أعدتها لمعالجة النفايات الصلبة في بيروت، قبل أن يتبين أن هذه الخطة لم تُطرح أصلاً بشكل رسمي على مجلس الوزراء. هذا الالتباس أعاد فتح ملف إدارة النفايات من زاوية جديدة: هل نحن أمام محاولة فعلية لكسر الحلقة المفرغة، أم أمام إعادة تدوير للخطط نفسها التي لم تُنفذ يوماً؟

الأزمة، التي تظهر عادة مع تكدس الحاويات على الطرقات وارتفاع الأخطار الصحية والبيئية، ليست بجديدة، بل هي نتاج عقود من التخبط الإداري والسياسي، تُرجمت بطمر عشوائي وحرق في الهواء الطلق، وتلوث متزايد للمياه والتربة، في ظل غياب التخطيط المستدام والحلول الجذرية. وعلى رغم فداحة الكلفة البيئية والإنسانية، لا تزال المقاربات المعتمدة أسيرة الحلول المؤقتة والمعالجات الآنية، من دون رؤية شاملة تعالج جوهر المشكلة.

بحسب أرقام البنك الدولي، ينتج لبنان أكثر من مليوني طن من النفايات سنوياً، يُطمر نحو 80 في المئة منها بشكل عشوائي في مكبات غير مطابقة للمعايير البيئية، مما يؤدي إلى تلوث الهواء والتربة والمياه الجوفية. وتقول لمياء منصور أخصائية أولى في شؤون البيئة في البنك الدولي، إن البنك "يقدم دعماً تقنياً من خلال دراسات وتقييمات، إضافة إلى دعم للبنية التحتية في مجال إدارة النفايات الصلبة، وذلك بناء على طلب وزارة البيئة والبلديات".

خطة تدخل أم التباس؟

أخيراً، سادت حال من الجدل حول ما قيل عن إعداد وزارة البيئة خطة تدخل لمعالجة النفايات الصلبة في محافظة بيروت بكلفة تقدَّر بـ15 مليون دولار، وتهدف إلى خفض نسبة الطمر بنحو 65 في المئة، ورفضها من قبل مجلس الوزراء. إلا أن الروايات تباينت حول حقيقة ما جرى.

 

ففي حين جرى التداول إعلامياً بأن الوزارة أعدت خطة عمل متكاملة، أكدت مستشارة وزيرة البيئة، إليز نجيم، أن الإدارة لم تقدم أصلاً أي خطة عمل رسمية إلى مجلس الوزراء. وأشارت إلى أن ما حصل هو أن منشأة الكرنتينا كانت ممولة من جهات مانحة دولية، وكان الاقتراح أن تُسلَّم المنشأة إلى البلدية وأن يتم تشغيلها، علماً أن كلفة المشروع بلغت نحو 9 ملايين دولار.

وكانت وسائل إعلام لبنانية قد أشارت إلى أن الطرح تضمن تخصيص 9 ملايين دولار لإعادة تأهيل معمل التسبيخ في منطقة "الكورال"، و6 ملايين دولار لإنشاء خط لإنتاج وقود بديل مشتق من النفايات (RDF) في "الكرنتينا".

وتشرح نجيم أن المنشأة الحالية خضعت لتحسين جزئي فقط، وهو غير كاف لتشغيلها بكامل طاقتها، بسبب محدودية التمويل المتوافر من الجهات المانحة. وتشير إلى أن الموجود حالياً هو "رؤية لتشغيل المعمل"، على أن تُطلق مناقصة لبدء التشغيل. لكن حتى عند بدء العمل، لن يتمكن المعمل من معالجة أكثر من 15 في المئة من النفايات، وهي نسبة محدودة لا تؤدي إلى خفض كبير في الكميات المرسلة إلى المطامر.

في مرحلة لاحقة، هناك خطط لإعادة تأهيل المعمل بشكل أوسع، بما يسمح له بمعالجة كميات أكبر من النفايات، والوصول إلى مرحلة يصبح فيها الطمر بنسبة قصوى تتراوح بين 25 و30 في المئة فقط. إلا أن ذلك يبقى مشروطاً بتأمين تمويل إضافي من الدولة أو من الجهات المانحة، وهو أمر لا يمكن طلبه قبل بدء التشغيل الفعلي للمنشأة. "لا يمكنك أن تطلب تمويلاً لتطوير منشأة غير عاملة أساساً"، تقول نجيم.

حلول… لكنها جزئية

ترى نجيم أن تحسين المعمل وإعادة تأهيله بالكامل وزيادة قدرته التشغيلية من شأنه أن يخفض كمية النفايات التي تُنقل إلى المطامر، معتبرة أن هذا المسار يشكل "جزءاً من الحل وليس حلاً نهائياً". وبرأيها، يمكن لهذه الخطوة أن تمثل بداية لمسار مستدام تدريجي، إذ يمكن للمعمل، في حال استُكملت إعادة تأهيله، أن يعالج ما يصل إلى نحو 75 في المئة من النفايات، على أن تبقى نسبة الطمر بين 25 و35 في المئة، وهي النسبة القصوى الممكنة في الواقع اللبناني الحالي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، يحذر الخبير والصحافي البيئي حبيب معلوف من الترويج لحلول تقنية بمعزل عن إدارة متكاملة للنفايات. ويشير إلى أن فكرة استخدام الوقود البديل (RDF) ليست جديدة، وقد طُرحت سابقاً من قبل شركات الأسمنت على وزارتي البيئة والصناعة، لكنها واجهت اعتراضاً واسعاً من المجتمع المدني والجمعيات البيئية، لا سيما تلك القريبة من معامل الأسمنت، نظراً لما تسببه من زيادة في الانبعاثات الملوثة، لا سيما الديوكسين المسرطن الناتج عن حرق النفايات.

ويؤكد معلوف أن الحل يبدأ بالفرز الصحيح من المصدر، لا بالفرز الشكلي داخل المعامل. فالفرز، يجب أن ينطلق من المنازل، عبر إدارة محكمة تشارك فيها البلديات، وتدمج عمال جمع النفايات الذين كانوا يُعرفون بـ"الجماعين" أو "النكاشين" ضمن منظومة رسمية، بدل تعريضهم لأخطار المكبات أو ملاحقتهم. "هؤلاء كانوا يجمعون البلاستيك والزجاج والمعادن، وهي مواد أساسية للصناعة، ويُفترض الاستفادة من خبرتهم ضمن نظام منظم يسمح بجمع المفروزات نظيفة وبأسعار أفضل، بدل إتلاف المحتوى داخل البراميل بحثاً عن مواد قابلة للتدوير".

 

لماذا لا تُحل الأزمة؟ 

يرى معلوف أن الأزمة لا تكمن في غياب الخيارات، بل في غياب الإرادة السياسية لاعتماد إدارة علمية ومستدامة. ففرض ضريبة على كل طن من النفايات يدخل المطمر، من شأنه أن يخلق حافزاً حقيقياً لتخفيف الكميات المرسلة إلى الطمر، ويدفع البلديات نحو الفرز والتخمير والتدوير. إضافة إلى أن "مجلس الإنماء والإعمار" لا يتعامل إلا مع خطط طوارئ، من دون رؤية استراتيجية، وهو أمر ليس من ضمن مهامه أصلاً. ويجب الحذر من لوبيات اقتصادية وشركات مستفيدة من الفوضى، تعمل منذ أعوام على تعطيل الحلول ومنع أي تقدم فعلي.

وعن النماذج الدولية، يؤكد معلوف أن لبنان نفسه كان يمكن أن يشكل نموذجاً يُحتذى به لو اعتُمدت السياسات الصحيحة في وقتها. وفي ظل الانهيار الاقتصادي، يعد أن خيار المحارق غير مناسب، نظراً لكلفتها العالية، وحاجتها إلى صيانة صارمة ومعالجة للرماد، في بلد يعجز أصلاً عن ضبط انبعاثات مولدات الأحياء.

استراتيجية وطنية لإدارة النفايات

من جانبها، تقول النائبة اللبنانية نجاة صليبا، إنها لا تستطيع تقييم خطة لا تعرف تفاصيلها، أما بالنسبة لـ9 ملايين دولار المخصصة لإعادة تأهيل معمل التسبيخ في الكورال، فقد علمت أن التنفيذ جاء ناقصاً، ولم يكن كاملاً. قائلة "الأمر لا يتعلق فقط بكون هذا خياراً مناسباً أم لا، بل إن غياب إدارة متكاملة للنفايات يعني أن أي عملية تأهيل لمعمل جديد، سواء للفرز أو للتسبيخ، ستبقى ناقصة، لأن النفايات لا تزال تُجمع من دون فرز، وهذا ما يجعل عملية الفرز داخل أي معمل بالغة الصعوبة. فمن دون البدء بالفرز من المصدر، يستحيل على أي معمل أن يعمل بكفاءة أو أن يؤدي دوره بالشكل الصحيح". لذلك، فإن هذه الخطوة لا يقتصر الخلل فيها على نقص تنفيذها فحسب، بل يصبح تطبيقها أساساً غير ممكن ما لم تُدرج ضمن خطة متكاملة لإدارة النفايات.

وترى صليبا أن أزمة النفايات تحولت إلى "حصالة" لإنفاق الأموال، حيث يُعاد الإعلان في كل مرة عن إعداد خطة وطلب التمويل، من دون إقرار أي خطة متكاملة فعلية. مضيفة أن القانون رقم 80/ 2018 لم يحصل لأن الإرادة السياسية غير متوافرة، ولأن القانون نفسه رُبط بالاستراتيجية الوطنية التي لم تُقر أصلاً.
وتشير صليبا إلى أنها عملت على تعديل القانون وقدمته إلى المجلس النيابي، لكنه لا يزال في الأدراج. وتؤكد أن تطبيق أي قانون من دون استراتيجية وطنية واضحة لإدارة النفايات سيؤدي إلى تضارب في الصلاحيات وفشل في التنفيذ.

وتضيف، "من المفترض، إذا لم يُؤخذ التعديل القانوني الذي قمتُ به بعين الاعتبار، فلا أعلم على أي أساس سينشئون الهيئة الوطنية. وأنني لا أعرف أيضاً ما إذا كانوا سيمنحونها استقلالية تامة في الإدارة، أم إن الإدارات ستكون متضاربة في ما بينها، وذلك بسبب غياب الاستراتيجية الوطنية. 

"الاقتصاد الدائري ومبدأ "الملوث يدفع" هما الطريق نحو إدارة عادلة ومستدامة لهذا القطاع. ومبدأ "الملوِّث يدفع" مهم جداً، ولا يمكن ألا نُحمِّل المواطن أعباء تحت هذا المبدأ، لأن هناك من يجب أن يدفع الأموال لكيفية إدارة النفايات". 

وتستدرك صليبا قائلة، "عندما نضع قانوناً يعتمد على مبدأ الملوِّث يدفع، ونطلب من المواطنين أن يدفعوا المال قبل أن تكون لدينا استراتيجية وطنية واضحة، فإن هذا الأمر غير منطقي على الإطلاق بل يُعد ابتزازاً وسرقة لأموال المواطنين بحجة أنهم يعملون على إدارة النفايات، وهذا أمر غير مقبول. 

الحوكمة والدعم الدولي

ختاماً يبقى الدعم الدولي أساسي في دعم مشاريع لبنان الإنمائية، وعليه يؤكد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان (UNDP) أنه ينفذ مشاريع في إدارة النفايات الصلبة تتوزع بين تطوير الحوكمة والتخطيط، وتعزيز البنى التحتية. ويشير إلى أن التحديات الاقتصادية منذ عام 2019 دفعت نحو الاعتماد المتزايد على الطمر بوصفه التقنية الأقل كلفة، لكن تحسن مداخيل القطاع العام خلال السنتين الأخيرتين، والتعاطي الجدي مع قوانين استرداد الكلفة منذ عام 2024، تشكل مؤشرات إيجابية للانتقال نحو إدارة متكاملة.

ويؤكد البرنامج أن زيادة قدرة مراكز المعالجة ممكنة، وأن التحدي الحقيقي يكمن في التشغيل، حيث عملت UNDP على دعم بعض المراكز بالطاقة الشمسية لتخفيف الكلفة التشغيلية، إضافة إلى العمل على منظومات استرداد الكلفة والمسؤولية الممتدة للمنتج.

"يُنشر هذا التقرير في إطار زمالة صحافية تنظمها مؤسسة مهارات حول التغطية الإعلامية لمسار الإصلاحات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير