ملخص
تحدث عدد من الضحايا إلى "اندبندنت فارسية" عن إصابات مُتعمدة في أعضائهم التناسلية من قبل رجال الأمن، وروى عدد منهم أن هذا الأسلوب يهدف إلى إذلال المشاركين في الاحتجاجات.
بعد أكثر من 40 يوماً على الاحتجاجات الدموية خلال الثامن والتاسع من يناير (كانون الثاني) الماضي، لا يزال كابوس تلك الليالي يطارد عدداً من الجرحى. فالطلقات المعدنية التي أُطلقت من بنادق الصيد عمداً نحو أعضائهم التناسلية واستقرت في أجسادهم، ما زالت تظهر في صور الأشعة المقطعية كشاهد على عنف يوصف بالممنهج والموجه.
محمد أمين، شاب يبلغ من العمر 27 سنة من سكان مدينة طهران، قال في حديث خاص لـصحيفة "اندبندنت فارسية" إنه أُصيب مساء الخميس الثامن من يناير الماضي في حي "طهران بارس"، عندما لاحقت قوات الأمن محتجين. وأضاف قائلاً "طاردني عدد من العناصر بلباس مدني. كنت أركض فسقطت أرضاً. عندما وقعت، وجه أحدهم من مسافة قريبة جداً سلاحاً نحو الجزء السفلي من جسدي، وكان واضحاً تماماً ما الذي يستهدف".
وبحسب روايته، "لم تكن الطلقات عشوائية إذ شعرت كأن جسدي اشتعل. أُطلقت عدة طلقات. أُصبت في الفخذ أيضاً، لكن أشد الألم كان في المنطقة التناسلية. كانوا يضحكون ويقولون ’الآن لم تعد رجلاً‘".
وأشار محمد أمين إلى أن عدداً من الأهالي نقلوه إلى منزل قريب وساعدوه على وقف النزف. وتظهر صور الأشعة المقطعية التي أرسلها إلى "اندبندنت فارسية" وجود عدة طلقات معدنية (حبيبات الرصاص) في منطقة الحوض وأسفل الظهر والأعضاء التناسلية.
وقال إن طبيبين اطلعا على صور أشعته وحذراه من احتمال حدوث مضاعفات دائمة "أبلغني الطبيبان أن الإصابة قد تؤدي إلى اضطرابات مستمرة في الوظيفة الجنسية، وربما العقم. قالا إنني في حاجة إلى جراحة، لكن من دون ضمان لإصلاح كامل الأضرار. إحدى الطلقات قريبة جداً من عصب، وإذا تحركت قد أتعرض للشلل". وأضاف أنه "أكثر من الألم، ما يُثقل كاهلي هو الإذلال. لقد استهدفوا تلك المنطقة عمداً".
الرواية الثانية تعود إلى امرأة تبلغ 25 سنة من مدينة أصفهان، اختارت لأسباب أمنية اسم إيران لتعرف عن نفسها. وقالت في حديث إلى صحيفة "اندبندنت فارسية" إنها أصيبت مساء التاسع من يناير الماضي عقب مشاركتها في تجمع احتجاجي، قائلة "أطلقوا الرشات أولاً على ظهري. سقطت أرضاً. ظننت أن الأمر انتهى، لكن عدة عناصر أحاطوا بي وأطلقوا النار مجدداً من مسافة قريبة، هذه المرة مباشرة نحو المنطقة التناسلية وأسفل الظهر والأرداف."
وأضافت هذه السيدة أن شدة الألم أفقدتها القدرة على الحركة، بينما كان العناصر يضحكون. وبحسب إفادتها، "تعرضت بعد إطلاق النار لتحرش جنسي من أحد العناصر، وهذا خلال وقت كنت أنزف فيه، كانوا يهينونني ويشتمونني. شعرت أنهم لا يريدون فقط تفريقنا، بل تحطيمنا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتظهر صور الأشعة المقطعية التي أرسلت إلى "اندبندنت فارسية" وجود طلقات متعددة (حبيبات الرصاص) في أنسجة الحوض والفخذ. وأبلغها الأطباء أن رشتين استقرتا قرب مجرى البول ومناطق حساسة من جهازها التناسلي، وأن إزالتهما تنطوي على أخطار العدوى والأضرار الدائمة. وقالت "أبلغوني أنني قد أواجه مشكلات مستقبلاً، سواء في الحمل أو حتى في حياتي اليومية. ما زلت أعاني الألم، وفي بعض الليالي لا أستطيع النوم بسبب الإحساس بالحرق".
وأكدت السيدة إيران أن عدداً من النساء الجريحات يلتزمن الصمت خوفاً من الاعتقال أو الوصمة الاجتماعية، وأن كثيرات يترددن في الحديث عن موضع الإصابة. لكن ما حدث لم يكن صدفة، لقد استُهدفنا عمداً، لإصابة أجسادنا ونفسياتنا معاً.
أفادت كوادر طبية داخل عدة مدن إيرانية، بينها طهران وكرج وأصفهان ومشهد وبابل، ضمن تصريحات لـ"اندبندنت فارسية"، بأنها عاينت خلال الأيام التي تلت احتجاجات الثامن والتاسع من يناير الماضي حالات متعددة لإصابات ناجمة عن إطلاق طلقات معدنية بصورة مباشرة، نحو الوجه والصدر والأعضاء التناسلية لنساء ورجال. وبحسب تلك الإفادات، فإن نمط توزع الطلقات يشير، في عدد من الحالات، إلى أن الطلقات أطلقت من مسافات قريبة وبقصد الاستهداف. وقال أحد الأطباء إن الإصابات لم تكن عشوائية، وأن تموضع الرشات (حبيبات الرصاص) في مناطق محددة من الجسم يدل على وجود تصويب.
ووفق تقييمات أطباء مستقلين، فإن مثل هذه الإصابات قد تؤدي إلى مضاعفات خطرة، من بينها العقم واضطرابات في الوظيفة الجنسية ومجرى البول والتهابات مزمنة، إضافة إلى أضرار عصبية دائمة. وحذر هؤلاء من أن مئات الشبان قد يواجهون تبعات صحية مستمرة مدى الحياة نتيجة هذه الطلقات.
وتعود الرواية الثالثة إلى رجل يبلغ من العمر 40 سنة من مدينة بابل داخل محافظة مازندران. وقال ضمن حديث لصحيفة "اندبندنت فارسية" إنه أصيب مساء الثامن من يناير الماضي أثناء وجوده في شارع شريعتي، عندما أطلقت قوات تابعة للحرس الثوري الإيراني النار من مسافة قريبة نحو منطقته التناسلية. وأضاف قائلاً "سقطت أرضاً. عدة عناصر ركلوني، وقالوا ’خذوه‘".
وأشار إلى أنه، بعد توقيفه، ظل محتجزاً لأيام عدة على رغم النزف الحاد، قائلاً "تدهورت حالتي. كنت أعاني الحمى وفقدان الإحساس. أعتقد أنهم خشوا أن أموت، إذ أفرج عني فجأة".
وبحسب إفادته، فإنه يعاني حالياً شللاً كاملاً في الجزء السفلي من جسده، مؤكداً "لا أشعر بأي إحساس. قيل لي إن الضرر العصبي شديد، وقد لا يكون قابلاً للعلاج".
وأضاف أن الأطباء رجحوا تضرر الأعصاب الرئيسة في منطقة الحوض بفعل الطلقات التي أطلقت عليه من بندقية الصيد، معلقاً "كل شيء تغير. ليس جسدي فحسب، بل حياتي بأكملها".
وتشير المعطيات الواردة إلى أنه إلى جانب حالات إصابات العين التي سبق توثيقها على نطاق واسع، برز نمط جديد من الإصابات المرتبطة باستهداف الأعضاء التناسلية خلال حملة القمع. ويرى أطباء أن طبيعة الجراحات لدى النساء والرجال، إضافة إلى تموضع الرشات (حبيبات الرصاص) داخل مناطق حساسة من الجسم تعزز فرضية الاستهداف المتعمد.
ويؤكد حقوقيون مستقلون أن استهداف الأعضاء التناسلية يعد ممارسة غير إنسانية، ويمكن تصنيفه ضمن أفعال التعذيب، مشيرين إلى تعارض ذلك مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
أما بالنسبة إلى محمد أمين وإيران والرجل الأربعيني من مدينة بابل، فإن هذه التوصيفات القانونية تتجاوز الإطار النظري. فالطلقات لا تزال في أجسادهم، فيما بات الألم واضطرابات النوم والقلق من المستقبل والخوف من مراجعة المراكز الطبية جزءاً من تفاصيل حياتهم اليومية.
ويقول محمد أمين "أرادوا إخافتنا. لكن في كل مرة أنظر فيها إلى هذه الصور، أتذكر فقط إلى أي حد كانوا يخشوننا كي يطلقوا النار بهذه الطريقة".
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"