Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصحوة السياسية في النظام الفوضوي

ضلوع الإمارات في نشر الاضطرابات في اليمن والسودان جعلها تواجه انتقادات حادة

تعرضت صورة الإمارات التجارية للضرر جراء التدخلات السياسية (وام)

ملخص

إن سياسة الإمارات في السودان واليمن، كدولة ضليعة في نشر الفوضى، تتبع نظام "الباب الخلفي"؛ حليف في الواجهة وخصيم في الخفاء لما تقتضيه المصلحة والنظام السائد على سبيل المثال تقديم المساعدات الإنسانية وتمثيل دور الدولة المانحة، وتأجيج الحرب في الوقت نفسه.

تدل صفحات التاريخ على أنه لم تكن هنالك في يوم من الأيام حركة سياسية على كوكب الأرض بمعزل عن نظام دولي "فوضوي" يسود ويؤطر هذه الحركة، ويعمد لخلق حالة من الفوضى والمشكلات في الدول.

فمنذ أيام حركة "الربيع العربي" 2010، التي تُعد نمطاً جديداً على العرب، وما خلفته تلك الموجة من فوضى ما زالت تعاني منها دول عربية إلى اليوم، وإن كانت مطالبها شعبية حقوقية، إلا أنها خلفت "صحوة سياسية" تعي ما يختبئ خلف كل حدث فوضوي سياسي، سواء كان حرباً أو اغتيالاً أو غير ذلك. هذا النظام يستغل الحدث الذي يحمل في طياته واقع المرحلة السائدة في بلد معين، ويدعم الاحتجاجات لتحويلها إلى مسارات مسلحة، ويمدها بالمال والسلاح؛ وقد شكلت الإمارات بدورها اليوم نموذجاً جديداً يحركه هذا النظام.

كيف أصبحت الإمارات ضالعة في النظام الفوضوي؟

يذكر المؤرخ إميليو دجنتيلي في كتابه "ديانات السياسة بين الديمقراطية والأنظمة الكليانية"، أنه منذ الحرب العالمية الثانية ساد نظام "الرأسين" الذي تقاسمته الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، وكان لهذا النظام نهج معقد يسمى Tight bipolar system أي "نظام ثنائي القطب مُحكم"، وهو مصطلح تاريخي سياسي يعني أن الكبار يزجون بالصغار في حروب محدودة تلتقي مع مصالحهم والتفاهم السلوكي في ما بينهم، بحيث إنه مهما حصل، يجب ألا يصل "الجباران" إلى درجة المواجهة المباشرة. 

في القرن الماضي، لم تكن المواجهات بين الدول العظمى مباشرة، بل كانت تستخدم دولاً أغنى أو أصغر مساحة لنشر أيديولوجيات معينة تهدف لتحقيق أهداف الدول الأخرى التي تقف خلف الستار. وهو نموذج يشبه ما تسير نحوه الإمارات اليوم، ولكن للمتأمل في التاريخ، نجد أن الأمر يختلف كلية؛ إذ إن النظام السائد اليوم هو نظام "الدول الكليانية" الذي يُعتبر عدواً للنظام الهرمي الذي تكمن فيه مركزية القوة لدولة واحدة عظمى، ولا يشبه نظام "ثنائي القطب المحكم".

فالنظام الكلياني يقوم على القمع والعنف وحشد الحماسة "لعبادة الحزب"، والتركيز الأحادي للسلطة في شخص القائد الروحي الكاريزمي، ونشر الثورة وتصديرها من خلال أذرع مختلفة، كاستخدام حدث اجتماعي أو تحول اقتصادي في بلد صاعد أو اختلاف سياسي بين دولتين حدوديتين. وإيران في واقعها الحالي نموذج مثالي لهذا النظام، وما حدث في لبنان وسوريا أكبر دليل عليه، وفي مثل هذه الأوضاع نرى ظهور الإمارات المفاجئ كدولة متهمة بنشر الاضطرابات في اليمن والسودان وأفريقيا.
 

مخاطرة سياسية 

إن سياسة الإمارات في السودان واليمن، كدولة ضليعة في نشر الفوضى، تتبع نظام "الباب الخلفي"؛ حليف في الواجهة وخصيم في الخفاء لما تقتضيه المصلحة والنظام السائد، على سبيل المثال تقديم المساعدات الإنسانية وتمثيل دور الدولة المانحة، وتأجيج الحرب في الوقت نفسه.

بيد أن هذه المخاطرة لا تناسبها، كونها لا تحتمل في مكوناتها كدولة تتكون من إمارات متعددة صغيرة ونسيج اجتماعي مُنصهر ومندمج يعود في أصله لجزيرة العرب؛ أي أنها تابعة عروبياً وقومياً لقلب الجزيرة العربية. وبالتالي، فإن مقدرات الخليج وشعوبه ومصالحه مشتركة لأن هناك مفهوماً قومياً موحداً، فإن المصلحة القومية سوف تبقى هي اللغة الأساسية في حالة السلام أو حالة الحرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فأين ستذهب وكيف ستعود لاستقرارها السياسي مع السعودية، التي تُشكل اليوم دولة ضليعة تقود لشرق أوسط مُستقر وتحالف تؤمن به غالبية دول العالم؟ ومع انكسار الصمت الدولي اليوم وفرض الحكومة البريطانية عقوبات على أفراد وشركات مُشتبه في تورطها بتمويل وإثارة الفوضى في السودان وغيره، وربما تطاول الإمارات التي ناقضت التزامها أمام مجلس الأمن بتمويل الإرهاب، باتت سياسة الظل واضحة اليوم لضعف التبرير الإماراتي أمام ما يحدث.

ومع تصريح مندوب السودان بمجلس الأمن أخيراً واتهامه أبو ظبي بتأجيج الحرب ودعم "الدعم السريع"، قامت السودان بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع أبو ظبي، مع تبني دولة ليبيا موقفاً رسمياً بعدم تدخلها في النزاع السوداني واقتصار نشاطها على تأمين الحدود والحد من الفوضى وتدفق السلاح. وهي دلالة على الصحوة السياسية للعرب لمستقبل بلدانهم، ورفض أي تدخل خارجي يمول ويدعم الفوضى في أوطانهم. وبات موقف الإمارات في هذا السياق مُحرجاً ومنحصراً يحتاج إلى مخرج.

أزمة الثقة ودعوة للعقلانية

يشير المفكر الأميركي فؤاد عجمي في أبحاثه المنشورة عام 2003، إلى أن المأزق العربي يكمن في كون "العربي لا يثق إلا بغير العربي"، بينما "اليهودي لا يثق إلا باليهودي الآخر"، إذ يعتقد دائماً بأن العالم كله أعداء له وليس العرب وحدهم، ويجب التنبه والحذر من أي انحياز عالمي ضدهم. والحقيقة اليوم أن التاريخ يشهد بذلك، ولكن يجب ألا نكون مع الرأي الأول الذي ينزع ثقة العربي من العربي الآخر.

والحقيقة في اللعبة السياسية الحالية، أن أبو ظبي أصبحت في مأزق، وبناء على ما أشرنا إليه، فإن فكرة السلام تدور في عقول الرجال العقلانيين التواقين إلى استقرار العالم، وفكرة الحرب تدور في عقول دعاة الحرب بتبريرات مكشوفة غير أن المأزق لا يُقاس بالخيارات غير المدروسة، بل بمدى القدرة على قراءة التحولات الإقليمية والدولية قراءة متبصرة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل