ملخص
الفجوة بين التصريحات الرسمية والواقع ليست خللاً في السياسة بل هي جوهرها، إذ تصاغ التصريحات لإدارة الصورة فيما يدار الميدان لفرض الوقائع، والدبلوماسية هي الجسر بين الاثنين أو أحياناً الغطاء. أما النيات الحقيقية فلا تُقرأ في البيانات بل في نوع الأهداف وتوقيت التصعيد، وما الذي يتغير على الأرض. والقاعدة الأهم، عندما يتناقض الكلام مع الفعل يصدق الفعل دائماً.
ساعات عصيبة وغير مسبوقة عاشها العالم مساء أمس، انتهت بشكل غير متوقع بالنسبة للبعض، فيما اعتبر البعض الأخر أن النهاية، حتى الساعة، كانت متوقعة.
فبعد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتهديده بضرب إيران بشكل كبير، مستعملاً عبارة "محو حضارة بكاملها"، في دلالة على قوة الضربات المرتقبة، عادت وهدأت الأمور ميدانياً بشكل كبير بعدما اتفقت كل من واشنطن وطهران على وقف لإطلاق النار برعاية باكستانية، يستمر أسبوعين، ضمن اتفاق شامل من 10 بنود.
هذه التطورات المتضاربة بشكل كبير خلال ساعات، دفعت كثيرين للتساؤلات عن الكلمة الفصل في الحروب، هل هي الميدان والقوة العسكرية أم التصريحات والدبلوماسية؟
معادلة كلاسيكية في الحروب
في لحظة تتكثف فيها الرسائل المتناقضة، تبدو التصريحات الصادرة عن الولايات المتحدة وإيران وكأنها تنتمي إلى مسارين منفصلين، واشنطن تتحدث بلغة "السلام عبر القوة" و"الاحتواء المشروط" وإعطاء مهل زمنية تنتهي خلال أيام أو ساعات، فيما ترفع طهران خطاب "الصمود الاستراتيجي"، محاولة التستر على الخسائر الضخمة التي تتلقاها بصورة يومية.
ظاهرياً نحن أمام معادلة كلاسيكية، تهدئة في العلن وتصعيد محسوب في العمق.
لكن التدقيق يكشف عن أن هذا التناقض ليس عرضياً بل يعكس إدارة مزدوجة للصراع، إذ تستخدم اللغة لشراء الوقت فيما يستخدم الميدان لإعادة رسم التوازنات.
في هذا الصراع، لا يمكن قراءة التصريحات الأميركية والإسرائيلية على وجه التحديد كخطابات منفصلة عن الواقع، بل كطبقة سياسية تغلف ما يحسم فعلياً في الميدان. فالتناقض الظاهر بين لغة التهدئة ووقائع التصعيد ليس ازدواجية عابرة بل آلية إدارة مقصودة، كل طرف يعلن ما يطمئن ويبرر بينما يفعل ما يراكم القوة ويعيد رسم التوازنات.
هنا تحديداً تتكشف العلاقة العضوية بين الميدان والدبلوماسية، إذ لا تأتي السياسة لتوقف الحرب بل لتنظيمها، ولا تستخدم التصريحات لشرح ما يجري بل لتوجيه كيفية فهمه.
والميدان في هذه المعادلة هو لغة القوة الصلبة، يحدد السقوف ويفرض الوقائع ويخلق أوراق الضغط. أما الدبلوماسية فهي لغة الضبط، إذ تعيد صياغة هذه الوقائع في قالب قابل للتفاوض وتمنع الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
لكن حين تتسع الفجوة بين ما يقال وما ينفذ تتحول الدبلوماسية إلى غطاء لإدارة التصعيد، ويصبح كل تصريح جزءاً من المعركة لا محاولة للخروج منها. بذلك، لا يعود السؤال ماذا تقول الأطراف، بل لماذا تقول ما تقول الآن، وما الذي تغير على الأرض بالتوازي مع هذا القول. وتطرح أسئلة محورية، ماذا تكشف الفجوة بين الخطاب والفعل؟ وكيف تدار العلاقة بين الميدان والدبلوماسية؟
الفجوة بين التصريحات الرسمية والنيات الحقيقية
هنا يمثل الخطاب أداة إدارة وليس نقل حقيقة، وفي النزاعات الحديثة، لم تعد التصريحات الرسمية تعكس النية، بل تستخدم لإدارة ثلاث دوائر، الداخل أي الرأي العام، والخصم أي الردع، والخارج أي الشرعية الدولية. لهذا نرى دائماً خطاباً دفاعياً مقابل أفعال هجومية، وحديثاً عن احتواء مقابل تصعيد تدريجي، وهذا ليس تناقضاً بل يعد تصميماً للمشهد.
وتتعمد الدول الظهور بمظهر العقلاني حتى أثناء التصعيد، لأن الشرعية الدولية أصبحت جزءاً من القوة نفسها وليست مجرد غطاء أخلاقي.
الغموض الاستراتيجي، الرسالة الحقيقية بين السطور
تبنى الفجوة بين الميدان والكلام غالباً على ما يسمى "الغموض الاستراتيجي"، عبر التصريحات غير الحاسمة والشروط المفتوحة والخطوط الحمراء غير المحددة. وهذا يسمح برفع سقف التهديد من دون التورط الكامل، وإبقاء كل الخيارات مفتوحة.
وفي نظريات الردع، كل طرف يتصرف وكأنه مستعد للتصعيد، حتى لو لم يكن كذلك بهدف دفع الخصم للتراجع. وبمعنى أوضح، التصريح ليس ما ستفعله تلك الدول، بل ما تريد أن يعتقده الخصم.
وفي بعض الحالات خاصة النموذج الأميركي الحديث أو "نموذج ترمب"، يظهر تناقض واضح جداً بين لغة تفاوضية وسلوك عسكري مفاجئ، وهذا يُعرف بسياسة "الصدمة"، أي خلق حال عدم يقين لدى الخصم وإجباره على تقديم تنازلات تحت الضغط. وهذه المقاربة المدروسة تعتمد على عدم القابلية للتوقع كأداة تفاوض بحد ذاتها.
ويتمثل هنا أقوى ما في الفجوة باستخدام خطاب السلام كجزء من التصعيد، عبر الدعوة للتفاوض بالتوازي مع توسيع العمليات، والحديث عن حل سياسي مع فرض وقائع ميدانية. وفي هذه الحال، يصبح الخطاب وسيلة لشراء الوقت أو لتثبيت مكاسب ميدانية، وقد يتحول إلى أداة حرب بحد ذاته إذا استُخدم لتقييد رد الخصم أو إرباكه.
الخطاب الأميركي
يؤكد الخطاب الأميركي أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب شاملة مع إيران، ومنفتحة على حل دبلوماسي إذا التزمت طهران، وأن أميركا تدافع عن مصالحها وقواتها في المنطقة. وبالتوازي هناك تأكيد مستمر على "الرد الحاسم" على أي استهداف. ونحن هنا أمام الخطاب الاحتوائي وفتح باب التفاوض من جهة، والسلوك العسكري التصاعدي من جهة أخرى، وفي المقابل رفع سقف الشروط المطلوبة من إيران لوقف الحرب.
وهنا تبدو الرسالة غير المباشرة من هذا الخطاب، أن واشنطن تريد فرض اتفاق من موقع القوة، لا الوصول إلى تسوية تنهي الحرب.
الخطاب الإسرائيلي
بدورها، تؤكد إسرائيل أنها "تفصل بين الساحة الإيرانية والساحة اللبنانية"، وأنها "تعمل فقط لإزالة التهديد المباشر" و"لا تريد توسيع الحرب إقليمياً"، بيد أنها تتحدث عن "تغيير الواقع الأمني بالكامل في المنطقة". ويبرز التناقض في هذا الخطاب بادعاء الفصل بين الجبهات والضربات المتداخلة جغرافياً. وبين الحديث عن عمليات "موضعية" مقابل التصريح بأن هناك أهدافاً استراتيجية عميقة، وبعدها تخرج تل أبيب بكلام عن تجنب التصعيد، ومن ثم تُخلق وقائع ميدانية طويلة الأمد. والرسالة غير المباشرة في خطاب إسرائيل أنها لا تدير معركة محدودة، بل تعيد تشكيل البيئة الأمنية داخل المنطقة، حتى لو أدى ذلك لتوسيع الحرب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الخطاب الإيراني
في حين تذهب إيران للقول إنها "لا تسعى إلى الحرب" وأنها "تدعم الاستقرار الإقليمي" وأنها "ترد فقط على الاعتداءات"، فإنها بالتوازي تؤكد أن "كل الساحات مترابطة"، وتستهدف دول المنطقة وتحديداً الدول الخليجية بضربات متتالية. وقد دانت العواصم العربية بأشد العبارات والتصريحات هذه الاعتداءات مؤكدة أنها انتهاك خطر لسيادتها، معبرة عن وحدتها بوجه ما تقوم به إيران يومياً.
وبصورة لا لبس فيها، يبرز التناقض الإيراني بين الخطاب الدفاعي وشبكة الأذرع والنفوذ الهجومية الممتدة على كل مساحة الإقليم. وفيما تنفي طهران سعيها للتصعيد، لا تخفي استخدامها أدوات ضغط متعددة الجبهات عبر قوى غير مباشرة تنتهك السيادة في دولها، كـ"حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن والفصائل الشيعية المسلحة في العراق، وغيرها من الأذرع الإيرانية داخل المنطقة.
وإذا كان هناك نموذج "فج" لازدواجية الخطاب فهو ما يصدر عن إيران، فنحن أمام نظام يتحدث بلغة "الاستقرار الإقليمي" خلال وقت يزرع كل مقومات الفوضى ويعلن احترام السيادة، بينما يبني نفوذه على تقويضها. ويقدم نفسه كطرف دفاعي، لكنه لا يتحرك إلا عبر منطق التمدد والضغط، من البر إلى البحر، ومن الحدود إلى الممرات الحيوية.
والأخطر ليس في التناقض بحد ذاته، بل في الجرأة على تحويله إلى سياسة معلنة عبر تهديد أمن الخليج وإقفال مضيق هرمز والترويج لإقفال مضيق باب المندب، بالتالي قطع شريان الطاقة العالمي كورقة ضغط كلما ضاقت الخيارات.
وهذا ليس "ردعاً" بل اقتصاد تهديد قائم على وضع المنطقة والعالم أمام معادلة، إما القبول بشروط طهران أو تعريض أمن الطاقة والتجارة الدولية للاهتزاز. ويدعي خطاب النظام الإيراني أنه لا يريد حرباً، وفي أفعاله يبني بيئة حرب مستدامة منخفضة الوتيرة، قابلة للاشتعال في أية لحظة. ويتحدث عن "توازن ردع"، لكنه يمارس اختلالاً مقصوداً في هذا التوازن عبر اللعب على الحافة، حافة الممرات البحرية وحافة استقرار دول الخليج وحافة الصبر الدولي.
إيران تعيد تعريف "الأهداف العسكرية"
لم يعد التناقض في الخطاب الإيراني تفصيلاً يمكن تجاهله، بل أصبح جوهر الاستراتيجية نفسها. فبينما خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معتذراً لدول الجوار ومؤكداً تعليق الهجمات عليها، كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه معاكس تماماً، إذ استُهدفت مطارات مدنية وأُحرقت خزانات وقود وأُدخلت في بنك الأهداف منشآت تحلية المياه، شريان الحياة في الخليج.
وبينما كان المتحدث الرسمي باسم "مقر خاتم الأنبياء" إبراهيم ذو الفقاري يشير إلى استهداف "البنية التحتية للطاقة والمياه"، كان الحرس الثوري الإيراني يترجم ذلك عملياً بضرب منشآت حيوية في الكويت والإمارات، لا يمكن تصنيفها إلا ضمن المرافق المدنية.
والأخطر أن هذا المسار يقدم تحت غطاء "الرد على استهداف المدنيين"، في مفارقة سياسية فجة، الدفاع عن المدنيين عبر ضرب مدنيين آخرين ينتمون إلى دول ثالثة غير مشاركة في الحرب. بهذا المعنى، لا يبدو أن طهران تخوض حرباً تقليدية بقدر ما تدير معادلة ضغط شاملة، إذ تتحول البنية التحتية في الخليج من الطاقة إلى المياه والبنى التحتية لأوراق ابتزاز ميدانية، ويصبح الخطاب السياسي مجرد غطاء لفظي لسياسة تقول شيئاً وتفعل نقيضه.
دول ثالثة غير مشاركة في الحرب
وفي سياق هذه الحرب، لا يقتصر الإشكال على طبيعة الأهداف، بل يتعداه إلى انتقائية الجغرافيا التي اختارتها طهران لضرباتها. فبدلاً من أن تحصر المواجهة بين أطرافها المباشرين، الولايات المتحدة وإسرائيل، امتدت الهجمات الإيرانية لتطال دولاً ثالثة لا تشارك أصلاً في القتال وعلى رأسها دول عربية في الخليج. هذا التوسع لا يمكن تفسيره فقط بمنطق "الرد"، لأن المصالح الأميركية ليست محصورة في هذه الدول، بل منتشرة أيضاً في دول مثل أذربيجان وتركيا، حيث يوجد تعاون عسكري وقواعد وبنى تحتية ذات صلة بالولايات المتحدة. ومع ذلك، لم تتحول هذه الساحات إلى أهداف مباشرة.
ما يعكسه هذا الواقع أن الضربات لم تكن مجرد استجابة تقنية لمواقع أميركية، بل اختيار سياسي مدروس ركز على بيئة عربية تحديداً، إذ يمكن إحداث أكبر قدر من الضغط بأقل كلفة استراتيجية مباشرة، فاستهداف منشآت طاقة ومطارات مدنية أو بنى تحتية حيوية في الخليج لا يضرب مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة، بل يضع تلك الدول في قلب المواجهة على رغم عدم كونها طرفاً فيها. وبهذا المعنى، تصبح هذه الدول ساحات تصفية حسابات لا علاقة لها بجذور الصراع، ويعاد رسم خطوط الاشتباك خارج نطاقه الطبيعي، بما يفتح الباب أمام توسيع الحرب بدل احتوائه.
التناقض في الخطاب الإيراني ما بين السياسي والعسكري
هنا كان لا بد من رصد بعض من التصريحات الإيرانية لإبراز التناقض بين خطاب "عدم استهداف الجوار والمدنيين"، وبين استهداف منشآت حيوية في الخليج.
في خطاب التهدئة وعدم استهداف الجوار، وهو الخطاب الذي صدر عن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال السابع من مارس (آذار) الماضي، والذي قال فيه "أعتذر شخصياً للدول المجاورة التي تضررت من أفعال إيران"، و"تمت الموافقة على تعليق الهجمات على الدول المجاورة، ما لم تنطلق هجمات ضد إيران من أراضيها"، وتابع "نحن لا نسعى إلى توسيع الحرب، ونفضل الحلول السياسية والدبلوماسية. ونحن مستعدون للحوار مع جميع الأطراف من أجل خفض التصعيد في المنطقة". هذا التصريح يعد الأساس السياسي لادعاء إيران أنها لا تستهدف دول الخليج أو المدنيين بصورة مباشرة، ولكن فور انتهاء بزشكيان من تعهداته، قام الحرس الثوري باستهداف مواقع مختلفة داخل الدول الخليجية عبر الصواريخ الباليستية والمسيرات.
خطاب رسمي حول "تجنب الحرب" وعكسه
بدوره، كان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أشار في تصريحات متفرقة إلى أن "إيران لا تسعى إلى الحرب، لكنها ستدافع عن نفسها إذا فُرضت عليها"، وقال إن أولوية بلاده كانت على الدوام تعزيز العلاقات مع دول الجوار والعالم الإسلامي، وأن "إيران لا تعد تهديداً لدول المنطقة، بل دأبت دائماً على مد يد الصداقة والأخوة إلى جيرانها والدول الإسلامية". لكنه كان هدد أيضاً بالقول "فور استهداف محطات الكهرباء والبنى التحتية في بلدنا، ستعد البنى التحتية الحيوية وبنى الطاقة والنفط في جميع أنحاء المنطقة أهدافاً مشروعة، وستُدمر بصورة لا رجعة فيها وسترتفع أسعار النفط لفترة طويلة". هذا التصريح يسقط عملياً أي فصل بين العسكري والمدني، ويضع الاقتصاد والطاقة ضمن بنك الأهداف.
أين تتقاطع الفجوة؟
في العلن، الجميع يؤكد أنه لا "يهوى" الحرب، فواشنطن لا تريد حرباً لكنها تعزز الانتشار العسكري. وإسرائيل لا تريد توسعاً، لكنها توسع من إطار عملياتها ومناطقها الأمنية العازلة على حدودها وتحديداً داخل لبنان، وإيران لا تريد مواجهة لكنها ترفع من الضربات الإقليمية، وتجاهر بأنها تستطيع أن تحرك أذرعها في كل الإقليم، وتهدد أمن دول الجوار وأمن الممرات البحرية في ابتزاز علني للمجتمع الدولي.
والنتيجة، الخطاب يهدئ لكن السلوك يهيئ لحرب أوسع، والدبلوماسية مفتوحة بشروط مستحيلة أميركياً عبر التفاوض بشروط قصوى. وإسرائيلياً تُرفض أي تسوية لا تغير الواقع جذرياً.
وإيرانياً ما يطرحه النظام ليس تفاوضاً بل إدارة وقت، يجلس إلى الطاولة بوجه دبلوماسي لكنه يرفض المساس بجوهر مشروعه، أي الأذرع المنتشرة والبرنامج النووي والصواريخ الباليستية. وأي مرونة يعلنها تبقى شكلية، لأن خطوطه الحقيقية غير قابلة للنقاش. بهذه المعادلة، لا يسعى إلى تسوية، بل الاحتفاظ بكل أدوات التصعيد جاهزة للاستخدام حين يشاء. والنتيجة واضحة، دولة تذهب للتفاوض من دون أن تنوي إنهاء أسباب الصراع، وتختار البقاء في موقع التهديد بدل الاندماج الطبيعي مع محيطها.
من يفرض الشروط، الميدان أو الدبلوماسية؟
في الواقع الحديث لا توجد دبلوماسية مستقلة عن القوة، وما يحدث غالباً أن كل تقدم ميداني يفرض ورقة تفاوض، وكل خسارة تفرض تنازلاً سياسياً، والدبلوماسية هنا ليست بديلاً عن الحرب بل هي امتداد لها بأدوات أخرى. وفي حال الأزمات الكبرى، تستخدم العمليات العسكرية كإشارات تفاوضية أو رسائل ضغط مباشرة على طاولة التفاوض.
أحد أهم المفاهيم هنا هو الدبلوماسية القسرية أو التفاوض تحت النار، وهي تعني استخدام القوة أو التهديد بها لإجبار الخصم على قبول شروط معينة، ومثال نمطي على ذلك، ضربات محدودة يقابله عرض تفاوض، وتصعيد محسوب مع فتح قناة دبلوماسية، لكن المشكلة كلما ارتفع الضغط العسكري يرتفع أيضاً منسوب انعدام الثقة، مما قد ينسف التفاوض نفسه لاحقاً، وهذا ما حصل خلال الأسابيع القليلة الماضية بين إيران والولايات المتحدة.
أيضاً في النزاعات الحديثة هناك لغتان تعملان بالتوازي، اللغة الأولى وتتمثل عبر التصريحات والبيانات والمؤتمرات والشروط، فيما تتمثل اللغة الثانية عبر الميدان ونوع الأهداف وجغرافية الضربات وتوقيت العمليات. وغالباً اللغة الثانية أكثر صدقاً من الأولى، فعندما يُوسيع بنك الأهداف ليشمل بنى اقتصادية أو مدنية، فهذا يعني أن الحرب انتقلت إلى مستوى أعلى، حتى لو بقي الخطاب الرسمي دفاعياً.
الدبلوماسية كإدارة سقف التصعيد
وبجميع الحالات لا توقف الدبلوماسية الحرب، بل تضبط سرعتها وحدودها. ووظيفتها الأساس هي منع الانزلاق إلى حرب شاملة وإبقاء التصعيد ضمن "سقف قابل للسيطرة". وغالباً ما يكون هذا التوازن هشاً جداً، لأنه إذا سبق الميدان الدبلوماسية فيحصل انفجار وإذا سبقت الدبلوماسية الميدان هنا يحصل فقدان للردع. وأخطر مرحلة هي عندما يحدث انفصال بين المسارين، أي تصاعد في الميدان، في حين تبقى الدبلوماسية شكلية عندها ينهار التوازن.
هنا نصل إلى حرب بلا قنوات احتواء، أو تفاوض بلا تأثير فعلي، وهذا ما يجعل الصراع يتحول من قابل للإدارة إلى مفتوح، ولعل هذا ما اقتربت منه الأطراف المتقاتلة، أميركا وإسرائيل، وإيران.
تبعاً للمعطيات الواردة، فإن ما يبدو تناقضاً بين التصريحات ليس ارتباكاً بل توزيع أدوار محسوب، فالخطاب السياسي يهدف إلى كسب الشرعية وتهدئة الداخل وترك باب التراجع مفتوحاً. أما السلوك الميداني فيهدف إلى فرض الوقائع واختبار الخصم وتعديل ميزان القوة.
أما الحقيقة فتقع بين الاثنين، ليست في التصريحات ولا في الضربات وحدها، بل في المسافة بينهما. وهذه المسافة تتسع اليوم، وكلما اتسعت اقتربت المنطقة من لحظة تحول أكبر في طبيعة الصراع.