Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحوار مع "حزب الله": بين امتصاص الصدمة وترحيل الأزمة

غالباً ما ينجح الحوار في لبنان فقط عندما يأتي بعد صدمة أمنية تجعل الجميع في حاجة إلى التوقف ومراجعة ما حصل

طاولة حوار سابقة جمعت نواب "حزب الله" مع بقية المكونات اللبنانية عام 2016 (قناة المنار)

ملخص

فشلت الحوارات السابقة لأنها انطلقت دائماً من اختلال بنيوي في موازين القوة، دولة تطلب ما لا تملك من أدوات لفرضه، وحزب يفاوض من موقع القدرة لا من موقع الحاجة. وبين خطاب سيادي لا يملك القوة، وسلاح يملك القوة ولا يعترف بالمرجعية، يبقى الحوار يدور ضمن حلقة مفرغة، يخفف التوتر حيناً ويرحل جوهر الأزمة دائماً من دون أن ينتج حلاً مستداماً، أو يخرج لبنان من موقع الساحة المعلقة على إيقاع الإقليم.

خلال لقاء إعلامي قال النائب السابق والقيادي في "حزب الله" نواف الموسوي إن "الحزب وجه ضربات إلى العدو لا ينساها، من بينها وصول المسيرات إلى منزل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واستهداف قاعة طعام للجنود الإسرائيليين خلال الحرب"، وأن المسيرات قادرة حتى هذه اللحظة على الوصول إلى أي مكان داخل إسرائيل، من دون أن يشعر بها العدو".

ولا يمكن فصل كلام الموسوي الذي يأتي خلال لحظة شديدة الحرج والخطر، في ظل التصعيدات العسكرية والتهديدات الأميركية والإسرائيلية لإيران، عن السياق الإقليمي، ولا يمكن اعتباره خطاباً آمناً على لبنان حتى لو كان مقصوداً كرسالة ردع، بل بالعكس هو خطاب عالي الأخطار على لبنان، حتى لو لم يقصد به فتح مواجهة.

وخلال لحظة تتكثف فيها المؤشرات إلى احتمال توسع المواجهة مع إيران، فإن أي تصريح يتحدث عن قدرة عسكرية عابرة للحدود سيدرج تلقائياً في خانة الاستعداد المسبق للحرب، ولا يُقرأ كدفاع بل كجزء من شبكة التهديد المرتبطة بمحور كامل. وبكلام آخر، فإن حديث القيادي في "حزب الله" سيُقرأ في إسرائيل والولايات المتحدة على أنه امتداد للتهديدات الإيرانية.

وبحسب مصادر خاصة لـ"اندبندنت عربية" من المقربين لدائرة الحزب الضيقة، فإن مستشار رئيس الجمهورية جوزاف عون، العميد أندريه رحال كان خلال يوم السبت الـ14 من فبراير (شباط) الجاري داخل الضاحية الجنوبية للقاء قياديين من الحزب، وتمحور الحديث، السياسي والميداني، عن السلاح شمال نهر الليطاني.

حوار أم لا حوار؟

خلال أبريل (نيسان) 2025، وأمام وفد من مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان برئاسة إدوارد غابريل، أكد الرئيس عون "أهمية اللجوء إلى الحوار. وكما قلت في خطاب القسم لا يوجد مكان لأية أسلحة أو أية مجموعات مسلحة إلا ضمن إطار الدولة. والمسائل تحل بالتواصل والحوار. ففي نهاية المطاف ’حزب الله‘ هو مكون لبناني"، متابعاً "سنبدأ قريباً في العمل على صياغة استراتيجية الأمن الوطني التي تنبثق منها استراتيجية الدفاع الوطني".

 

ولكن خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، وجه الرئيس اللبناني جوزيف عون دعوة إلى "حزب الله"، "للتعقل"، مشيراً إلى أن سلاح الحزب أصبح يشكل عبئاً عليه وعلى البلاد. وقال رئيس الجمهورية ضمن مقابلة أجراها معه "تلفزيون لبنان" إنه آن الأوان "للطرف الآخر" لكي "يتعقل" ويضع يده بيد الدولة، في إشارة إلى "حزب الله"، مؤكداً أن حماية الشعب والأرض مسؤولية الدولة "ولم تعد فئة من الشعب مضطرة لتحمل هذا العبء"، مضيفاً أن هذا السلاح كان في رأي بعضهم قادراً على ردع إسرائيل وتحقيق الانسحاب، "لكنه اليوم أصبح عبئاً على بيئته وعلى لبنان ككل، ويجب قراءة الظروف الإقليمية والدولية بواقعية".

هذا الخطاب دفع الحزب وجمهوره لشن حملة إعلامية شرسة على وسائل التواصل الاجتماعي ضد الرئيس. لكن رئيس كتلة "حزب الله" البرلمانية "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، عاد وصرح من القصر الرئاسي داخل بعبدا، أن "المطلوب أن نعالج أوضاعنا بالتصويب والحوار والتعاون وحسن التنسيق، ومن موقعنا في ’حزب الله‘ والمقاومة الإسلامية، نؤكد من قصر بعبدا وبعد لقائنا الصريح والمسؤول مع عون، أننا حريصون على التفاهم والتعاون لما فيه تحقيق أهداف اللبنانيين جميعاً، بدءاً من إنهاء الاحتلال وإطلاق سراح الأسرى وتعزيز الاستقرار، وعودة أهلنا إلى قراهم وبيوتهم وإطلاق ورشة الإعمار وتولي الدولة مسؤولية حماية السيادة ومساندتها عند الاقتضاء، ورفض كل أشكال التدخل والوصاية"، مشيراً إلى أن "لكل من موقعه الحق في التعبير عن وجهة نظره وموقفه، وأقوم المواقف هو ما يجمع، وأرجح التفاعلات هو ما ينطوي على الواقعية والإيجابية والنصيحة".

عالق قبل أن يولد

ضمن هذا السياق، معلوم تماماً موقف قياديي الحزب من ملف نزع السلاح، ويقول الأمين العام للحزب نعيم قاسم "بدكن تشيلوها (تنزعوها) من القاموس. فكرة نزع السلاح"، موضحاً أن الحزب سيواجه أية محاولة لنزع سلاحه كما واجه إسرائيل، وضمن تصريحات لآخرين "ستقطع اليد التي ستمتد على السلاح".

من هنا يبدو مستغرباً تكرار رئيس الجمهورية الدعوة إلى الحوار، وعليه لم يعد السؤال الحقيقي هل يريد عون الحوار، بل ما الذي ينتظره فعلياً من هذا الحوار، ولماذا يبدو كأنه عالق قبل أن يولد؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعوة رئيس الجمهورية ليست تفصيلاً بروتوكولياً ولا مناورة لغوية، بل محاولة محسوبة لفتح نافذة سياسية ضيقة في لحظة إقليمية خانقة، يدرك فيها أن فرض الوقائع بالقوة مستحيل، وأن الصمت أخطر من الكلام. وقد لا ينتظر في جوهر دعوته تسليم السلاح، ولا اتفاقاً نهائياً على صورة الدولة، بل تثبيت مبدأ أن ملف السلاح وقرار الحرب لم يعد شأناً مغلقاً أو محظور النقاش، وأن الدولة، ولو ضعيفة، تملك حق السؤال وحق الجلوس على الطاولة.

إذاً الحوار هنا ليس أداة حل بقدر ما هو إعادة إدخال الدولة إلى غرفة القرار، بعد أعوام من تهميشها أو تجاوزها.

أما لماذا لم يبدأ الحوار فعلياً، فالإجابة تكمن في أن الطرفين يدركان أن التوقيت هو المضمون. فالرئيس يريد حواراً ينتج إطاراً، ولو نظرياً، يربط السلاح بالدولة أو يضع له سقفاً سياسياً واضحاً. في المقابل، يتعامل الحزب مع الحوار كعملية عالية الأخطار، وأي جلوس الآن، في ذروة سيولة إقليمية وعدم وضوح مآلات الصراع، قد يفسر كقبول ضمني بإعادة فتح ملف الردع من موقع أضعف، لذلك يفضل إبقاء الباب مفتوحاً لفظياً من دون الدخول في مسار قد يستخدم لاحقاً ضده، داخلياً أو خارجياً.

من هنا يتحول الحوار إلى معادلة انتظار متبادل، الرئيس ينتظر لحظة تسمح بتحويل الدعوة إلى مكسب سيادي، حتى لو رمزياً. والحزب ينتظر اتضاح شكل الإقليم الجديد قبل أن يحدد ما يمكن التنازل عنه شكلياً وما لا يمكن المس به جوهرياً.

مصلحة إيران أولوية

يقول مدير "المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات" حسان قطب إن "’حزب الله‘ تنظيم ديني ومشروع يخدم عقيدة وفكراً دينياً، والحزب يعبر عن هذا التوجه صراحة، لذا فإن الأداء السياسي له وحتى ترتيب علاقاته السياسية مع القوى الأخرى، وتحالفاته مع مجموعات من أديان ومذاهب مختلفة، وكذلك مع الأحزاب وأصحاب الفكر العلماني، إنما تُرتب بما يخدم مشروعه الديني. وما كان يقوله أمينه العام حسن نصرالله، وما أكده الأمين العام الحالي من الارتباط بالنظام الإيراني، والولاء والطاعة وخدمة الولي الفقيه داخل إيران، إنما يقوم على أسس دينية لا سياسية".

ويتابع الباحث السياسي أن "أي حوار يفتحه ’حزب الله‘ مع الدولة اللبنانية حول مهمة سلاحه أو النقاش حول تسليم السلاح، إنما يتم على أساس تقديم رؤية أو رسم خريطة طريق ترضي الداخل، ولكن ليس على حساب الالتزام بالمرجعية الأم في طهران وقم، وبما يخدم استراتيجية إيران. وبدا هذا واضحاً جلياً ضمن خطاب نعيم قاسم الأخير، حين أعلن استعداد الحزب للانخراط في الدفاع عن إيران في حال تم الهجوم عليها".

ويؤكد قطب أن "إيران أيضاً تهدد بأن أي حرب عليها ستؤدي إلى حرب إقليمية، مستندة إلى أذرعها المنتشرة داخل لبنان والعراق واليمن والخلايا النائمة في مختلف الدول، وبهذا تهدد المصالح الغربية وبخاصة الولايات المتحدة. وفي حين أن ’حزب الله‘ عاجز عن الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والاغتيالات التي ينفذها الكيان الإسرائيلي بحق قيادات منه بصورة يومية. ويعلن أنه لا يرد التزاماً بقرار الدولة اللبنانية، فإنه يهدد بالرد في حال الهجوم على إيران. ومن هنا نفهم أن استقرار وحماية إيران أولوية على المصلحة اللبنانية، حتى إن أرواح عناصره يتم تقديمها رخيصة في سبيل حماية إيران ومرجعياتها الدينية والسياسية".

سلاح مقدس

في حين يقول الصحافي تمجيد قبيسي إنه "عند الحديث عن العلاقة بين ’حزب الله‘ والدولة اللبنانية، وتحديداً رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، يبرز موقف الحزب في الماضي كعامل أساس في رسم هذه العلاقة. فقد عارض الحزب سابقاً تولي نواف سلام رئاسة الحكومة، وكان داعماً لمرشحه سليمان فرنجية في مواجهة جوزاف عون، ولم يأت وصولهما إلى الحكم إلا نتيجة لتبدل الظروف الإقليمية التي انعكست بدورها على لبنان. ومرت العلاقة بمحطتين بارزتين، الأولى جلستا مجلس الحكومة الشهيرتان، والثانية خطاب رئيس الجمهورية أمام السفراء. وبعد الجلستين، اللتين انسحب منهما وزراء الحزب وحركة "أمل"، شهدت العلاقة قطيعة بين حارة حريك وبعبدا والسراي الحكومي.

 

وبحسب المصادر، يضيف قبيسي "عبر الرئيس عون أمام أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني خلال لقائهما آنذاك عن استيائه من قطع الحزب للعلاقات معه. ووفق المصادر تبع ذلك لقاء بين مستشار الرئيس عون، أندريه رحال، ورئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد، إذ طرح رحال سؤالاً حول سبل معالجة الوضع في ظل عدم تنسيق الحزب مع أية جهة حول ملف تسليم السلاح. وجاء رد رعد قاطعاً ’هذه مشكلتكم‘، وأعادها عند محاولة رحال التبرير بأن القرار اتخذ تحت ضغوط خارجية كبيرة، مؤكداً أن ’سلاح المقاومة مقدس مثل سلاح الجيش اللبناني‘".

ويتابع الصحافي "عكست هذه التصريحات رفض الحزب لفكرة تسليم سلاحه، إلا أن العلاقة شهدت لاحقاً تحسناً تدريجاً، لا سيما بعد تراجع الحكومة عن قرارها. أما بعد خطاب رئيس الجمهورية الأخير فقد شهدت العلاقة تصعيداً واضحاً تجلى في الخطاب الإعلامي للحزب، وبرز شرخ أعمق مع بعبدا، وتبع ذلك لقاء بين مستشار رعد أحمد مهنا ورحال، مهد للقاء لاحق بين رعد وعون، إذ عبر رعد عن استياء الحزب من بعض العبارات والمواقف للرئيس في الخطاب. وبحسب المصادر، فقد نصح الرئيس نبيه بري (حزب الله) بعد وصول عون إلى سدة الرئاسة بعدم قطع العلاقة مع بعبدا، وعمل لاحقاً على تهدئة الأزمة وتدوير الزوايا وجمع الطرفين في المحطات المفصلية. ويشير مصدر برلماني في الحزب إلى أن الرئيس بري وضع مخرجاً بعد الجلستين الحكوميتين الشهيرتين عبر الدعوة إلى حوار، مؤكداً دوره المستمر في الحفاظ على خطوط التواصل".

آخر الأوراق

أما العودة للحديث عن الاستراتيجية الدفاعية، فالسؤال الأعمق ليس إن كانت "تنفع" نظرياً، بل إن كانت صالحة كأداة سياسية في هذه المرحلة تحديداً. وتفترض الاستراتيجية الدفاعية حداً أدنى من استقرار الجبهات، ووضوح إسرائيل، ووحدة القرار الوطني. في حين يعيش الإقليم اليوم العكس تماماً، جبهات متداخلة وردعاً متحولاً، وقرارات تصنع خارج حدود الدول الضعيفة. ضمن هذا السياق تصبح الاستراتيجية الدفاعية أقرب إلى لغة تفاوض منها إلى خطة تنفيذ، وأقرب إلى جسر سياسي موقت منه إلى حل بنيوي.

لكن على رغم ذلك لا يستطيع الرئيس القفز فوقها، فغياب الاستراتيجية يعني الإقرار الضمني بأن الدولة خارج معادلة الأمن بالكامل، وطرحها حتى إن لم تطبق يعد محاولة أخيرة لقول إن لبنان يريد أن يكون طرفاً في تحديد مصيره لا مجرد ساحة، وخلال لحظة كهذه فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست حلاً، ولكنها آخر ورقة سياسية تمنع الانهيار الكامل لفكرة الدولة.

يقول الباحث حسان قطب إن "المفاوضات التي جرت سابقاً مع ’حزب الله‘ وحركة ’أمل‘ بصورة عامة حول مستقبل السلاح ودور الحزب وميليشيات الثنائي لم تسفر عن نتيجة، بل ولم يُلتزَم بنتائجها. وكشفت الحرب السورية والعراقية واليمنية هذا الواقع في جملة أحداث. وتفاهم بعبدا عام 2012، الذي نص على عدم التورط ضمن صراعات إقليمية وعلى حياد لبنان، تجاهله الحزب بعد أيام على لسان محمد رعد، وتورط الحزب في سوريا وقال أمينه العام السابق ’نكون حيث يجب أن نكون‘. وقال محمد رعد حول تفاهم بعبدا ’بلوه واشربوا مياهه‘".

ويتابع قطب "كذلك قال نصرالله ضمن إحدى مقابلاته، إن قاسم سليماني طلب منه تأمين 120 قيادياً وكادراً عسكرياً من الحزب لخوض الحرب في العراق والاستفادة من خبراتهم ضد الشعب العراقي، وبالفعل فقد نفذ طلبه كما قال هو نفسه، وأيضاً عندما اغتالت إسرائيل المسؤول العسكري الإيراني - اللبناني طباطبائي، عُرِّف عنه بأنه كان يدرب ويقود المعارك في اليمن إلى جانب الحوثيين، وكذلك نُعي كثير من قادة الحزب ممن قاتلوا في اليمن، وحجم الخسارة البشرية بين قتيل وجريح في الحرب السورية التي سجلها ’حزب الله‘ والتي تجاوزت ألفاً و500 شاب شيعي لبناني تؤكد أن الأرواح والدماء تزهق رخيصة في سبيل خدمة الاستراتيجية الإيرانية، وعندما تخسر إيران يخسر معها ’حزب الله‘ وكذلك لبنان. وأكد السفير الإيراني مجتبى أماني ضمن كلمته منذ أيام أن ’مصير إيران ولبنان مرتبط‘، وعروة الارتباط ودلالته التزام الحزب بأوامر وقرارات القيادة الدينية الإيرانية. وعشية انتهاء مهمته الدبلوماسية في لبنان، استذكر أماني أن أول اتصال بعد وصوله إلى بيروت كان من ’سماحة سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله الذي عرفه على السياسة في لبنان وكيفية التعامل مع القوى والأطياف المختلفة بها‘، بما يعني أن المدخل الموضوعي إلى لبنان هو عبر الأدوات وليس وزارة الخارجية. لذا، فإن كل المفاوضات واللقاءات مع ’حزب الله‘ مضيعة للوقت".

لكن، ليس الحوار بين "حزب الله" والدولة اللبنانية ترفاً سياسياً بقدر ما هو آلية إدارة نزاع داخلي على من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يملك احتكار السلاح، وكيف تدار الحدود والردع ضمن دولة ضعيفة ومجتمع منقسم، وهو أيضاً أداة لتأجيل الانفجار، حين يكون ميزان القوى لا يسمح بحسم قسري من أي طرف.

فما الفائدة الفعلية من الحوار؟ ولم يتكرر على رغم فشله؟

جرت العادة في لبنان، أنه عندما تغلق قنوات التسوية يميل التوتر إلى النزول للشارع أو للاشتباك الأمني. لذا يؤدي الحوار وظيفة امتصاص الضغط وتثبيت حد أدنى من قواعد الاشتباك الداخلية وتفادي انتقال الخلاف من السياسة إلى الأمن، وعليه تسعى الدولة إلى "شرعنة" فكرة أن السلاح مسألة دولة، حتى لو لم تملك القدرة على فرض ذلك فوراً. في حين يسعى الحزب إلى "شرعنة" أن سلاحه جزء من منظومة الدفاع والردع، وأن أي مسار لنزع السلاح يجب أن يمر عبره وبشروطه. إذاً، الحوار هنا ليس لإنتاج تنازل كبير، بل لإنتاج صيغة كلامية تحفظ ماء الوجه للطرفين وتمنع الانفجار.

العلاقة بالخارج

وكما يستخدم الحوار كرسالة للخارج للدول المانحة أو الضاغطة، بمعنى أننا "نعالج المسألة داخلياً". وللبيئة الداخلية "لا نسلم البلد للإملاءات". فإن هذا يفسر لماذا يعود الحديث عن الحوار كلما زادت الضغوط الدولية على ملف السلاح، أو عندما يتغير المشهد الإقليمي. بعبارة أخرى، هو تقليل كلفة أي انتقال لاحق، فحتى لو لم ينتج الحوار حلولاً الآن فهو يرسم خرائط حول ما الذي يمكن بحثه، أو ما الذي يعد خطاً أحمر، وما سلة المقايضات الممكنة مستقبلاً، أي الاستراتيجية الدفاعية والضمانات والأطر الزمنية، والدمج التدريجي وضبط قرار استخدام القوة. وأي انتقال لاحق، إن حصل، سيحتاج حتماً لهذه الخرائط.

 

منذ عام 2006، شكلت طاولات الحوار الوطني في لبنان محاولة متكررة لإدارة الانقسام السياسي الحاد الذي أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانقسام البلاد بين فريقي الـ8 والـ14 من مارس (آذار). البداية كانت خلال مارس 2006 بدعوة من رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى حوار موسع في ساحة النجمة، ووضعت على جدول أعماله عناوين كبرى أبرزها كشف حقيقة الاغتيالات، والقرار 1559، وترسيم الحدود، وسلاح "حزب الله"، والعلاقة مع سوريا. ولكن توقف الحوار مع اندلاع حرب يوليو (تموز) من العام نفسه، قبل أن يُستأنف لاحقاً في محاولة لكسر الجليد بين القوى السياسية، على رغم غياب الأمين العام للحزب لأسباب أمنية. حينها جرى التوافق على ميثاق شرف لخفض منسوب الاحتقان، وعلى نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات خلال مهلة زمنية محددة، إضافة إلى الاتفاق على انتخاب رئيس توافقي، مع تأجيل البحث في الاستراتيجية الدفاعية. كانت الدولة تريد يومها "تسييل" السلاح إلى إطار دفاعي رسمي، ولكن الحزب كان يريد "تسييل" الدولة إلى قرار سياسي يواكب سلاحه، فكانت النتيجة لا هذا ولا ذاك، وتأجيلاً.

لكن الخلافات حول المحكمة الدولية واستمرار مسلسل الاغتيالات دفعت إلى نقل الحوار خارج لبنان، عبر مبادرة فرنسية عقدت خلال يوليو 2007 في سان– كلو، بمشاركة ممثلين عن الصف الثاني السياسي، من دون تحقيق اختراق فعلي.

تسوية بعد انفجار

عام 2008 أتى "اتفاق الدوحة" لينهي مرحلة من الصدام السياسي، وبخاصة بعد أحداث الثامن من مايو (أيار) أو "غزوة بيروت"، وانتخب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ودعا بدوره إلى حوار في قصر بعبدا، ركز على الاستراتيجية الدفاعية والسلاح الفلسطيني والأوضاع الأمنية. ولم يكن اتفاق الدوحة حواراً هادئاً بقدر ما كان تسوية ما بعد صدام هدفها إعادة ضبط اللعبة ومنع تكرار استخدام السلاح في الداخل وفتح مسار مؤسساتي جديد.

غير أن الانقسام حول المحكمة الدولية عاد ليعطل الحوار، قبل أن تستأنف جلساته عام 2012 وتفضي إلى إقرار "إعلان بعبدا" القائم على مبدأ النأي بالنفس. إلا أن هذا الإعلان سرعان ما سقط عملياً مع انخراط "حزب الله" ضمن الحرب السورية، ولاحقاً في حروب الإقليم، مما أعاد تعميق الانقسام الداخلي.

على رغم ذلك، استمر الحوار حتى مايو 2014، إذ عقدت آخر جلسة برئاسة سليمان في ظل غياب عدد من الأقطاب السياسيين.

وخلال عام 2015، ومع تفاقم الفراغ الرئاسي وشلل المؤسسات الدستورية، عاد الرئيس بري ليطلق جولة جديدة من الحوار وضعت على رأس أولوياتها انتخاب رئيس للجمهورية، وإعادة تفعيل عمل البرلمان والحكومة، وقانون الانتخاب، من دون أن تثمر أي اتفاق حاسم.

أما في عهد الرئيس ميشال عون، فقد جرى الاستعاضة عن طاولات الحوار التقليدية بلقاءات وطنية ظرفية في قصر بعبدا فرضتها تطورات سياسية ومالية وأمنية، أبرزها لقاء أغسطس (آب) 2017 حول سلسلة الرتب والرواتب والضرائب، وصولاً إلى "اللقاء الوطني المالي"، في محاولة لإدارة الأزمات أكثر مما هي لتأسيس مسار حواري دائم.

لماذا الفشل؟

غالباً ما ينجح الحوار في لبنان فقط عندما يأتي بعد صدمة أمنية تجعل الجميع في حاجة إلى التوقف ومراجعة ما حصل، ذلك أن الدولة تريد تحييد لبنان لأن مؤسساته لا تتحمل، في حين يرى الحزب أن الإقليم جزء من أمنه، بالتالي تحييد لبنان "نظري" إذا كانت جبهاته متصلة. وكلما غابت نافذة إقليمية تسمح بتسوية أكبر، أو تهدئة إيرانية - أميركية، أو مسار عربي - إيراني ثابت، أو ضمانات حدودية مع إسرائيل، يتحول الحوار إلى جلسات إدارة وقت وخطوط عريضة وكلام عن "دفاع وطني"، ثم عودة إلى نقطة الصفر.

والحقيقة أن هناك اختلافاً حول تعريف "الدولة"، أي كمفهوم سيادي، واحتكار السلاح وقرار الحرب، والتسويات الطائفية وموازين القوى المتحركة. لكن الحزب يتعامل مع الدولة كـ"ساحة تفاوض" لا كمرجعية نهائية، ما دام ميزان القوى يسمح له بذلك.

عدا عن أن سلاح الحزب ليس ملفاً منفصلاً بل منظومة متكاملة، فهو مرتبط بالتمويل والشبكات الاجتماعية والخدماتية والشرعية داخل البيئة، والارتباطات الإقليمية ومعادلة الردع مع إسرائيل. لذلك لا يحل بقرار إداري بل بتحولات كبرى في البيئة والردع والضمانات. لكنه وبغياب حزمة ضمانات مقنعة للجميع فإن أية تسوية تحتاج إلى ضمان حدودي وردعي وضمان داخلي للتمثيل، إضافة إلى ضمان اقتصادي وسياسي للدولة ضمن إطار زمني واضح، وعندما تغيب هذه الحزمة يصبح الحوار مجرد لغة دبلوماسية داخلية.

في الخلاصة، لا تكمن جدوى الحوار مع "حزب الله" في الوصول إلى تسوية نهائية بقدر ما تكمن في إدارة الخطر وتأجيل الانفجار داخل بلد لا يحتمل الصدام المفتوح. غير أن الحوارات السابقة فشلت لأنها انطلقت دائماً من اختلال بنيوي في موازين القوة، دولة تطلب ما لا تملك من أدوات لفرضه، وحزب يفاوض من موقع القدرة لا من موقع الحاجة. وبين خطاب سيادي لا يملك القوة، وسلاح يملك القوة ولا يعترف بالمرجعية، يبقى الحوار يدور في حلقة مفرغة، يخفف التوتر حيناً، ويرحل جوهر الأزمة دائماً، من دون أن ينتج حلاً مستداماً أو يخرج لبنان من موقع الساحة المعلقة على إيقاع الإقليم.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل