ملخص
مستأجر معدات تسلق الجبال يختلف عن مستأجر بدلة أو فستان زفاف لأسباب تتعلق بالجغرافيا والمقدرة الاقتصادية وكذلك الثقافة والعوامل الاجتماعية، لكن ظلت قوائم الأشياء القابلة للإيجار شبه متفق عليها في أرجاء الدنيا إلى أن جد في الأمور جديد.
شقة للإيجار، فستان وبدلة زفاف أو خطوبة للإيجار، كاميرا للإيجار، سيارة، دراجة، وقائمة المعدات والأشياء المطروحة للإيجار طويلة، إنها القائمة المعتادة والمعروفة في كل دول العالم، وحتى المسيرات أصبحت ضمن الأشياء المعروضة للإيجار، وإن بقيت فروق اقتصادية وثقافية وجغرافية تتحكم في من يستأجر ماذا وبأية كلفة، فمستأجر معدات تسلق الجبال يختلف عن مستأجر بدلة أو فستان الزفاف لأسباب تتعلق بالجغرافيا والمقدرة الاقتصادية، وكذلك الثقافة والعوامل الاجتماعية، لكن ظلت قوائم الأشياء القابلة للإيجار شبه متفق عليها في أرجاء الدنيا، إلى أن جد في الأمور جديد.
يخبرنا التاريخ أنه منذ فجر الحضارة وجدت فكرة الإيجار وتطورت. استئجار قطع صغيرة من الأراضي بغرض الزراعة والري تطور إلى إقبال دول على استئجار مدن أو ملايين الأفدنة في دول أخرى للغرض نفسه.
الأرض، لا سيما الزراعية، هي الأقدم في فكرة الإيجار، عرفت قبل آلاف السنين، وظهرت اتفاقات وعقود التأجير بغرض الزراعة في مصر القديمة، وبلاد ما بين النهرين، والحضارة الرومانية القديمة، وظلت منظومة متفقاً عليها، إذ صاحب الأرض يؤمن دخلاً أو منتجات أو سلعاً لنفسه وهي قيمة الإيجار، والمستأجر يزرع الأرض ليؤمن دخلاً له.
ما تطور لم يكن صيغة استئجار الأراضي فقط، بل ما يمكن استئجاره، "من الإبرة للصاروخ"، مروراً بالجزر والحيوانات والتوابيت، وكذلك الأفراد.
تطور الإيجار
منظومة الإيجار وثيقة الصلة بتطور البشرية، وكذلك بالأوضاع الاقتصادية والتحولات الاجتماعية والثقافية، قبل عقود قليلة كانت فكرة البحث عن فستان أو بدلة لارتدائها في حفل زفاف أو خطوبة أو مناسبة على سبيل الإيجار لا الشراء كفيلة بإلحاق وصمة مجتمعية بالمستأجر الذي كان يحرص على سرية عملية البحث. وكانت مكونات الوصمة كثيرة، ولكن أبرزها هو الفقر أو ضيق ذات اليد الذي يجعل شراء ملابس لمناسبة العمر أمراً صعباً.
اليوم، لم تصبح الفكرة مقبولة فقط، بل أصبح هناك محال تجارية ومواقع إلكترونية متخصصة في عرض الملابس التي يمكن استئجارها، والأدهى من ذلك أن قيمة الإيجار أصبحت تنافس أحياناً أسعار الملابس الجديدة، لكن كونها ماركات عالمية يضعها في مصاف الإيجار الراقي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قوائم الأشياء التي يمكن استئجارها لإتمام أعمال أو مهام بعينها كثيرة، وأبرزها معدات البناء، وسيارات نقل الأثاث والمقتنيات للانتقال من بيت إلى آخر، والسيارات الملاكي للتنقل أثناء السفر في مدينة أو دولة أخرى، وكذلك المراكب واليخوت أثناء العطلات، ومعدات التصوير والموسيقى للحفلات، وغيرها.
كل ما سبق يندرج تحت بند المعتاد والمعروف، لكن القائمة باتت تحوي أشياء تطلب وتعرض للإيجار تصدم بعض المتابعين، ويستقبلها بعض آخر إما بالترحاب أو الرفض التام، والقائمة تضم حيوانات للإيجار، والكلاب هي الأكثر رواجاً، شركات وتطبيقات في دول عدة أصبحت تتيح خدمة تأجير كلب بغرض أن يكون رفيقاً لأحدهم لفترة قصيرة تراوح ما بين بضع ساعات وبضعة أيام. وضمن التطبيقات المتاحة "فير بال" (الرفيق ذو الفروة) في دول آسيوية عدة، و"بورو ماي دوغ" (اقترض كلبي) في بريطانيا، و"دوغ شير" (مشاركة الكلاب) في أستراليا.
أبرز الأسباب التي تدفع بعض الناس إلى استئجار كلب هي الرغبة في التمتع بصحبتها من دون الالتزام فترة طويلة، أو بعيداً من المسؤولية المادية وقيود السفر والإجازات التي يفرضها وجود حيوان أليف في البيت. وهناك من يستأجر كلباً بضع ساعات ليختبر قدرته ومشاعره أثناء اصطحاب كلب، لأن امتلاك حيوان أليف يعني مسؤولية. ويظل العلاج النفسي عبر مصادقة الحيوانات الأليفة، لا سيما الكلاب والقطط، ينصح به من قبل أطباء ومعالجين نفسيين.
ماعز بالساعة
معالجو التربة وآفات الأرض الزراعية ينصحون أحياناً باستئجار ماعز كبديل صديق للبيئة واقتصادي للتخلص من الآفات والحشائش الضارة، ولأن الماعز تتغذى على النباتات، بما فيها الضارة بالتربة، من دون أن تتأذى، يستخدمها أصحاب الأراضي الزراعية كبديل اقتصادي وحيوي للتخلص من النباتات غير المرغوب فيها، لا سيما في التضاريس الوعرة أو الأماكن الضيقة التي لا يمكن للأدوات الزراعية الضخمة الوصول إليها، وفي حال تعذر امتلاك الماعز يجري استئجارها.
ومن الكلاب والماعز إلى تأجير الملابس والحلي، التي لم تعد حكراً على فستان أو بدلة الزفاف، بل امتدت ليستأجر الموظف أو الموظفة ملابس أنيقة لحضور اجتماع مهم، أو حقيبة يد قيمتها بضعة آلاف من الدولارات لترك انطباع "جيد" لدى الصديقات، أو شبكة العروس للتباهي أمام المدعوين حين تحول قدرات العريس المحدودة دون شراء شبكة كتلك التي حظيت بها بنات العائلة.
وإذا كان استئجار الملابس والحلي والمشغولات الذهبية والحقائب تحركه الرغبة البشرية للتباهي، أو الاعتقاد بأن قيمة الإنسان تستمد من ماركة الملابس والحقائب ووزن الذهب والألماس وغيرها من المظاهر، فإن استئجار ما يملكه الجار لتقليل الإنفاق لا سيما في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تجتاح عديداً من دول العالم يقف على طرف النقيض الآخر، إنه طرف المنطق والتفكر العملي، وكذلك التكاتف المجتمعي.
في بعض المدن الأوروبية والأميركية، توجد صفحات عنوانها "مشروع لا تشتر شيئاً" أو Buynothinproject، إذ يجتمع الجيران في حي أو شارع ما، ويعرض كل منهم ما يمكن للجيران استئجاره مما يملك، ويشمل ذلك قطع أثاث، ومعدات زراعية ومنزلية، وأواني طهي، والأدوات التي تستخدم في الحدائق، والمعدات بأنواعها.
معدات من نوع آخر قابلة للإيجار، إنها الأطراف الصناعية، لا سيما ذات التقنيات العالية التي يصعب اقتناؤها بسبب ارتفاع أسعارها، أو على سبيل التجربة قبل الشراء، أو لمساعدة صاحب الطرف المبتور على القيام بأنشطة رياضية في مدة قصيرة، أو حتى لأغراض تجميلية لحضور مناسبة مهمة. شركات عدة في دول غربية وآسيوية متقدمة تتيح تأجير الأطراف الصناعية، لا سيما الأرجل للإيجار.
جزر للإيجار
أرجل للإيجار، وكذلك جزر، وإذا كان الملياردير الأميركي جيفري إبستين امتلك جزيرتين عبر شراء الأولى "ليتل سان جيمس" أيام الرخص بنحو 8 ملايين دولار أميركي عام 1998، والثانية "غريت سان جيمس" بـ22.5 مليون دولار أميركي عام 2016، فإن الغالبية ممن تحلم بقضاء إجازة على جزيرة خاصة لا يمكنهم فعل ذلك لأسباب مادية بحتة، فالمقتدرون نسبياً هم من بإمكانهم تأجير جزيرة لقضاء إجازة أو إقامة حفل أو ما شابه.
يشار إلى أن هناك مواقع عدة تقدم خدمة تأجير جزر خاصة أياماً أو ساعات، وتراوح مواقعها بين اليونان وجنوب المحيط الهادئ وأميركا الوسطى وفيجي وتنزانيا وماليزيا وكرواتيا والفيليبين وهندوراس وكينيا، وبالطبع الكاريبي، أما الأسعار فأغلبها في غير متناول يد الأغلبية.
وما دامت ذكرت الجزر، فإن "الخدمات الجنسية" تتبادر إلى الذهن، لا سيما أن فضيحة إبستين ما زالت ملء السمع والبصر، فالعمل الجنسي قديم قدم الإنسانية. والقيام، أو بيع الأفعال أو العروض أو المحتوى الجنسي في مقابل مادي أو سلع أو تعويض مادي آخر يصنف تحت بند الخدمات الجنسية. وبعيداً من الزوايا القانونية والأخلاقية والدينية، وكذلك قواعد التقنين في بعض الدول، فإن مثل هذه الخدمات تنطوي على "تأجير" شخص يقوم بهذه "الخدمة".
تأجير الأفراد لا يقتصر على مثل هذه الأعمال والخدمات المثيرة للجدل الأخلاقي، ولكنها تشمل تأجير رفيق أو رفيقة الحفل، أو مدعوين، أو صديق أو صديقة. مواقع وتطبيقات عدة تقدم خدمة تأجير الأصدقاء، منها ما يقدم خدماته محلياً، أي في داخل دولة أو مدينة ما، ومنها ما يقدم خدمة الإيجار العابرة للحدود. بين شخص ينوي القيام برحلة إلى بلد آخر، ويحتاج إلى من يرافقه بضعة أيام من أهل هذه الدولة، إلى تأجير أفراد بنظام الساعة أو اليوم للقيام بدور أفراد من الأسرة.
ويبزغ اسم اليابان في هذا القطاع الخدمي، إذ توجد شركات متخصصة في تقديم خدمة تأجير من يقوم بدور الزوج أو الزوجة، وأحياناً أفراد من العائلة الممتدة يقومون بدور المدعوين في حفل زفاف.
مطلوب أسرة
إلى أي مدى أنت مستعد للذهاب للحفاظ على ماء وجهك في مناسبة اجتماعية مهمة؟ أو للشعور بوحدة أقل في فترة يعاني فيها كثر من العزلة؟ قد يلجأ البعض إلى أحد أفراد العائلة أو صديق موثوق به، لكن بالنسبة إلى بعضهم قد يبدو من الأجدى ببساطة استئجار شخص ما ليقوم بهذا الدور، وهنا يأتي دور "العائلة البديلة"، وهي ظاهرة غير مألوفة، ولكنها حقيقية في اليابان، تتيح لك استئجار أفراد من عائلتك.
في اليابان، وحتى السبعينيات، كانت الأسرة هي الشكل الطبيعي والوحيد للمعيشة. أب وأم وأبناء، ويتزوج الأبناء ليكون كل منهم أسرة، وهلم جرا، إلا أن تغير إيقاع الحياة والأولويات، وتأخر سن الزواج، وأحياناً صعوبة العثور على فرصة عمل جيدة، أدت إلى تقلص الأسر وعيش كثيرين وحدهم أو مع شريك سكن.
وبحسب "المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي" في اليابان، يتوقع أن تشكل الأسر المكونة من شخص واحد ما يقرب من 40 في المئة من جميع أنواع الأسر في اليابان بحلول عام 2040.
وأمام هذه التغيرات، ظهرت الحاجة إلى "بدائل" لأفراد الأسرة، لا سيما لحضور المناسبات الاجتماعية مثل الأفراد ومناسبات العمل وغيرها، وهو ما أدى إلى ظهور ونجاح وتوسع فكرة أسرة أو أحد أفرادها للإيجار، وعلى رغم أن استطلاعات رأي عن الخدمة أشارت إلى أن بعضهم لا يلجأ إليها لأنه لا يحب الكذب، إلا أن آخرين مستمرون في ذلك.
عجائب وغرائب تأجير الأفراد لا تتوقف عند حد تأجير أفراد أسرة لحضور مناسبة، ولكن هناك من يسـتأجر أفراداً ليقوموا بدور فرد من الأسرة لأسباب نفسية، وفرد الأسرة المعروض للإيجار الأكثر شعبية هو الجدة.
خدمات تأجير جدة، سواء حقيقية أو افتراضية بدأت تظهر في الأعوام القليلة الماضية. الخدمة موجهة لمن يشعرون بالوحدة ويفتقدون حنان الجدة غير المشروط، أو يحتاجون إلى نصيحتها في أمور الحياة والعلاقات، أو ربما يتوقون إلى وجبة منزلية مطهية بنكهة "تيتا" أو "ستي".
عدد من المواقع يقدم خدمة تأجير جدة حقيقية بالساعة، ويعرض صوراً وأسماء لجدات من خلفيات عرقية وإثنية مختلفة، ويجمع بينهن – حسب الخطة التسويقية - خبرة حياتية طويلة في التربية وخوض المآسي وإسداء النصح وتقديم العطف والحنان، ولكن بمقابل.
الحزن كمهنة
مقابل آخر يتم دفعه، ولكن للصراخ والعويل، أو لخوض معركة نيابة عن آخرين. "المعددة" أو "الندابة" مهنة قديمة عرفتها بعض الدول العربية وأبرزها مصر، وتخصصها هو النواح والبكاء، وكان يتم الاستعانة بها في المآتم للصراخ على المتوفى وذكر محاسنه. وفي عقود سابقة كان ضمن مهامها ترديد مواويل حزينة عن الموت والفراق، وذلك بمقابل مادي متفق عليه، إنها مهنة نشر أجواء الحزن والدموع.
اتساع قاعدة الأشياء والأفراد القابلة والقابلين للإيجار يعني حدوث تغيرات كثيرة في المجتمعات، فبين أوضاع اقتصادية صعبة تجبر بعضهم على تأجير أشياء بدلاً من شرائها على سبيل التوفير، ووعي استهلاكي يسمح لبعضهم بترشيد الشراء حتى في حال توافرت الأموال، وكذلك تنامي دور الـ"سوشيال ميديا" كأداة لتشبيك الأفراد وتهيئة أجواء تساعد على تبادل المنافع مثل تأجير المعدات بين أبناء الحي الواحد، يبزغ نجم ما يعرف بـ"الاقتصاد التشاركي"، إنه الاقتصاد القائم على نموذج "الند للند"، والمتمثل في تمكين الأفراد من الاستئجار والتشارك في الأشياء، وتحقيق الربح عبر امتلاك الأصول والمهارات غير المستغلة، ومنها الوقت والخبرة والتجارب.
في الوقت نفسه، تقول هذه الأشياء وهؤلاء الأفراد الذين يجري استئجارهم كثيراً عن التغيرات الحادثة في العلاقات الاجتماعية، والعلل النفسية، ومشاعر الوحدة والفقد وغيرها في عديد من المجتمعات، وسبل الخروج منها أو مداواتها – ولو موقتاً - عبر جدة للإيجار، أو زوج لحضور الحفل، أو عمة وخالة وأبنائهما لملء فراغ الحضور في حفل أو مناسبة.