Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عطلة 3 أيام" بالأردن... رفاهية أم مغامرة لاقتصاد منهك؟

 يرى مراقبون أن القرار سيسهم في خفض كلف التشغيل بنسبة قد تصل إلى 15% سنوياً وتقليل أزمات السير الخانقة

بائع متجول يعرض أعلاماً أردنية للبيع في عمان (أ ف ب) 

ملخص

خامس أطول ساعات عمل عالمياً وأدنى إنتاجية فهل تحل "العطلة الطويلة" معضلة الإنجاز في الأردن؟

يرى القطاع الخاص أن يوم عطلة إضافي يعني بالنسبة إليه إما توقف الإنتاج أو دفع أجور عمل إضافية.

في وقت يضبط فيه العالم ساعته على إيقاعات عمل مرنة تتجاوز القوالب التقليدية، فجّر مقترح "عطلة الأيام الثلاثة" في الأسبوع جدلاً واسعاً في الشارع الأردني، محوّلاً منصات التواصل الاجتماعي والمجالس الاقتصادية إلى ساحات اشتباك بين مؤيد للفكرة ورافض لها.

وتنوعت أسباب انقسام الأردنيين حول هذا المقترح الذي أعلنت عنه الحكومة، فثمة مَن يرى أنه طوق نجاة لصحة الموظفين النفسية عدا عن التوفير على خزينة الدولة، بينما يعتقد آخرون أنه بمثابة رصاصة الرحمة على الإنتاجية والوضع الاقتصادي.

هل الأردن مستعد؟

يتضمن التوجه الجديد لتعطيل المؤسسات الرسمية والدوائر الحكومية لمدة ثلاثة أيام أسبوعياً بدل يومين على أن يتم تعويض ساعات العمل الضائعة عبر تمديد ساعات الدوام اليومية بمقدار ساعتين لينتهي الدوام في الخامسة أو السادسة مساء بدلاً من الثالثة أو الرابعة، ويستثني هذا المقترح، مبدئياً، قطاعي الصحة والتعليم، نظراً إلى خصوصيتهما وارتباطهما المباشر بحياة المواطنين.

لكن مراقبين واقتصاديين يتساءلون إن كان الأردن مستعداً تقنياً واقتصادياً للتحول إلى منظومة العمل القصير والمرن، بينما يقول مؤيدون للفكرة إن دراسات عالمية أثبتت أن زيادة أيام الراحة الأسبوعية لا تعني تراجع الإنجاز، بل زيادة تركيزه.

ويتحدث فريق ثالث عن فوائد تطبيق هذه الفكرة المعمول بها في عدد من دول العالم، كخفض فاتورة المحروقات والطاقة، في بلد يستورد معظم حاجاته من الخارج.

عوائد إيجابية

يقدّر خبراء أن تعطيل المؤسسات الحكومية يوماً إضافياً قد يخفض كلف التشغيل بنسبة قد تصل إلى 15 في المئة سنوياً مما يعني ضخ ما بين 60 و75 مليون دينار (ما بين84.6 و105.8 مليار دولار أميركي) في خزينة الدولة سنوياً، فضلاً عن تنشيط "سياحة العائلات" ومن ثم انتعاش قطاعات عدة كالفنادق وضخ سيولة في قطاع السياحة الداخلية.

إلى جانب العوائد الاقتصادية، ثمة أثر إيجابي يرصده مختصون اجتماعيون في الصحة النفسية والترابط الأسري، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن 70 في المئة من الموظفين الأردنيين يعانون "الاحتراق الوظيفي" لأسباب عدة من بينها أزمات السير الخانقة في عمان والإرهاق الوظيفي.
على الضفة الأخرى، يقف القطاع الخاص ورجال الاقتصاد في موقف مشكك ومحذر من خطورة الانجرار إلى فخ الرفاهية في بلد يعاني مالياً وفي توقيت اقتصادي حساس يتطلب مضاعفة ساعات وأيام العمل بدل تقليصها.

ويقول مراقبون إن ثمة خشية من أن تؤدي زيادة أيام العطلة إلى ارتباك المواعيد والمراجعات، وتراكم التعاملات في الدوائر الحكومية المهمة، لأن تقليص الأيام قد يعني طوابير أطول وضغطاً هائلاً في الأيام الأربعة المتبقية.

ويرى القطاع الخاص بدوره أن يوم عطلة إضافي يعني بالنسبة إليه إما توقف الإنتاج أو دفع أجور عمل إضافي مما يرفع كلفة المنتَج النهائي ويقلل تنافسية الصادرات الأردنية.

لكن ثمة مَن يطرح تداعيات اجتماعية لهذا القرار الاقتصادي، فوفقاً للمتخصص الاقتصادي مفلح عقل فإن "زيادة عدد أيام العطلة ستؤدي إلى مشكلات زوجية وعائلية أكثر ومن ثم زيادة نسب الطلاق".

 

الجانب الآخر الذي يتحدث عنه عقل هو "زيادة حجم الإنفاق والمطالب اليومية، وهو ترف لا يملكه المواطن الأردني الذي لا يزيد معدل دخله عن 3600 دولار سنوياً"، موضحاً أن "مقارنة الأردن مع دول دخل الفرد فيها عالٍ، مقارنة غير محسوبة"، وأشار إلى أن "ثمة دراسات تفترض أن زيادة أيام العطلة تعني زيادة الإنتاجية وهي فرضيات غير قابلة للتطبيق في الأردن".

هل "الرقمنة" هي الحل؟

يتفق كثر على أن نجاح هذه التجربة في الأردن مرهون بشرط واحد هو الأتمتة الكاملة للخدمات والتعاملات والتحول الرقمي للقطاع الحكومي، بحيث يستطيع المواطن إنجاز معاملته من هاتفه في يوم العطلة دون أن يتأثر بإغلاق المباني الحكومية.
ويعتقد مراقبون أن "عطلة الثلاثة أيام" من دون الرقمنة ستتحول إلى فوضى إدارية، لأن المشكلة الأزلية في الإدارة الحكومية هي أن الخدمة مرتبطة بوجود الموظف خلف مكتبه من الساعة الثامنة صباحاً إلى الثالثة مساءً، والتحول الرقمي سيفك هذا الارتباط، لكن المشكلة في الأردن هي أن التحول الرقمي لم يكتمل بعد، ولا يزال هناك تحدي التعاملات الهجينة التي تتطلب إجراءات ورقية.
على جانب آخر يقول موظفون في القطاع الخاص استطلعت "اندبندنت عربية" آراءهم، إن منح القطاع العام يوماً إضافياً سيزيد من شعورهم بالفجوة الطبقية الوظيفية، بينما ترى أمهات عاملات في القطاع الحكومي، أن تمديد الدوام للسادسة مساءً سيخلق أزمة رعاية لأطفالها في الحضانات.

فك ارتباط

وسط هذا الضجيج يبرز طرح مغاير للمتخصص الإداري معاذ مبيضين الذي يرى أن "العقدة ليست في عدد الأيام التي يعطل فيها الموظف، بقدر ما هي في عدد الأيام التي تظل فيها أبواب المؤسسات الحكومية مفتوحة للمواطن، هذا التوجه يدعو إلى فك الارتباط التاريخي بين دوام الموظف ودوام المنشأة، نحو نموذج إداري يستجيب لمتطلبات القرن الـ21".

ويضيف مبيضين أن "حصر النقاش في عدد أيام العطلة يغفل الجانب الأهم في معادلة الإدارة العامة، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الساعات التي يقضيها الموظف خلف مكتبه، بل في قدرة المؤسسة على تلبية حاجات المجتمع والاقتصاد دون انقطاع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد مبيضين أن "الأردن يعيش حالياً في ظل نموذج تقليدي يربط دوام المؤسسة بدوام الموظف بصورة متطابقة، وهذا التوازي يخلق فجوات إنتاجية كبرى، حيث تتعطل مصالح المواطنين والشركات في الوقت ذاته الذي يرتاح فيه الموظف، مما يحوّل يوم العطلة من فرصة للتوازن الاجتماعي إلى عبء تنظيمي ثقيل".
ويدعو مبيضين إلى منح الموظف ثلاثة أيام عطلة أسبوعية، مقابل تشغيل الدوائر الحكومية ستة أيام أسبوعياً، بحيث يكون هذا النموذج معتمداً على نظام التناوب، فتصبح المؤسسة منصة خدمية مستدامة لا تغلق أبوابها وهو ما يحقق استدامة اقتصادية ويوزع الحمل التشغيلي، ويقلل من الازدحام المروري الخانق، ويخفف الضغط المتراكم على المرافق العامة في أيام الذروة.

ماذا عن المساواة؟

 بدوره يرفض رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال الأردن خالد الفناطسة فكرة زيادة أيام عطلة القطاع العام إلى ثلاثة، مؤكداً أن هذا القرار غير قابل للتطبيق على القطاع الخاص، نظراً إلى أن قانون العمل يفرض على العاملين فيه العمل 48 ساعة أسبوعياً، بما في ذلك يوم السبت، الذي يعد العطلة الحالية.
ويؤكد الفناطسة أن "الأردن بلد إنتاج، والعمل وفق نظام الـ8 ساعات هو الأساس"، مشيراً إلى أن "الاتحاد العام لنقابات العمال يضم صوته إلى صوت قطاع الصناعة، وبخاصة أن الدستور ساوى بين المواطنين في الواجبات والحقوق، لذا لا يجوز منح القطاع العام ثلاثة أيام عطلة بينما القطاع الخاص يحظى بيوم عطلة واحد فقط".

تراجع في الإنتاجية

ويقول منتدى الاستراتيجية الأردني إن الأردن يسجل تراجعاً واضحاً في الإنتاجية على مدى العقدين الماضيين، ففي عام 2005 كان معدل الإنتاجية الأردنية حوالى 19.8 دولار أميركي لكل ساعة عمل، لكنه انخفض إلى 17.9 دولار عام 2025، بمعدل انخفاض سنوي يقارب -0.5 في المئة، أما ترتيب الأردن عالمياً في مؤشر الإنتاجية فهو 106 من بين 184 دولة.
ويشير المنتدى في تقريره إلى تناقض واضح بين طول ساعات العمل ومستوى القيمة المضافة، فمتوسط ساعات العمل الأسبوعية في الأردن يبلغ 48.8 ساعة، وهو من بين الأعلى عالمياً، حيث يحتل الأردن المرتبة الخامسة عالمياً في طول ساعات العمل.

ووفقاً للأرقام الرسمية فإن القطاعات الأعلى إنتاجيةً في الأردن هي التعدين والمحاجر والزراعة، أما القطاعات الأقل إنتاجية فهي الخدمات الحكومية وقطاع التجارة.

 

ووفقاً للتقارير الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، والبنك الدولي، ورؤية التحديث الاقتصادي، يعد الجهاز الإداري في الأردن من الأضخم في المنطقة بالنسبة إلى عدد السكان، حيث يقدر عدد الموظفين بنحو 450 ألف موظف ويشمل ذلك الجهاز المدني والعسكري والمؤسسات المستقلة.

ويشكل قطاعا التربية والتعليم والصحة الكتلة الأكبر بنسبة 60 في المئة من القطاع المدني.

ويبلغ عدد ساعات العمل الحالية للقطاع العام، ما بين 37.5 إلى 40 ساعة أسبوعياً، بواقع 7.5 إلى 8 ساعات يومياً، من الأحد إلى الخميس بينما يصل عدد ساعات عمل القطاع الخاص إلى 48 ساعة أسبوعياً وفقاً لقانون العمل.
أما متوسط الأجور في القطاع العام فيراوح ما بين 450 و600 دينار أردني (ما بين 630 و845 دولاراً تقريباً) في حين أن الحد الأدنى للأجور يبلغ 290 ديناراً (409 دولارات تقريباً).

وتبلغ موازنة الرواتب للموظفين والمتقاعدين حوالى 70 في المئة من الموازنة العامة (نحو 7 إلى8  مليارات دينار سنوياً، أي ما بين 9.87 و11.28 مليار دولار أميركي).

اقرأ المزيد