ملخص
تفكك الثقة في الدولة البريطانية بسبب الإفلات المزمن من العقاب والفضائح السياسية والاقتصادية أضعف روح الانتماء، وفتح المجال أمام الشعبوية والنفوذ الروسي، وأفقد قطاعات واسعة من المجتمع استعدادها للدفاع عن البلاد. إن استعادة الوطنية والديمقراطية تتطلب محاسبة حقيقية للنخب، لأن غياب العدالة والحياء السياسي يحوّل الحرية إلى شعار فارغ بلا سند شعبي.
قد يبدو تشبيه الأفعال المزعومة للسياسي "العمالي" البارز بيتر ماندلسون بما تقوم به شركات مياه عدة في بريطانيا بتلويث الأنهار بمياه الصرف الصحي، أمراً مبالغاً فيه، غير أنه في الواقع ليس كذلك. فكلتا الحالتين تقتربان من حدود الخيانة، في زمن أصبح فيه الإفلات من العقاب أكبر مواطن ضعف الأمة.
لقد تراخت الديمقراطيات الليبرالية – ومن بينها المملكة المتحدة - في الدفاع عن القيم والمعايير التي تميزها عما هو آخذ في التشكل الآن في الولايات المتحدة، وما ترسخ بالفعل في روسيا وطغى عليها. وفي أوساط الليبراليين والتقدميين، يسهم ازدراء الوطنية في خدمة أعدائنا، ويعرضنا للخطر.
استولت الحركات الشعبوية اليمينية إلى حد كبير على خطاب الوطنية، وحولته إلى منصة تسخر كراهية الأجانب والعنصرية، واتساع اللامساواة، ووسائل التواصل الاجتماعي، لصناعة خليط شوفيني يخدم أعداءنا، من دون أن ينجح في تحفيز الغرب على الدفاع عن نفسه.
وهكذا صار زعيم حزب "ريفورم" نايجل فاراج، ومارين لوبان، الزعيمة السابقة لـ"الجبهة الوطنية" في فرنسا التي لحقت بها وصمة عار سياسي، وفيكتور أوربان في المجر، وكل من يحمل "الناتو" مسؤولية الغزو الروسي لأوكرانيا، "حمقى نافعين" في خدمة الكرملين.
ووُجهت ضربة قاصمة للثقة بحكام بريطانيا ومنظومة حكمها على السواء خلال عهد توني بلير، ومعه جهاز خدمة مدنية مذعن، حين تواطأ الجميع على جر البلاد إلى حرب العراق عبر الكذب والتضليل.
ومنذ ذلك الحين، شهدنا مصرفيين أفلتوا من تبعات الأزمة المالية التي تسببوا بها عام 2008، وضباطاً بريطانيين عديمي الكفاءة تركوا جنودهم عالقين في مقاطعة هلمند الأفغانية، ومقرّبي بوريس جونسون الذين جنوا مكاسب من صفقات جائحة كورونا، إضافة إلى طيف واسع من المحتالين ذوي الياقات البيضاء الذين واصلوا الازدهار بلا رادع.
ربما يكون الإفلات من الملاحقة القضائية أمراً وارداً، لكن لماذا لا يقابَل هؤلاء الأشرار بالنبذ الاجتماعي، أو الأفضل من ذلك، بالتشهير العلني ووضعهم موضع الإدانة أمام المجتمع؟
ولو كانت دوافع تلويث مصادر المياه في بريطانيا سياسية، لكان رؤساء شركات المياه وجدوا أنفسهم سريعاً خلف القضبان. لكنهم من أصحاب الملايين، ومن المؤكد أنهم ينعمون بحياة اجتماعية صاخبة لا يستحقونها إطلاقاً.
ولا يزال توني بلير يتباهى ويجوب العالم على رأس "معهد التغيير العالمي" الذي يقوده، فيما يستمتع عرّاب دعايته السياسية، أليستر كامبل الذي سوّق لدخول بريطانيا الحرب، بفصل ثالث من حياته كنجم بودكاست محبوب.
إن إفلات القادة، على اختلاف مواقعهم، من العقاب في المملكة المتحدة، وغياب أي قدر من الحياء لديهم، بدد دوافع أمة تواجه الخطر وأغرقها في الإحباط.
ولا ينبغي التعامل مع التسريبات المزعومة التي قام بها ماندلسون لمعلومات سرية على مستوى مجلس الوزراء إلى شخص معروف باعتدائه الجنسي على الأطفال، وكان يدير شبكة معروفة من أشخاص يمارسون الانتهاكات نفسها، وله سجل طويل من المخالفات والفساد، بوصفها مجرد استغلال لمعلومات داخلية، أو تصرفاً أحمق، أو أمراً مؤسفاً وحسب.
ففي وقت كانت المملكة المتحدة وحلفاؤها يخوضان "حرباً هجينة" مع روسيا، وهي حرب كانت بدأت حين كان ماندلسون يرسل إلى جيفري إبستين نمائم ومذكرات شديدة الحساسية، يجب النظر إلى هذا السلوك على حقيقته: سلوك غير وطني وينطوي على خيانة.
لكن في بريطانيا، يتجنب اليسار الليبرالي أن يظهر وهو يحمل علم المملكة المتحدة أو يرتدي صليب القديس جورج، خوفاً من أن ينظر إليه على أنه قريب من يمين شعبوي مبتذل.
كما أن كثيراً من أنصار اليسار لا يقولون إنهم سيقاتلون من أجل بلدهم.
ووفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة "إلكتورال كالكولس" في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، قال 33 في المئة من ناخبي حزب العمال إنه من غير المرجح أن يقاتلوا من أجل بلادهم، بينما قال 20 في المئة إنهم لن يحملوا السلاح أبداً.
وكان استطلاع سابق أجرته شركة "إيبسوس" لأبحاث السوق أظهر أن 48 في المئة من سكان المملكة المتحدة أكدوا أنهم لن يحملوا السلاح للدفاع عن بلادهم في ظل أي ظرف من الظروف.
وبحسب هذا المقياس، كان أنصار حزب "الديمقراطيين الليبراليين" الأقل وطنية بنسبة 48 في المئة، وجاء حزب العمال ثانياً بنسبة 47 في المئة. وعلى رغم ذلك الحنين الإمبراطوري الصاخب الذي يطبع حملاتهم، أظهر "المحافظون" (41 في المئة) و"ريفورم" (40 في المئة) تردداً متقارباً في أن يطابقوا أقوالهم بأفعالهم.
لقد أوهنت بريطانيا بسبب أعوام من الانتهاكات على أعلى المستويات التي مرت بلا عقاب. لذلك لا غرابة أن يشعر الشباب بأن بلادهم لا تستحق القتال من أجلها.
ربما لاحظوا، على سبيل المثال، أنه على رغم أن استفتاء "بريكست" الذي أجري عام 2016، كان بالتأكيد هدفاً واضحاً لحملات الدعاية وعمليات التأثير الروسية المؤيدة لمغادرة بريطانيا الكتلة الأوروبية، إذ أُرجئ نشر تقرير برلماني حول هذا الموضوع من مارس (آذار) عام 2019 إلى يوليو (تموز) عام 2020. ولم تسمح التحقيقات بالتأكد مما إذا كانت جهود روسيا للتأثير في التصويت المؤيد للخروج البريطاني قد نجحت بالفعل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعندما أعلنت نتائج التقرير أخيراً، لم يرَها الناخبون البريطانيون إلا بعدما أصبحت خارج نطاق ما يمكن أن ينعكس في الانتخابات العامة التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) عام 2019.
لذلك لا ينبغي أن نفاجأ بأن الشباب يشعرون بأنهم مقصيون سياسياً. فالذين قد نضطر إلى إرسالهم إلى الحرب لا يشعرون بأنهم جزء من بلد يستحق الدفاع عنه.
قبل نحو عام، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف"، أن 41 في المئة من الشباب الذين تتفاوت أعمارهم ما بين 18 و27 سنة، لن يقاتلوا من أجل بريطانيا تحت أي ظرف.
لكن 47 في المئة قالوا إن المملكة المتحدة لا تزال بلداً متسامحاً. وهذا التقليد – فضلاً عن سيادة القانون واستقلال القضاء وديمقراطية نابضة بالحياة - هو ما يستحق الدفاع عنه، وهو ما سيحتاج إلى الدفاع عنه.
وكي تكتسب أمة القدرة على الدفاع عن الحريات التي تعتبرها من المسلّمات، لا بد من أن يلمس شعبها أن قادتها لن يفلتوا من المحاسبة. وعندما يُكشف عن المجرمين والمختلين، تنبغي محاسبتهم بحزم، سواء عبر زجهم في السجن أو من خلال عزلهم اجتماعياً.
قد ينال بيتر ماندلسون جزاءه، لكن ذلك لن يكون سوى البداية.
© The Independent