Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صور ترمب... وجه واحد برسائل متعددة

صور الرئيس الأميركي كعهده أبعد ما تكون من التقليدية بعدما أصبحت وسيلة ذكية لقياس الرأي العام وأرضاً خصبة للقيل والقال

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ ف ب)

ملخص

صور دونالد ترمب تحولت إلى ظاهرة سياسية وإعلامية عابرة للحدود، تصنع الجدل وتؤثر في الرأي العام، بين بورتريهات رسمية حادة ولقطات عفوية وذكاء اصطناعي يعيد تشكيل حضوره.

الأحداث السياسية المتسارعة والأوضاع العسكرية والاقتصادية المتشابكة والتغيرات الكبرى التي يشهدها الكوكب بصورة غير مسبوقة، لا توفي صور الرئيس الأميركي دونالد ترمب حقها، فهي صور أيقونية بكل تأكيد. آلاف الصور والعداد لا يتوقف، وكل منها يحمل معنى مختلفاً ورسالة متفردة ويبث مشاعر متشابهة ويؤجج أخرى متناقضة. صور الرئيس ترمب منجم ذهب لا ينضب. الجمهور متعطش، وأداة التكبير والتقريب تغذي الهوس بها، وموضوع الصورة وبطلها لا يبخلان على الجميع بكل جديد ومذهل ومثير في كل مرة.

سواء كانت صورة الرئيس "بورتريه" تتبع إجراءات صارمة لاختيار الخلفية والإضاءة والنظرة والزاوية وألوان الملابس، أو كانت صورة رسمية لمؤتمر، أو صوراً يلتقطها مصورون صحافيون من دون كثير من التخطيط الفني، أو أخرى يجري اقتناصها في أوضاع استثنائية، تظل كل صورة فوتوغرافية للرئيس ترمب بألف كلمة ومعنى ومغزى وأرضاً خصبة للقيل والقال ومنصة فريدة لإرسال الرسائل ووسيلة ذكية لقياس الرأي العام وتتبع القيل والقال، والقوس مفتوح.

الصورة والرأي العام

صور الساسة، ولا سيما القادة والزعماء والرؤساء، تؤثر على نحو كبير في الرأي العام، وتعمل كإشارات بصرية ومعرفية وعاطفية سريعة تؤثر في توجهات الناس، وفي مرحلة لاحقة قراراتهم الانتخابية (في حال كانت هناك انتخابات)، أو تظل تلقي بظلالها سلباً وإيجاباً على مواقفهم من "الزعيم". تعاطف وسخرية وحب وكراهية واحترام وامتعاض وتأييد ومعارضة، وأحياناً مطالبة بإخضاع لفحوص طبية ونفسية.

الأستاذ في كلية اللغويات والاتصالات في جامعة بورت هاركورت بنيجيريا يشير ضمن دراسة عنوانها "استخدامات وتأثيرات الصور الفوتوغرافية في الاتصالات السياسية" (يناير 2026) إلى أن الصور أسرع من النصوص المكتوبة في القدرة على إحداث التأثير في قرارات المتلقين والناخبين، فهي بمثابة "طعم" يجذب الانتباه، ويؤدي بالناخبين إلى إصدار أحكام أو اتخاذ قرارات سريعة، غالباً لا شعورية، حول كفاءة السياسي وشخصيته.

وتحقق الصور الفوتوغرافية، أكثر من مقاطع الفيديو، قدراً أكبر من التواصل العاطفي والتعبئة، إذ يمكن للصور القوية أو الرمزية أو المصممة بعناية أن تثير مشاعر قوية، بما في ذك الخوف أو الإعجاب أو الكراهية، ويمكنها أيضاً أن تكون بمثابة رموز للمقاومة أو التغيير، مما يحفز الناخبين أو المتلقين بصورة عامة على دعم القضايا التي يتبناها صاحب الصورة أو "الـبورتريه" الرسمي.

في يناير (كانون الثاني) عام 2025، أطل "البورتريه" الرسمي للرئيس دونالد ترمب لفترته الرئاسية الثانية مفاجأة، بكل ما تحمله المفاجأة من مشاعر صدمة سلبية أو غبطة إيجابية.

قوة وبأس وجدية وعناد وسيطرة وإقدام، مريب ومزعج وغليظ وشرس وحاد، وعلى رغم أن "البورتريه" الرسمي مضى عليه أكثر من عام، فإنه لا يزال ضمن الأكثر بحثاً على الإنترنت وضمن الأكثر خضوعاً لتحليل خبراء التصوير وربط الصورة بالسياسية.

بحاجب مرفوع وملامح صارمة، الصورة الرسمية التي التقطها مصور البيت الأبيض المحنك دانيال توروك تقول الكثير، فبحسب تحليل نشر على موقع "بي بي سي" بالإنجليزية (يناير 2025) تحت عنوان "تحليل الصورة الرسمية الجديدة للرئيس ترمب"، جاء أن الصورة تتميز بنظرة جادة ومباشرة تهدف إلى إظهار القوة. وهي حادة، وتبدو وكأنها "تنذر بسوء"، أو "مظهر مشؤوم" كذلك الذي يظهر في أفلام الرعب، أو أقرب ما تكون إلى الملاكم قبل المعركة.

أستاذ الصحافة المرئية والتصويرية في جامعة كانساس الأميركية إريك توماس رأى في مقالة عنوانها "من دوران أيزنهاور إلى نظرة ترمب الحادة، صور الرؤساء تتخذ أوضاعاً مختلفة" (يناير 2025) أنه يتجنب وصف أية تقنية في التصوير بـ"السيئة" أثناء تدريس التصوير للطلاب، فربما يجد لها أحدهم استخداماً ما، "وعلى رغم ذلك يصعب إيجاد فائدة من إضاءة وجه شخص من أسفل. إنها طريقة رائعة لإضفاء مظهر شرير على شخص ما. عموماً، جرى إنجاز المهمة سيدي الرئيس والسيد توروك" (مصور البورتريه).

المؤكد أن الصورة تبرز جدية وعزيمة فولاذية وصارمة تشي باتخاذ قرارات وسن سياسات لا رجعة فيها مهما كانت ردود الفعل.

فترتان وصورتان ورسالتان

مقارنات عدة تعقد بين "بورتريه" ترمب الرسمي عام 2025 وعام 2017، إذ إن الأخير كلاسيكي بوجه مبتسم، وملامح واثقة لكن هادئة، معتمة بإقامة علاقة ودية، وإضاءة تقليدية، ورسالة مفادها "مرحباً" تصلح للتعليق على جدران المؤسسات والمصالح الحكومية ومكاتب البريد لتكون أول ما يطالع الناس، أي الناخبين.

و"البورتريه" الرسمي هذه المرة ليس تقليدياً، ويناسب تماماً ترمب وفترته الرئاسية الثانية التي تمضي حاملة آلاف الصور المثيرة، من دون تدخل مصور محترف أو ضلوع لأداة ذكاء اصطناعي أو تقنيات الإضافة والحذف، وإن كان هذا لا يمنع من اللجوء إليها حين تقتضي الحاجة.

وقبل نحو شهر، أثارت صورة في معرض الصور الوطني في واشنطن، التابع لمؤسسة "سميثسونيان" (أضخم مجمع للمتاحف والمراكز البحثية والتعليمية في العالم) قدراً هائلاً من الاهتمام والجدل، بعد إزالة الإشارة المذكورة على صورة ترمب بأنه تعرض لمحاولة العزل مرتين.

يُشار إلى أن النص المكتوب كان يلخص الفترة الرئاسية الأولى لترمب، وتضمن ترشيحاته للمحكمة العليا وتطوير إدارته للقاحات كورونا وتوجيه اتهامين له هما إساءة استخدام السلطة والتحريض على التمرد، إثر هجوم أنصاره على مبنى الكابيتول في يناير (كانون الثاني) عام 2021، والمطالبة بعزله، لكن مجلس الشيوخ برّأه. وجاء كذلك أنه بعد خسارته أمام جو بايدن عام 2020، حقق ترمب عودة تاريخية في انتخابات عام 2024. وهو الرئيس الوحيد، إضافة إلى غروفر كليفلاند (1837-1908) الذي فاز بولاية ثانية غير متتالية.

الصورة والنص كانا جزءاً من معرض "رؤساء أميركيون" في المتحف، وتفجر الجدل حين وضعت صورة أخرى من دون نص، على عكس كل الرؤساء الأميركيين في المعرض الذين يصاحب صورهم نص موسع عن مسيرة كل منهم. والصورة الجديدة لا تفتقد الإثارة، إذ يظهر ترمب واقفاً خلف المكتب البيضاوي، بوجه عابس، وقبضتيه على المكتب.

وعلى رغم أن كثراً اجتهدوا لتجميع صور فوتوغرافية اعتبروها "أغرب الصور الرئاسية الأميركية" خلال الفترة الرئاسية الأولى لترمب، فإن الفترة الثانية التي مضى عليها أكثر قليلاً من عام واحد تحمل قدراً أوفر من هذه الصور.

وعادة يكون الغرض من الصور الفوتوغرافية للزعماء إثارة المشاعر القوية وتقوية القاعدة الشعبية المؤيدة وتوصيل رسائل هي خليط من التعاطف والمعرفة والمودة، وفي الوقت نفسه القوة والثبات والحزم. وتحرص الطواقم المتخصصة التي تحيط بالزعماء على أن تكون صورة الزعيم في أبهى حال ممكنة، مع الإبقاء على هوامش اللقطة السخيفة أو المحرجة أو غير اللائقة في أضيق الحدود.

خروج عن المعتاد

عادة، تكون هناك طواقم أو خبراء مهمتهم إدارة الصورة بعناية شديدة حتى تكون الرسائل محددة ومنضبطة، فحتى الصور التي يقال إنها سُربت، لكنه تسريب مدروس، وتحمل لقطة عفوية، فإنها على الأغلب تكشف عن جانب إنساني أو نقطة ضعف، لكن محببة، وتجعل من الزعيم أمام شعبه إنساناً.

وفي حالة ترمب، فإن الصور المهندسة سياسياً وفنياً وتقنياً تحمل خلال فترته الرئاسية الثانية معاني القوة والحسم والإصرار. أما الصور غير المهندسة، فهي كثيرة وحمولتها ثقيلة، فشخصية ترمب التي تجمع بين الدعابة والثقة، والجرأة المدهشة والمجاملات المختارة بعناية، والتصرفات غير المتوقعة وكذلك تلك التي تبدو وكأنها معدة مسبقاً لتنافس أقوى المشاهد الدرامية، تنعكس حتماً في الصور. وبين صفوف المصورين المحترفين دائماً وغير المحترفين، من يتحين اللحظة الفارقة لالتقاط الصورة الفريدة التي تحقق له الشهرة والانتشار، أو ربما تعكس موقفه السياسي أو الأيديولوجي من الرئيس، تأييداً أو معارضة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والزوايا والخلفيات والإضاءة وانتظار اللحظة الحاسمة التي يرفع فيها الرئيس حاجبيه، أو يلوح بقبضته في الهواء، أو يتثاءب، أو يلوي شفتيه أو يضمهما في وضع القبلة، أو يفتح فمه بالكامل، أو يخرج لسانه تقدم فرص تصوير بالغة القيمة للمصورين، وترمب يتابع صوره باهتمام شديد، ففي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025 شن ترمب هجوماً شديداً على مجلة "تايم" الأميركية بسبب صورته على الغلاف، ضمن مقالة عن اتفاق السلام في الشرق الأوسط، ووصف ترمب الصورة بأنها "الأسوأ على الإطلاق" وتكبد عناء التعبير عن غضبه على منصة "تروث سوشيال"، فكتب أن المجلة نشرت "قصة جيدة نسبياً عني، لكن الصورة قد تكون الأسوأ على الإطلاق. أخفوا شعري، وظهر شيء عائم فوق رأسي وكأنه تاج، ولكن صغير جداً. أمر غريب حقاً".

عنصر الغرابة في الصور لا ينضب، ومنذ تقلد ترمب مهماته الرئاسية مطلع العام الماضي، والصور الفوتوغرافية يتم التقاطها ونشرها وإعادة نشرها، وأحياناً تصنيعها، والأسباب كثيرة.

صحة الرئيس في صورة

"صحة الرئيس" تظل عنواناً وسبباً للبحث والتداول، من كدمات على يد الرئيس اليمنى، وتفاقم الكدمات على يد الرئيس اليمنى، وظهور كدمات على يد الرئيس اليسرى كتلك التي في اليمنى وتغيرات في لون جلد يد الرئيس، وكدمة جديدة وعودة كدمة قديمة وكدمة حمراء وكدمة زرقاء، وكدمة تدعو إلى القلق، وكدمة طبيعية لمن هم في مثل سن الرئيس، وتتوالى الكدمات وصور الكدمات، ووصل الأمر إلى درجة أن تقارير صحافية عن "صحة الرئيس" تتخذ من صورة مكبرة ليد الرئيس فقط، من دون بقية جسمه، عنواناً لها.

ومن صور يد الرئيس وكدماته، إلى صور نوم الرئيس وغفواته، فالرئيس يغفو خلال اجتماع رئيس وصورة الرئيس غافياً تنتشر انتشاراً فيروسياً في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025، لدرجة أن متحدثة البيت الأبيض كارولين ليفيت اضطرت إلى التعليق "لم يكُن نائماً. كان يستمع، ويدير الاجتماع الحكومي الذي استمر قرابة ثلاث ساعات". وبعدها بشهر تقريباً، غفا ترمب، لكن خلال مؤتمر صحافي أمام الكاميرات، ولكن هذه المرة في مؤتمر صحافي خاص بالحليب.

والطريف أن ترمب نفسه حين سئل عن صوره وهو نائم، قال "لم أنَم. أغلقتهما فقط لأنني أردت الخروج من هناك بأسرع ما يمكن (في إشارة إلى شعوره بالملل)".

وعلى ذكر الإشارة، فإن صور ترمب عامرة بإشارات اليد والأصابع والقبضات، إذ إن الرئيس الأميركي يلوح كثيراً بقبضته في الهواء، لكن القبضة الأيقونية تحسب للمصور الرئيس لوكالة "أسوشيتد برس" إيفان فوتشي الذي التقط صورة الرئيس عقب الطلقات النارية التي انطلقت نحوه في بنسلفانيا أثناء جولاته الانتخابية في سبتمبر (أيلول) عام 2024، وهو يلوح بقبضته في الهواء.

وعلى رغم عشرات المرات التي يلوح فيها ترمب بقبضته، فإن "عفوية" التلويح عقب إطلاق النار عليه، وآثار الدمار على نصف وجهه وهو محاط بأفراد الأمن، تظل الأشهر وتظل مثار تحليل وتفسير.

وغالبية التحليلات، بما في ذلك التي جاءت من أشخاص معارضين لترمب وسياساته، أجمعت على أنها تعكس إصراراً على المضي قدماً وغضباً عارماً وعزيمة لا تلين، إضافة إلى معرفة يقينية بأن العالم يشاهد، وفي القلب من العالم الناخبون، مما يعني أن الرسالة ستصل مباشرة إليهم.

دعابة لا تلين

وكأن هذا الكم الهائل من الصور التي تحمل رسائل مدروسة بعناية، ولا تخرج عن إطار القوة والإصرار والسيطرة والبأس، ولا تتوانى عن الكشف عن شخصية الرئيس وميله إلى حس دعابة فريد لا يلين، إضافة إلى الصور التي يتداولها سكان الكوكب لصور استخدمت فيها أدوات رقمية لأغراض الدعابة أو السخرية أو حتى الغضب، لا تكفي، لا يتوانى الرئيس نفسه عن نشر صور له مصنوعه بالذكاء الاصطناعي.

صورة ترمب "البابا" قلبت أرجاء العالم رأساً على عقب، ففي مايو (أيار) عام 2025 نشر الرئيس الأميركي صورة له على حسابه على "إنستغرام" وهو يرتدي زي بابا الفاتيكان، من دون تعليق، مما جعلها أكثر إثارة للجدل، وكذلك تأكيداً على حس الدعابة الفريد والجريء الذي يتمتع به. وقبلها بأيام، قال ترمب لأحد الصحافيين رداً على سؤال حول توقعاته في شأن البابا الجديد للفاتيكان "أرغب في أن أصبح البابا، سيكون هذا خياري الأول".

ومن ترمب "البابا" إلى ترمب "سوبرمان"، وهنا ظهر الرئيس في صورة البطل الخارق "سوبرمان"، مرتدياً "عباءة "سوبرمان"، وعلى صدره رمز "أس" الشهير، وعلم أميركا في الخلفية. والصورة، المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، نشرها البيت الأبيض في يوليو (تموز) عام 2025 على حسابه الرسمي على "إكس"، مذيلة بعبارة تصف رئاسية ترمب بـ"رمز الأمل. الحقيقة. العدالة. على الطريقة الأميركية... سوبرمان ترمب".

كُتب وقيل الكثير عن قوة الصورة الفوتوغرافية، وكيف أنها بألف كلمة، وقدرتها على جذب التعاطف وبناء الكراهية وغرس الثقة ونشر الشكوك وحشد الرأي العام، وكذلك تفتيته. وكل الزعماء والساسة والمشاهير وطواقمهم يدركون جيداً قدرة الصورة على صناعة وتوجيه الرأي العام، وإضفاء طابع إنساني أو عدواني أو لطيف أو عنيف على صاحبها. ويدركون جيداً أن الصور سلطة وقوة ونفوذ، تخلق روابط عاطفية أو تقطعها، وتغير نتائج انتخابات وتصنع تاريخاً من الأمجاد أو الإخفاقات. أما صور ترمب، فستظل كعهده، أبعد ما تكون من التقليدية، ولا علاقة لها بالكلاسيكية، ولا مجال للتوقع فيها باستثناء توقع أن تخرج الصور استثنائية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير