Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يتصدع جدار "الثنائي الشيعي" داخل البرلمان اللبناني؟

يرى كثر أن الدمار الناتج من الحرب وتراجع قوة "حزب الله" والتطورات الإقليمية عوامل تصب باتجاه خلق بيئة أكثر ملاءمة للتغيير السياسي

يبرز عشية الانتخابات النيابية المقررة في مايو المقبل سؤال محوري حول إمكان نجاح مرشحين شيعة مستقلين خارج إطار "أمل – حزب الله" (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

ملخص

التحول في المزاج الشيعي، مهما كان حجمه، يمثل تطوراً نوعياً. فللمرة الأولى منذ عقود، يبدو أن هناك مساحة حقيقية لخطاب سياسي شيعي بديل، خطاب لا يعتبر نفسه خائناً للطائفة، بل معبراً عن جزء حقيقي من تطلعاتها. السؤال الآن هو: هل ستتحول هذه المساحة إلى تمثيل سياسي فعلي؟

في ظل الهيمنة التاريخية لـ"الثنائي الشيعي" ("حركة أمل" و"حزب الله") على الساحة السياسية الشيعية في لبنان يبرز عشية الانتخابات النيابية المقررة في مايو (أيار) المقبل سؤال محوري حول إمكان نجاح مرشحين شيعة مستقلين خارج هذا الإطار. فمنذ عقود، سيطر ثنائي "أمل - حزب الله" على التمثيل السياسي للطائفة الشيعية في لبنان، ولم تقتصر هذه السيطرة على المستوى الانتخابي فحسب، بل امتدت لتشمل النفوذ الاجتماعي والاقتصادي والأمني في المناطق ذات الغالبية الشيعية، مما جعل من الصعب على أي مرشح مستقل أن يحقق اختراقاً حقيقياً. وعلى رغم أن رحلة البحث عن البدائل انطلقت عام 2022 من خلال بروز مرشحين شيعة مستقلين، إلا أنها لم تكتمل، ولم يتمكنوا من إحداث خرق واحد، لكن تجربة انتخابات عام 2022، على رغم محدودية نتائجها، كانت لها أهمية رمزية كبيرة. فترشح بعض المستقلين الشيعة في تلك الانتخابات، وحصولهم على نسب تصويت معتبرة في بعض المناطق، وصلت في بعض الحالات بين 8 و10 في المئة، كسر حاجزاً نفسياً مهماً، وأثبت هؤلاء المرشحون أن الترشح خارج "الثنائي" ممكن، وأن هناك ناخبين مستعدين لمنحهم أصواتهم. هذه التجربة، مع كل الدروس المستفادة منها، تشكل أرضية يمكن البناء عليها في الانتخابات المقبلة. في المقابل اعتبر البعض أن النجاح غير مضمون، وأن ثنائي "أمل - حزب الله" ما زال الأقوى والأكثر تمثيلاً داخل الطائفة الشيعية، بالتالي فإن التحدي لدى المرشحين المستقلين سيكون في القدرة على تحويل الغضب الشعبي إلى مشروع سياسي منظم، وفي الشجاعة على مواجهة الضغوط التي ستأتي حتماً.

 

عوامل جديدة قد تمهد للتغيير

يتحدث كثر من غير المؤيدين لأحادية "أمل - حزب الله" عن عوامل ومتغيرات قد تصب في مصلحة التغيير داخل الطائفة الشيعية. ويستند هؤلاء إلى استطلاع للرأي أجرته شبكة "غالوب" الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) 2025 أظهر أن 27 في المئة من الشيعة الذين تم استطلاعهم هم مع حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. ورأى كثر أن الدمار الناتج من الحرب، والأزمة الاقتصادية المستفحلة، والجيل الجديد الأكثر جرأة، والتحولات في المشهد السياسي، والتطورات الإقليمية، وكسر حاجز الخوف لدى الشباب الشيعي، كلها عوامل تصب في اتجاه واحد: خلق بيئة أكثر ملاءمة للتغيير السياسي، فـ"حزب الله" لم يعد نفسه بعد تراجع قوته العسكرية وإمكاناته المادية، وهذا التراجع، يضعف من "هالة الحماية" التي شكلت، عقوداً، جزءاً أساساً من الشرعية السياسية للحزب، إضافة إلى أن الحرب التي خاضها ضد إسرائيل بحجة مساندة غزة تركت بصمات عميقة لا يمكن تجاهلها، وأنتجت واقعاً جديداً على الأرض، يدفع شريحة متزايدة من المواطنين الشيعة إلى طرح أسئلة صعبة لم تكن تطرح بهذه الجرأة في السابق. ما جدوى الحروب المتكررة؟ من يدفع الثمن الحقيقي لهذه المواجهات؟ هل الكلفة الباهظة التي يتحملها المواطن العادي تتناسب مع المكاسب المحققة؟

وإذا كانت التطورات الأمنية قد خلقت شروخاً في الجدار السياسي الصلب، فإن الأزمة الاقتصادية المستمرة منذ عام 2019 والمستمرة بعد الحرب الأخيرة، قد حولت هذه الشروخ إلى صدوع عميقة. فالانهيار الاقتصادي الذي ضرب لبنان لم يستثنِ أحداً، لكن تأثيره في البنية الداعمة لـ"الثنائي الشيعي" كانت له أبعاد خاصة، والمؤسسات التابعة لحركة "أمل" و"حزب الله"، التي كانت تشكل شبكة أمان اجتماعي واسعة، باتت أقل فاعلية، خصوصاً في ظل قرار دولي وعربي يقضي بقطع كل الإمدادات المالية التي يمكن أن تسمح للحزب أن يعزز مجدداً قوته العسكرية، وتراجع قدرة إيران على مدهم بالمساعدات الكفيلة بتأمين مستلزمات الحفاظ على قوتهم. وهذا التراجع في القدرة على تقديم الخدمات يضعف أحد أهم أسس الولاء السياسي لـ"الثنائي"، ذلك الولاء الذي كان يبنى على المعادلة البسيطة: الحزب يحمينا ويخدمنا، ونحن ندعمه سياسياً.

 

هل يتكرر سيناريو عام 2022؟

في انتخابات عام 2022، وعلى رغم الظروف السياسية والأمنية التي بدت مواتية نسبياً للتغيير، لم ينجح أي من المرشحين المستقلين الشيعة الـ81 في اختراق جدار "أمل - حزب الله" عبر كل لبنان. فالأرقام بحسب الباحث في "الدولية للمعلومات" محمد شمس الدين كانت واضحة، إذ حصل مرشحو المعارضة على 43698 صوتاً فحسب، مقابل 523404 أصوات لمرشحي "الثنائي"، ما يعني أن المعارضة حققت نسبة 8.5 في المئة فقط من الأصوات التي ذهبت لـ"الثنائي". وتابع "اليوم هناك اتجاه واضح لدى عديد من المرشحين الشيعة للترشح مجدداً ومنافسة لوائح (أمل) و(حزب الله). يستند هؤلاء إلى أن الظروف أصبحت أفضل من عام 2022، وأن إمكان تحقيق اختراق باتت أكثر واقعية. لكن الأمر ليس بهذه البساطة، وهناك عاملان يضعفان فرص المعارضة، أولاً، غياب صوت المغتربين الذين كانوا سيقترعون بغالبيتهم ضد (أمل) و(حزب الله)، وباستبعاد اقتراع الاغتراب اللبناني، فقدت قوى المعارضة للثنائي سنداً حيوياً وأصواتاً بأحجام كبيرة كانت ستشكل فارقاً في بعض الدوائر. والعامل الثاني والأكثر تعقيداً، يتعلق بتأثير الحرب الأخيرة على المزاج الشيعي، فالدمار الذي تعرضت له المناطق الشيعية في الجنوب وبيروت والبقاع خلق، على عكس ما يعتقد كثر، نوعاً من الاصطفاف الطائفي والتشدد في شد العصب الشيعي دعماً للثنائي، وتحديداً لـ(حزب الله)، على رغم الأضرار الهائلة التي أصابت الشيعة، وعلى رغم أن أحداً لا يريد الحرب فعلياً، فإن هذه الحالة أوجدت هذا الاصطفاف النفسي والعاطفي، المبني على شعور بالحصار والتهديد الخارجي".

الدوائر المشتركة: الفرصة الوحيدة

بحسب تحليل شمس الدين، "فإن الفوز وخرق المقاعد الشيعية قد يكون شبه مستحيل في معظم الدوائر، باستثناء الدوائر المشتركة التي يوجد فيها حزب القوات اللبنانية، فالقوات هي الحزب الوحيد القادر فعلياً على إلحاق الضرر والخسارة بالثنائي في هذه الدوائر، وهي تحديداً: بعلبك - الهرمل، بعبدا، وكسروان - جبيل، لكن تحقيق هذا الاختراق يتطلب أن تتخذ القوات اللبنانية قراراً استراتيجياً بدعم أحد المرشحين الشيعة المستقلين في هذه الدوائر، حتى لو كان ذلك على حساب مرشح ماروني من القوات نفسها. وهذا قرار سبق ولرئيس حزب القوات سمير جعجع أن نفاه على رغم دعمه المطلق للمعارضين الشيعة"، وخلص شمس الدين إلى استنتاج واضح "ضمن الأرقام والمعطيات الموجودة، من الصعب خرق المقاعد الشيعية إلا إذا تدخلت القوات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحول في المزاج الشيعي

في المقابل لا يمكن إلا التوقف عند تحول لافت تشهده البيئة الشيعية لم يكن متخيلاً قبل سنوات قليلة، حيث ظهرت على الساحة شخصيات شيعية جريئة، من ناشطين وإعلاميين وأكاديميين، تنتقد ثنائي "أمل - حزب الله" علناً من دون أن تتعرض للأذى الجسدي أو العزلة الاجتماعية الكاملة. هذه الشخصيات تعبر عن آرائها المعارضة بجرأة متزايدة في وسائل الإعلام وعلى منصات التواصل الاجتماعي، مثبتة أن الخروج عن "الخط" الرسمي لم يعد يعني بالضرورة نهاية الحياة الاجتماعية أو خطراً مباشراً على الشخص.

في هذا السياق أحيت مجموعة "نحو الإنقاذ" منذ أيام الذكرى الأولى لتأسيسها بلقاء حواري جمع شخصيات شيعية من مختلف المناطق اللبنانية: الجنوب، النبطية، صور، مرجعيون، حاصبيا، بعلبك، الهرمل، بيروت، الضاحية الجنوبية، وجبل لبنان. ورفع المشاركون مطالب واضحة تتمحور حول السلام والشراكة في القرار الشيعي، في رسالة صريحة تطالب بكسر احتكار القرار داخل الطائفة. وتعد "نحو الإنقاذ" من أبرز الحركات الاعتراضية داخل البيئة الشيعية. ومنذ تأسيسها، تدعو المجموعة إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتطبيق "اتفاق الطائف"، وتعزيز العلاقات العربية، في مواجهة مباشرة مع الخط السياسي لـ"الثنائي الشيعي".

دائرة مرجعيون - حاصبيا: نموذج للاختراق الممكن

وقدم محمد بركات، المنسق العام لمجموعة "نحو الإنقاذ"، دائرة مرجعيون - حاصبيا (التي تضم خمسة مقاعد، منها مقعدان شيعيان، ومقعد سني، وآخر أرثوذكسي، ومقعد درزي)، كنموذج يظهر إمكان تحقيق اختراق انتخابي حقيقي. فاستناداً إلى نتائج انتخابات عام 2022، أكد بركات أن "الوضع مبشر وهناك فرصة حقيقية وجدية لإحداث خرق في دائرة مرجعيون - حاصبيا قد يصل إلى أربعة مقاعد، من بينها مقعد شيعي بالتأكيد"، إلا أنه شدد على أن تحقيق هذا الاختراق يتطلب شروطاً واضحة "المعركة تحتاج إلى التزام حزب القوات اللبنانية، ومعركة سياسية واضحة لجذب الصوت السني، إضافة إلى دعم خارجي سياسي عربي ودولي". ولفهم حجم التحول المحتمل، استعرض بركات أرقام انتخابات عام 2022 في دائرة مرجعيون - حاصبيا، ففي تلك الانتخابات، كانت الظروف الإقليمية والمحلية تصب كلها في مصلحة "الثنائي"، فرئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد كان لا يزال في السلطة، "والحكومة اللبنانية كانت بغالبيتها موالية لـ(حزب الله)، الرؤساء الثلاثة كانوا مقربين منه، الدولة والأجهزة الأمنية والمصارف كانت في فلكه، وإيران كانت لا تزال في أوج قوتها"، وعلى رغم كل ذلك، حصلت المعارضة على 16252 صوتاً تفضيلياً مقابل 13155 صوتاً لمرشح حركة "أمل"، النائب علي حسن خليل، إضافة إلى أن المرشح المسيحي إلياس جرادة تمكن من خرق لائحة "الثنائي" وحصل على 9218 صوتاً، وحصل المرشح الدرزي فراس حمدان على 4859 صوتاً، "هذا يعني، عملياً، أن النائب خليل كان قد سقط على الورق. والأهم من ذلك، أن الأصوات التي حصل عليها جرادة وحمدان لم تقتصر على ناخبين من طائفتيهما، جزء كبير من هذه الأصوات جاء من أهالي الجنوب الذين صوتوا خارج طوائفهم للمرشح الذي اعتبروا أنه الأقدر على الفوز. كان التصويت، بمعنى آخر، سياسياً وليس طائفياً بحتاً".

هناك فرصة حقيقية للتغيير

اليوم، الظروف تغيرت جذرياً، فنظام الأسد سقط، إيران باتت في وضع أضعف بكثير، والسلطة السياسية في لبنان خرجت من فلك الحزب، وحتى رئيس مجلس النواب نبيه بري ظهر متمايزاً عن "حزب الله" في أكثر من موقف. المال الإيراني شح، والدمار الناتج من الحرب الأخيرة لا يزال ماثلاً للعيان. يضاف إلى ذلك عامل جديد: دخول حزب القوات اللبنانية المعركة في دائرة مرجعيون - حاصبيا بصورة جدية، إلى جانب مشاركة سنية فاعلة، هذا يعني، حسب التوقعات، دخول نحو 15 ألف ناخب غير شيعي إلى المعركة بصورة منظمة، لكن الأهم بحسب بركات "هو التحول في المزاج الشيعي نفسه، هناك شريحة من الناخبين الشيعة المعارضين الذين لم يصوتوا قط، لأنهم كانوا يعدون أن صوتهم لن يحدث فرقاً، وأنا منهم. إذا شعر هؤلاء بوجود فرصة حقيقية للتغيير، فقد يقدمون على التصويت"، ورأى بركات أن "هناك شيعة غاضبين هذه المرة وبدلوا رأيهم، وهناك شيعة معارضين أساساً لكنهم لم يكونوا يعدون أن صوتهم له قيمة"، ولفت إلى أن "هناك ما بين 3 و5 آلاف ناخب شيعي جديد قد يدخلون المعركة الانتخابية"، وأكد أن "الانتخابات النيابية المقبلة تشكل فرصة تاريخية"، وانتقد من لا يزال يعد أن "حزب الله" قوي، داعياً إلى قراءة الأرقام بموضوعية، خصوصاً في دائرة مرجعيون - حاصبيا.

ولا ينكر بركات الواقع، فـ"جماعة حزب الله الصلبة لن تبدل رأيها"، لكنه استند إلى أرقام صناديق الاقتراع عام 2022 ليؤكد أن "خطاب المعارضة الشيعية بات مقبولاً، وأن ثلث الناخبين الشيعة في تلك الدائرة، استناداً إلى الأرقام، يفكرون مثلنا".

هذا التحول في المزاج الشيعي، مهما كان حجمه، يمثل تطوراً نوعياً. فللمرة الأولى منذ عقود، يبدو أن هناك مساحة حقيقية لخطاب سياسي شيعي بديل، خطاب لا يعتبر نفسه خائناً للطائفة، بل معبراً عن جزء حقيقي من تطلعاتها. السؤال الآن هو: هل ستتحول هذه المساحة إلى تمثيل سياسي فعلي؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير