ملخص
قالت منظمة الصحة العالمية إن "8.1 مليون امرأة وفتاة بسن الإنجاب في السودان، بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، مع توقعات بحدوث 1.1 مليون ولادة خلال هذا العام، في ظل تدهور واسع النطاق للنظام الصحي".
في ظل استمرار حرب السودان التي دخلت شهرها الـ34 تفاقمت الأوضاع الصحية للنساء، وبخاصة عدم توافر وسائل الرعاية الأولية والإنجابية نتيجة تضاؤل المساعدات والخدمات المقدمة لهن بسبب نقص التمويل، فضلاً عن انهيار القطاع الصحي وافتقار المستشفيات والإمدادات الطبية للأدوية والوسائل العلاجية داخل مناطق النزاع المسلح السوداني، مما أسهم في انعدام الرعاية الصحية.
في ضوء هذا الواقع ارتفع معدل وفيات الحوامل والفتيات في كردفان ودارفور والنيل الأزرق نتيجة تعرضهن للالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات نزف حادة، وعدم التمكن من إنقاذهن بسبب نقص الرعاية الصحية، إضافة إلى معاناة المئات من فقر الدم أثناء فترة الحمل وبعده.
خدمات عاجلة
من جهتها قالت منظمة الصحة العالمية إن "8.1 مليون امرأة وفتاة بسن الإنجاب في السودان، بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، مع توقعات بحدوث 1.1 مليون ولادة خلال هذا العام، في ظل تدهور واسع النطاق للنظام الصحي".
وأشارت المنظمة إلى أنها تحتاج إلى 97.7 مليون دولار خلال العام الحالي لمساعدة 20.4 مليون شخص، من بينهم 4.9 مليون نازح داخلياً، إذ يستقر 80 في المئة من المستهدفين في مناطق تتداخل فيها عوامل ضعف عدة، مما يجعلهم أولوية للاستجابة".
وأوضحت الصحة العالمية أنها "تسعى إلى تقديم خدمات صحية مباشرة لـ6.6 مليون شخص من جملة 20.1 مليون فرد تخطط لمساعدتهم، وتشمل الصحة الإنجابية وصحة الأمهات والأطفال وخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي".
وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن انعدام الأمن الغذائي يشكل عاملاً إضافياً يفاقم الأزمة الصحية، إذ يتوقع أن يواجه 19.1 مليون شخص مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي خلال النصف الأول من عام 2026".
وأفادت بأنها "أعادت تحديد الأولويات للوصول إلى الفئات الأشد تضرراً خلال هذا العام، على رغم الخفض الكبير في تمويلها خلال العام السابق، مما قلص قدرتها على الاستجابة بنسبة تزيد على 65 في المئة".
ونبهت المنظمة إلى استمرار تفشي أمراض وبائية، منها الكوليرا والحصبة وكذلك الملاريا وحمى الضنك، في ظل انخفاض التغطية الروتينية للتطعيم وبقاء أكثر من 30 في المئة من الأطفال دون تطعيم، مما يضع ضغطاً إضافياً على نظام صحي هش أصلاً".
حالات وفاة
في السياق، أوضحت المتخصصة في الصحة الإنجابية ملاذ سليمان أن "خفض تمويل المنظمات أدى إلى تعليق عمل العيادات المتنقلة وإغلاق مرافق الرعاية الصحية الأساس داخل مناطق النزاع المسلح، فضلاً عن بعض الولايات الآمنة مثل النيل الأبيض ومناطق بالنيل الأزرق، بما في ذلك تلك التي تستضيف النازحين".
وأعربت سليمان عن مخاوفها من توقف خدمات الصحة الجنسية والإنجابية في عدد من ولايات السودان جراء ضعف التمويل"، وتابعت "مئات النساء النازحات يعانين بشدة، وهناك حالات وفاة عدة سجلت بين الأمهات بسبب سوء رعاية الحمل إلى جانب عدم توافر الرعاية للأطفال حديثي الولادة، مما أدى إلى ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والصغار".
وضع كارثي
في المنحي ذاته، نوهت عضو جمعية تنظيم الأسرة السودانية نضال ميرغني بأن "الأوضاع الصحية للنساء والفتيات تدهورت بصورة كبيرة داخل مراكز الإيواء نتيجة لعدم توافر الرعاية الطبية اللازمة والنقص الحاد في خدمات الصحة الإنجابية، لا سيما الفيتامينات والمكملات الغذائية".
وبينت ميرغني أن "الصراع المسلح والنزوح يجبران النساء على الولادة في ظروف غير صحية ضمن مناطق لا يتسنى لهن فيها الحصول على الرعاية الصحية والأدوية، وبخاصة ولايات دارفور الخمس وأقاليم كردفان الثلاثة التي تشهد نزاعات مسلحة".
ولفتت المتحدثة إلى أن "حجم الأزمة الصحية بات كارثياً، وبلغ مستويات غير مسبوقة، إذ واجهت النساء والفتيات مصاعب ومهددات جمة، وأصبحن في طليعة المتأثرين بالحرب سواء بسبب النزوح أم اللاتي ما زلن عالقات داخل مناطق النزاع النشط، لا سيما تدهور الوضع على الأرض بصورة مخيفة، وبخاصة المتعلق بانهيار القطاع الصحي والمعاناة في شح الأدوية العلاجية".
تفاقم الأوضاع
على الصعيد نفسه، قالت مديرة الصحة الإنجابية السابقة بولاية جنوب كردفان عفاف تيه إن "الحرب أثرت في إمكانات وزارة الصحة، بسبب ما طاول مرافقها من قصف وحرق، وكذلك انعدام الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار الذي فرضته قوات الحركة الشعبية و’الدعم السريع‘ لأكثر من عامين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضافت المسؤولة الصحية السابقة أن "تفاقم الأوضاع الصحية أسهم في زيادة أعداد وفيات الحوامل في كادوقلي والدلنج، وهناك مئات الحالات التي لم تستطع وزارة الصحة رصدها داخل مدن ومناطق الإقليم، بسبب استمرار القتال وانعدام وسائل الحركة وانقطاع الإنترنت".
وأشارت تيه إلى أن "المرافق الأكثر تضرراً تقع في مراكز إيواء النازحين، مما يعرض حياة آلاف الفتيات والنساء للخطر بسبب النقص الحاد في الكوادر الطبية والأدوية".
سوء التغذية
على نحو متصل يقول اختصاصي النساء والتوليد أنس عبدالكريم "حدثت حالات كثيرة من وفيات الأمهات في ولاية شمال دارفور وجنوب النيل الأزرق بسبب نقص الإمدادات الطبية الأساس مثل المضادات الحيوية، وتعرض بعضهن لالتهابات وارتفاع ضغط الدم وحالات نزف حادة، وعدم التمكن من إنقاذهن لأن هناك نقصاً حاداً في الدم وانعدام الأدوية المنقذة للحياة وتأخر وصول الحالات من القرى إلى المرافق الصحية في ظل ظروف الحرب".
وأوضح اختصاصي النساء والتوليد أن "آلاف النساء الحوامل والمرضعات يعانين سوء التغذية هذا العام، إضافة إلى مضاعفات صحية خطرة أثناء الولادة وبعدها، خصوصاً اللاتي يتخطين وجبات الطعام ويذهبن إلى الفراش جائعات للسماح لأطفالهن بتناول الطعام، مما يحد بشدة من العناصر الغذائية المتاحة لأجنتهن النامية ويخلق مخاوف خطرة في شأن صحة هؤلاء الأطفال عند ولادتهم".
ونوه عبدالكريم بأن "وضع النساء الحوامل في مناطق النزاع المسلح سيئ للغاية لعدم توافر الغذاء الكافي للأم وجنينها، فالنساء أثناء الحمل لديهن متطلبات غذائية عالية، وضمان حصولهن على وجبات غذائية متوازنة وكافية أمر أساس، وبفقدان هذا العنصر نرى أن هناك زيادة في حالات الإجهاض والوفاة وسط النساء الحوامل".
وأردف المتحدث "بسبب الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الحرب وتعذر الوصول إلى المرافق الصحية البعيدة، فإن الحوامل في القرى أصبحن يفضلن الرعاية المنزلية حتى مرحلة الولادة، ولكن تحيط بهذا الخيار أيضاً مصاعب منها نزوح أو لجوء القابلات وعدم توافر المعينات الصحية اللازمة بالمنازل وحدوث طارئ يؤثر في سلامة الأم وجنينها".
جوع ومرض
في ظل توسع خطر المجاعة داخل كردفان ودارفور، تتزايد المخاوف على أوضاع النساء الصحية، وهنا تقول متخصصة التغذية ياسمين الأنصاري إن "اتساع فجوة الجوع في مناطق النزاع المسلح وبعض المدن الآمنة أسهم في ارتفاع حالات سوء التغذية لدى النساء الحوامل، مما يعرضهن لخطر الإصابة بالإجهاض التلقائي وفقر الدم أثناء الحمل وخطر وفاة الأم، ويتعرض الجنين لخطر تأخر النمو داخل الرحم وصغر حجمه، والولادة المبكرة وأحياناً وفاته داخل الرحم".
وأوضحت الأنصاري أن "سوء التغذية إحدى المشكلات الرئيسة التي تضعف فيها الوظيفة الجسدية للفرد إلى الحد الذي لا يستطيع معه الحفاظ على الوظائف الحيوية الكافية، مثل النمو ومقاومة الأمراض أو التعافي منها، فإن حاجة الجسم بالنسبة إلى الحوامل تكون أكبر".
وتابعت متخصصة التغذية "الفقر الغذائي المرتبط بالحصار والتهجير وقطع المساعدات أدى إلى وفاة عشرات النساء في دارفور وكردفان بسبب المجاعة وسوء التغذية، وكذلك خلو معسكرات النزوح من وسائل الصحة يسهم في عدم قدرة النساء على تلقي الرعاية الأساس".