ملخص
مع الصعود غير المسبوق في أسعار الذهب، لجأ قطاع كبير من المصريين للتخلي عن عاداتهم في ادخار أموالهم في المعدن الأصفر، فلم يعد بالإمكان مجاراة بورصته الجنونية، ولهذا اختاروا بدائل أخرى بينها الاستثمار في الفضة التي لم تكن تعني شيئا في قاموس القيمة المالية مقارنة بالذهب في عرف المصريين بصورة عامة، إذ تعتبر وعاء ملائماً للطبقات الأقل دخلاً في ما يتعلق بالادخار، ومن هنا تصاعد الطلب عليها من قبل المواطن العادي الذي يحاول أن يتعلم كيفية الحفاظ على قيمة أمواله من خلال نصائح السوشيال ميديا، فهل ورطته تلك النصائح؟
يتابع الطبيب الشاب بترقب وانفعال شاشة هاتفه التي تتحرّك عليها الأرقام الملونة، كانت المرة الأولى التي يجد نفسه فيها بحاجة إلى تثبيت تطبيق استثماري بعد التقلبات الحادة في أسعار الذهب والفضة الأسبوعين الماضيين، المستثمر الصغير الذي يجرّب حظه للمرة الأولى أملاً في أن تحتفظ مدخراته بقيمتها، كان قد استمع إلى نصيحة أحد الأصدقاء بضرورة أن يحوّل جزءاً من أمواله إلى سبائك فضية، ومنحه عدة دلائل وأرقام تؤكد أن أسعارها صعدت بمقدار الضعف خلال وقت قصير للغاية متفوقة على الذهب كملاذ آمن تقليدي مفضل لدى المصريين.
وفي حين أن الطبيب الذي افتتح أخيراً عيادة أسنان مشتركة مع زميل له سخر في البداية من فكرة أن للفضة أي قيمة، وفقاً للمتعارف عليه والسائد بين المصريين الذين يختارون الذهب دوماً بلا تفكير، لكنه قرر بعد بعض المتابعة وبعد تكرار النصيحة أن يتخذ الخطوة.
اشترى الطبيب المصري كيلو من المعدن البرونزي كسبيكة محكمة الغلق بمبلغ زاد على 200 ألف جنيه (نحو 4250 دولاراً)، لكن بعد أيام قليلة فوجئ بأن قيمة القطعة قد ارتدت لتصل إلى نحو 170 ألفاً (3600 دولار أميركي)، أي أنه خسر في يوم واحد ما يعادل 650 دولاراً بصورة مفاجئة بدلاً من أن يربح أو في الأقل يحتفظ بقيمة أمواله، ولم يعد أمامه سوى متابعة شاشات العرض والطلب أملاً في أن تحمل نبأ يفرحه، وأن يتحول السهم إلى الصعود، والأرقام تتلون بالأخضر بدلاً من الأحمر الذي يشير إلى الهبوط.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه مجرد قصة واحدة من حالات كان يحركها القلق على المدخرات المالية التي تفقد قيمتها الشرائية يوماً بعد يوم أمام طوفان تقلبات التضخم، حيث نصائح المعارف وصفحات السوشيال ميديا، مما جعل بعضهم يغيرون من قناعاتهم الراسخة المتوارثة، ووجدوا أنفسهم في ورطة، ففي حين أن الذهب أيضاً فقد بعضاً من قيمته على مدى الأيام الماضية مقارنة بالشهر الماضي، لكنه يظل أقل تقلباً من سوق الفضة التي تهوى بمقدار الثلث أو النصف في دقائق معدودة ويترك صاحبها في يأس، وهي المعلومات التي يكتشفها المستثمرون الأفراد الذين يلوم عليهم بعض المتابعين بأنهم ينساقون وراء نصائح "التريند"، بل هناك من يتهمهم بأنهم وراء أزمة عدم توافر الفضة في سوق الصاغة من الأساس بسبب هوس التحوط بها والإقبال غير المسبوق عليها، لكن لا أحد يقدر قلقهم على أموالهم التي تتغير قيمتها الشرائية يوماً بعد آخر، بخاصة المستثمرون الجدد والصغار الذين لديهم فائض مالي محدود للغاية ولم يعد يكفي لشراء سبائك ذهبية، فاختاروا الفضة كملاذ آمن بديل "على قد الحال"، فالموازنة المحدودة المدخرة لمشروع قريب أو شراء سلعة ثمينة أو قسط مستحق غالباً هي التي تقف وراء تلك القرارات لا الطمع فقط كما يُتصور.
المستثمر الصغير
آلاف النصائح والتحذيرات يتلقاها المستخدمون يومياً تتعلق بطرق الحفاظ على قيمة المال، والاستثمار بعضها يتعلق بالتداول في البورصة، أو اقتناء العقارات أو شراء سبائك المعادن، والخيار الأخير بالتأكيد كان شائعاً بين المصريين بشكل بديهي من عقود، فهي عادة متأصلة لا سيما في الطبقات المتوسطة، إذ يشترون قطع الذهب سواء أكان سبائك أو عملات أو مشغولات ذهبية، ويحتفظون بها "للزمن" بحسب التعبير الشائع.
لكن أمام التحولات الدرامية التي تشهدها سوق المعادن، والارتفاع الهائل في أسعار المعدن الأصفر، دخلت الفضة على الخط، وروجت لها مئات الصفحات التي يتابعها الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تدوينات وفيديوهات، إضافة إلى النصائح المباشرة المتداولة بين الناس بعضهم بعضاً، هذا أمر لم يكن يحدث في السابق، إذ إن سرعة انتشار معلومة أن الفضة كسبت أضعافاً مضاعفة في وقت قصير لم تكن تصل لهذه القاعدة من الناس بسهولة.
وأمام الرغبة الجارفة في الحفاظ على قيمة "الجنيه" المملوك للأفراد انتشرت هذه العادة في الأسابيع الأخيرة، واللافت أن هذه الفئة كانت في الغالب إما تشتري الذهب أو تضع أموالها في شهادات تحصل على عوائدها بقيمة فوائد كبيرة نوعاً ما، إلا أنه مع انخفاض قيمة العملة المصرية بحث كثيرون عن طرق بديلة لم يكن يفكّرون فيها من قبل، وبينهم خديجة هشام وهي أم عاملة تطمح لشراء سيارة ولديها مبلغ مالي، وعندما وجدت أن أمد ادخار الأموال السائلة سيطول حتى تجمع مبلغاً يمكنها من تقسيط باقي الثمن على دفعات، استمعت إلى النصائح واشترت عدة سبائك فضية وليس مشغولات، لأن الأخيرة تخسر في البيع كما قيل لها.
لكن خديجة تعتبر أن ما فعلته مجازفة ومخاطرة كان ينبغي لها أن تفكر فيها لوقت أطول تقول "الحقيقة أنني لم أكتفِ بالنصيحة المباشرة، بل ظللت أتابع عشرات المتخصصين على السوشيال ميديا الذين يضعون خططاً للاستثمار في الفضة، وأن هناك من حققوا ثروات منها خلال وقت قصير، فقلت إنها الاستثمار المناسب، وحينما ذهبت إلى المتجر بالفعل، وجدت قائمة طويلة من الانتظار حتى إنني تسلّمت القطع بعد أن دفعت ثمنها بأربعة أسابيع، وذلك بسبب ضغط الشراء، والأزمة أنني فور تسلّمها أصبت بخيبة أمل بعدما خسرت من سعرها 30 دولاراً للأوقية في الأقل، وأملي أن يتحسّن الوضع خلال الأشهر المقبلة كي لا أخسر مالي الذي اجتهدت كثيراً لتوفيره".
قلة الوعي والقلق وراء القرارات الخاطئة
موجة التصحيح التي طاولت أسواق المعادن بالفعل أصابت كثيرين بالصدمة، لا سيما ممن يشترون الفضة للمرة الأولى، بخاصة أن غالبيتهم اشتروا تحت ضغط الأخبار التي تتحدث عن ارتفاعها القياسي، وتجاوز الأوقية مبلغ الـ120 دولاراً بعدما كان ثمنها لا يتعدى الـ30 دولاراً حتى وقت غير بعيد، وهو سلوك يشير إلى أن عدم الخبرة يمكن أن يورط صاحبه إذا لم يتأن.
يقول مارك عادل، الذي يعمل في محل مشغولات ذهبية منذ 20 عاماً، "خلال فترة الصعود الضخم للذهب والفضة كنا نتلقى طلبات شراء جنونية وبعضها كان يستغرق أسابيع للتنفيذ، فيما سبائك الفضة للمرة الأولى تشهد هذا الإقبال لدرجة أننا نسلم الطلبات بعد شهرين في الأقل، فليس لدينا مصانع مؤهلة لتلبية هذا الكم من الطلبات المفاجئة، فهناك تحول كبير في سلوك المدخر المصري الشغوف بعالم المعادن في ما يتعلق بالفضة على وجه التحديد، لكن المفارقة أنه في الأسبوع الذي شهد تصحيحاً وانخفاضاً ملحوظاً في الأسعار انخفض الطلب بمقدار هائل، وكأن المستهلك يتحرك فقط تحت وطأة ارتفاع السعر، مع أنه من الطبيعي أن يلجأ المدخر للشراء في فترات الانخفاض لا العكس".
السبب هنا قد يعود إلى قلة الخبرة والاندفاع وراء الأسلوب الترويجي، الذي يقدمه من يعبرون أنفسهم متخصصين في المجال عبر "تيك توك" وبقية المنصات. المتخصص الاقتصادي وعضو مجلس الأعمال المصري الكندي أحمد خطاب، يعتبر أن سبب تلك القرارات الخاطئة هو بطبيعة الحال "قلة وعي" لأنها تأتي من أفراد غير متمرسين، اشتروا المعادن في ذروة التهديدات الجيوسياسية، موضحاً أن هذه نفس أخطاء مضاربي البورصة الهواة الذين يشترون الأسهم وهي في أعلى نقطة صعود بدلاً من أن يفعلوا العكس، مطالباً غير المحترفين باتباع النصيحة الذهبية التي تثبت فعاليتها، وهي تنويع المحافظ الاستثمارية، ما بين الذهب والبورصة والبنوك، إضافة إلى الاستثمار العقاري، بحيث إذا حدث هبوط في أي عنصر يمكن لصاحب المال أن يعوض خسائره.
ويتابع الاقتصادي ومتخصص التنمية والاستشارات أن سوق المعادن مرهونة بالوضع السياسي، موضحاً "حال عدم اليقين التي تصحب التوترات العسكرية المتعلقة بأزمات أوكرانيا وروسيا وإيران وحتى فنزويلا جعلت العالم يتجه إلى التحوط، سواء أكانوا مؤسسات أو أفراداً، وبالنسبة إلى الأفراد على وجه التحديد ليس لديهم حس استثماري ويتصورون أنهم سيجنون أرباحاً سريعة بالمضاربة، وعليهم أن يدركوا أن الفضة بالتحديد معدن تنقلب أسعاره بنسب كبيرة خلال وقت قصير للغاية بعكس الذهب، كذلك فإن على الباحثين عن مكسب سريع أن يدركوا أنه في حال التوصل إلى حل سياسي للأزمات العالمية العالقة سيهدأ هذا الجنون وتعود الأمور إلى نصابها".
سبائك النحاس
وعن الأسباب التي دفعت المصريين إلى البحث عن الفضة بالتحديد بهذا الهوس في الأسابيع الأخيرة يقول خطاب "لأن الهدف هو حفظ قيمة النقود، وإيجاد دورة رأسمال سريعة بعض الشيء، وبالنسبة إلى العقار فإن دورة الكسب منه تعتبر طويلة جداً وهي أربعة أعوام في الأقل، وبالنسبة إلى الذهب أسعاره باتت مرتفعة، ولهذا كانت الفضة ملاذاً آمناً، إذا ما فهمت طبيعته، إذ إن أسعارها ارتفعت بصورة ملحوظة نظراً إلى دخولها في صناعات كثيرة من الهواتف المحمولة، وبطاريات السيارات الكهربائية والأجهزة الصحية، فحدثت قفزات كبيرة في الطلب عليها، وكذلك فإنها كمعدن من السهل الحصول عليها مقارنة بالذهب، وفي ما يتعلق بالمعتقدات المصرية فإنها تعتبر خياراً جيداً لأنها لا تلفت النظر مقارنة بلون الذهب الأصفر، فالفضة من السهل أن تظهر كأنها معدن مزيف وليس ثميناً، ولهذا يفضلها كثيرون ممن يريدون التزين بها من دون أن يطمع أحد في ممتلكاتهم".
مع ذلك فإنه لا يزال التثقيف الادخاري بالفعل ينقص كثيرين، ففي حين أن كثيراً من المصطلحات الاقتصادية وجدت طريقها لدى العامة وغير المتخصصين في الفترات الأخيرة بفعل التضخم وتعويم العملة، لكن في كل مرة تضطرهم الظروف إلى فهم مزيد، وهو ما حدث مع محمد عبدالهادي، الذي يعمل في مجال التدريس، وعلى رغم محدودية دخله فإنه ينجح في ادخار بعض منه استعداداً لزواجه، يقول "وجدت أنه مع ارتفاع أسعار المعادن من الصعب أن أشتري سبيكة حتى من غرام واحد من الذهب التي قد تجاوزت بالمصنعية الـ8 آلاف جنيه (170 دولاراً)، وهو مبلغ لا يمثل فائضاً بالنسبة إليّ، فلجأت إلى الفضة، وبعد بحث طويل اكتشفت أن الاستثمار الأمثل في السبائك أيضاً، وفي النهاية فضلتها، لكنني أشتريها عبر تطبيقات الاستثمار وأتاجر بها إذ أبيع ما لديّ في اللحظة نفسها عند ارتفاعها وأحاول أن أقتني أكبر قدر منها وقت الانخفاض، والميزة هنا أن التطبيق الافتراضي يسمح لي بالشراء بأي مبلغ من دون الالتزام بعدد غرامات معين مقارنة بالطرق التقليدية، والحقيقة أن لي زملاءً يقنعونني بشراء النحاس أيضاً، لأن أسعاره تحركت باتجاه الصعود لكنني ما زلت أفكر".
اتجه كثير من المصريين لاقتناء الفضة بعدما بات الذهب بعيداً من متناول الغالبية، فهل سيأتي اليوم وتكون فيه سبائك النحاس في أيدي الأفراد كوعاء لحفظ المال أيضاً؟ يقول المتخصص الاقتصادي أحمد خطاب إن هذا بدأ يحدث بالفعل، لكن بصورة أخرى، موضحاً "سوق المعادن بصورة عامة في تصاعد، ولهذا فإن جامعي الألمنيوم والنحاس يزدادون يوماً بعد يوم إذ يقومون بتجميع تلك المعادن في مخازن ضخمة ويبيعونها بالأطنان وتدر عليهم دخلاً هائلاً، وقد كانت سوقاً محدوداً في البداية ولكن المنضموين لها أصبحوا في تنامٍ بعد التغييرات الأخيرة، فالنحاس على سبيل المثال مطلوب بشدة في صناعات مستلزمات الكهرباء وأجهزة التدفئة وغيرها، ولهذا فمهنة المتاجرة به أصبحت مزدهرة أخيراً".
واختتم عضو مجلس الأعمال المصري الكندي أحمد خطاب تعليقه بتأكيد أن هذا التكالب على شراء المعادن بصورة عامة يعود إلى انخفاض قيمة الجنيه. ضارباً المثل بأن من كان يدخر أمواله في شهادة بنكية فوجئ بعد أعوام عدة أن القدرة الشرائية للمبلغ أصبحت أقل كثيراً على رغم الفوائد، فهي لم تعد وعاءً لحفظ القيمة مثلما كانت في السابق.