Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

على إيقاع الأزمات… اللبنانيون يرقصون لمقاومة الضغط

سجل أخيراً إقبال كثيف على صفوفه بعد أن وجدت سيدات فيه متنفساً لهن وحلاً لمواجهة التوتر والضغوط اليومية

لأعوام طويلة ارتبط الرقص الشرقي في المجتمع اللبناني بنظرة سلبية حادة تجاوزت كونه مجرد فن أدائي (صورة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

على رغم الوصمة الاجتماعية التي رافقت الرقص الشرقي طويلاً في العالم العربي، بدأت النظرة إليه تتغير تدرجياً ولا سيما في لبنان، فقد خرج من دائرة الرفض ليصبح هواية تدرس منذ سن باكرة، ومساحة للتعبير والراحة النفسية لدى عدد متزايد من النساء.

يعد الرقص من أقدم الفنون التي مارسها الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ، إذ شكل جزءاً أساساً من الاحتفالات والمناسبات لدى حضارات عدة مثل الرومان والفراعنة وغيرها، وقد تنوعت أشكاله ووظائفه عبر العصور فكان في مراحل معينة عنصراً من طقوس العبادة الدينية داخل المعابد، واُستخدم في ثقافات مختلفة ضمن ممارسات وطقوس سحرية أدتها بعض الراقصات.

منذ بداياته الأولى لم يكن الرقص مجرد حركة جسدية أو وسيلة للترفيه، بل شكّل أحد أقدم أشكال التعبير الإنساني، فقد رافق الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ حين ارتبط بالطقوس الجماعية واُستخدم للتعبير عن الخوف والفرح، واسترضاء القوى الغيبية وطلب الخصوبة والحماية، ومع نشوء الحضارات القديمة، ولا سيما في مصر وبلاد الرافدين واليونان والهند، تحول الرقص إلى ممارسة منظمة ذات دلالات روحية واجتماعية، فاحتل موقعاً مركزياً في المعابد والاحتفالات الدينية، وارتبط بطقوس العبور والمواسم الزراعية.

ومع مرور الزمن بدأ الرقص يخرج تدرجياً من الإطار الطقوسي البحت ليتخذ أشكالاً أكثر تنوعاً ووظائف جديدة، ففي العصور الكلاسيكية أصبح وسيلة لسرد الأساطير وتمثيل الحكايات الجماعية قبل أن يتحول في العصور الوسطى إلى نشاط اجتماعي يُمارس في البلاط الملكي والمناسبات العامة ويعكس الفوارق الطبقية والتراتبية الاجتماعية، ومع بدايات العصر الحديث اكتسب الرقص بعداً فنياً مستقلاً، فظهرت مدارس وتقنيات وأساليب مختلفة، وتحول الجسد إلى أداة تعبير واعية تحمل رسائل جمالية وثقافية وسياسية أحياناً.

ممارسة فردية وفن احترافي

التطور اللافت في مسار الرقص يعكس في جوهره تحولات المجتمعات نفسها، إذ انتقل من فعل جماعي مرتبط بالمقدس إلى ممارسة فردية وفن احترافي يخضع للتدريب والتقنين ثم إلى مساحة حرة للتعبير عن الذات والهوية، وفي هذا السياق لم يعد الرقص مجرد مرآة للثقافة بل أصبح أداة لإعادة تعريف علاقة الإنسان بجسده والفضاء العام، وبالسلطة الاجتماعية التي كثيراً ما حاولت ضبط الحركة وتأطيرها.

تعود جذور الرقص الشرقي إلى طقوس قديمة قبل أن ينتقل حديثاً إلى المسرح مع الراقصة اللبنانية - السورية بديعة مصابني في القرن الـ 20 ويبلغ ذروة النجاح في السينما المصرية، وقد لمعت أسماء منها تحية كاريوكا وسامية جمال ونعيمة عاكف وسهير زكي وغيرها.

لكن كثيراً ما ارتبط الرقص الشرقي في المخيال الاجتماعي العربي بصورة ملتبسة تراوحت بين الفن والوصمة، وبين التعبير الجسدي الحر والحكم الأخلاقي القاسي، وعلى مدى عقود ظل هذا النوع من الرقص محصوراً في فضاءات محددة ومثقلاً بنظرة دونية، غير أن المشهد بدأ يتبدل تدرجياً في عدد من بلدان المنطقة، ولا سيما في لبنان، حيث خرج الرقص الشرقي من دائرة الوصم ليصبح ممارسة فنية وثقافية، وهواية تُعلم في سن باكرة، بل وأداة علاج جسدي ونفسي لدى بعضهم، وهذا التحول لا يعكس فقط تغير النظرة إلى الرقص بل يفتح نقاشاً أوسع حول الجسد والهوية وحدود المقبول اجتماعياً في مجتمعات تشهد تحولات عميقة.

وعلى رغم أن الرقص الشرقي كانت له أهمية كبرى في العصر الذهبي للسينما المصرية، وعلى رغم أنه أصبح فناً يقدره كثر، لكنه بقي يرتبط بمفهوم الإغواء والإثارة، وارتبطت طويلاً صورة الراقصة بانعدام الحياء، وهي التي رافقتها نظرة سلبية لم تغب مع مرور الوقت والانفتاح الذي سجل خلال العقود الأخيرة.

تحول جذري في لبنان

لأعوام طويلة ارتبط الرقص الشرقي في المجتمع اللبناني بنظرة سلبية حادة تجاوزت كونه مجرد فن أدائي لتضعه في خانة الوصم الاجتماعي والأحكام الأخلاقية المسبقة، فقد حُصر حضوره في أماكن محددة وغالباً ما ارتبط بصورة نمطية تختزل الراقصة في بعدها الجسدي، مما جعل ممارسة هذا الفن علناً أو حتى التدرب عليه أمراً مرفوضاً أو مستهجناً في كثير من البيئات، غير أن هذه النظرة بدأت تتآكل تدرجياً مع تغير البنية الاجتماعية وتزايد الانفتاح الثقافي، بخاصة في المدن الكبرى وعلى رأسها بيروت.

ومع دخول مدارس الرقص والأستوديوهات المتخصصة إلى المشهد الثقافي خرج الرقص الشرقي من الفضاءات المغلقة ليصبح نشاطاً تعليمياً منظماً يُدرس للأطفال في سن باكرة ضمن إطار فني وتربوي واضح، وهذا التحول أسهم في إعادة تعريف العلاقة مع الجسد، لا بوصفه أداة إثارة بل كوسيلة تعبير وانضباط وحركة واعية، ومع الوقت لم يعد تعلم الرقص حكراً على الطموح الاحترافي بل تحول إلى هواية تمارسها فئات عمرية مختلفة، من طالبات المدارس إلى النساء العاملات وربات المنازل.

في موازاة ذلك اكتسب الرقص الشرقي بعداً نفسياً وعلاجياً لدى عدد متزايد من النساء، ولا سيما في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، فبات مساحة لخروج من الضغوط اليومية واستعادة الثقة بالجسد وبناء علاقة أكثر تصالحاً مع الذات، وبذلك باتت صفوف الرقص تجذب سيدات وفتيات من مختلف الفئات العمرية والمجتمعية لأنهن يجدن فيها متنفساً لهن، ومساحة يمكن من خلالها الحد من الضغوط اليومية والهموم، وقد بدا وكأن تلك الوصمة التي كانت تطبع الرقص أصبحت من الماضي، وتلك النظرة السلبية إلى الراقصة لم يعد لها وجود، إذ حصلت تغييرات اجتماعية كثيرة غيرت هذه النظرة، ولم يعد هناك تعاط مع هذا الفن على أنه مصدر خجل، ولم يعد الاستمتاع به مخالفاً للأعراف.

في لبنان وبخاصة بعد التحديات الكثيرة والضغوط التي تعرض لها المواطنون خلال الأعوام الأخيرة، أصبح الرقص ملجأ الكبار والصغار في مواجهة الهموم، وأصبح الإقبال على تلك الهواية متزايداً من سن باكرة، خصوصاً بعد ما حققته من نجاح شابات صغيرات انضممن إلى فرق ناحجة، لعل أبرزها فرقة "مياس" اللبنانية التي وصلت إلى العالمية، وهي كانت افتتحت أكاديمية خاصة بها لتعليم الرقص.

الرقص علاج نفسي

خلال الأعوام الأخيرة تجد كثيرات في الرقص مساحة للتعبير عن المشاعر وتحسين المزاج، وتعزيز الصحة النفسية والجسدية، إضافة إلى كونه وسيلة للحفاظ على اللياقة البدنية، وقد أثبتت دراسات حديثة، ومنها دراسة فنلندية صادرة عن "جامعة شرق فنلندا"، أن الرقص يمكن أن يكون وسيلة فاعلة لمكافحة أعراض الاكتئاب والقلق وتحسين المزاج وتعزيز الثقة بالنفس وخصوصاً لدى المراهقات، فيعتبر وسيلة في غاية الأهمية يمكن الاعتماد عليها في أيامنا هذه، مع ارتفاع معدلات الاكئتاب والاضطرابات النفسية بين المراهقين، ولذلك يعتبر هذا الفعل الفني الجسدي وسيلة علاجية فاعلة يمكن أن تكمل العلاج الطبي في حالات عدة، وقد اعتبرت دراسات عدة الرقص أداة فعالة للتخلص من الضغط النفسي، لأنه يحفز الدماغ على إفراز هرمونات السعادة ويقلل مستويات هرمون الكورتيزول، إضافة إلى كونه وسيلة للتعبير عن الذات، وقد يكون في ذلك ما يفسر الإقبال الكثيف للفتيات الصغيرات والشابات والسيدات في مختلف الفئات العمرية على صفوف الرقص كمصدر للمتعة والاسترخاء والتواصل الاجتماعي.

عبير من الشابات المواظبات على صفوف الرقص منذ 15 عاماً لأنها كما تقول تجد في الرقص راحة نفسية، إضافة إلى كونه رياضة تساعد في الحفاظ على الرشاقة واللياقة البدنية، ولذلك فهو ملجأ لها كخبيرة تغذية حريصة على صحتها ورشاقتها، ويؤمن لها الراحة ويساعدها في التخلص من الضغوط النفسية.

وتصفه عبير بالمساحة الجميلة وتجد صعوبة في مقاومة الرغبة في ممارسة هذه الهواية، وما يجذبها إلى صفوف الرقص هو التواصل الاجتماعي الذي تخلقه والصداقات التي استطاعت أن تبنيها فيه، فتألفت مجموعات فيها وأصبحت صفوف الرقص موعداً للقاءات مع "أصدقاء الرقص"، وتختم أن "الرقص رياضة وعلاج نفسي ويؤدي دوراً في الحفاظ على الرشاقة والصحة أيضاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي بلد ترتفع فيه معدلات التوتر إلى أقصى الحدود، تصف سيدة أخرى ملتزمة بصفوف الرقص الشرقي ذاتها الرقص بكونه علاجاً نفسياً لها أيضاً، مؤكدة أنها لا تمارس هذه الهواية لتعلم الرقص واحترافه، إذ وجدت فيه الحل الطبيعي الأفضل لها للتخلص من الضغوط، فيساعدها في مواجهة مستويات التوتر المرتفعة، ولذلك فقد أصبح الرقص عبارة عن روتينها اليومي، فتبدأ به نهارها منذ الصباح مما يكسبها طاقة مطلقة وسعادة طوال أيام الأسبوع من دون أي مكان للقلق والتوتر، ولذلك فلا يمكن أن تتخلى عن هذه الهواية التي تشبّه علاقتها بها بالإدمان، وتعتبر أكثر فاعلية من الأدوية المهدئة للأعصاب بالنسبة إليها.

الكلام نفسه تقريباً تكرره السيدة كارلا التي تلتزم بصفوف الرقص منذ أعوام، إضافة إلى التزامها بممارسة الرياضة في النادي الرياضي، إذ تجد في الرقص الشرقي متنفساً لها كما هو لكل السيدات في الصف نفسه واللواتي يجدن متعة حقيقية فيه وكأنه يؤمن لهن مصدراً للطاقة المستمرة، فيصعب عليهن التهاون والامتناع من ممارسة هذه الهواية.

وثمة سيدات ملتزمات بالرقص من أكثر من 20 عاماً وتابعن ذلك مع التقدم في العمر، لاعتباره لغة جسد جميلة تزودهن بالطاقة والنشاط والإيجابية، ولذلك تشعر كل امرأة تنضم إلى صف الرقص بالسعادة وتعبر عن ذلك بوصف يوم مفعم بالنشاط بعد صف الرقص، فمن النساء اللواتي انضممن إلى صفوف الرقص أخيراً نسبة قليلة يكون هدفهن احترافه فهن يبحثن عن الترفيه والمتعة، وإذا بالانضمام إلى صفوف الرقص قد تحول إلى ما يشبه الترند، أو كأنها عدوى باتت تنتقل سريعاً في المجتمع بين من يبحثون عن السعادة والاسترخاء.

نظرة مختلفة إلى الرقص

حول التغيير الذي حصل في النظرة إلى الرقص والإقبال الكثيف عليه، يوضح مدرب الرقص سامي الحاج انطلاقاً من خبرته في التدريب أن هناك انفتاحاً على الرقص في المجتمعات الغربية من عقود، إذ كان هناك إقبال على تعلم الرقص من مختلف الفئات العمرية، أما في الشرق الأوسط، وتحديداً لبنان، فأتى هذا الإقبال على صفوف الرقص متأخراً وقد سُجل التغيير الحاصل في النظرة إليه وإلى من يمارسه بتأثير من وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل ما يحصل على مستوى العالم، وتنشر المفاهيم على نطاق أوسع وتحولها إلى ترندات، ويقول "تغيرت النظرة إلى الرقص والمفاهيم التي كانت سائدة حوله وأيضاً فكرة أن ممارسة المرأة هذه الهواية تعتبر عيباً أو عملاً غير لائق، فالرقص هو الحاسة السادسة ولا يعني حصراً الراقصات في الملاهي، بل هو إحساس ولغة جسد عالمية، ولذلك أصبح هناك إقبال كثيف يتسم بالتنوع والانفتاح على مختلف أنواع الرقص كاللاتيني والشرقي والكلاسيكي وغيرها".

ويصف الحاج "سماع الموسيقى بحد ذاته مصدراً للسعادة، حتى بالنسبة إلى من لا تجيد الرقص، فهي تشعر بالسعادة بمجرد سماع الموسيقى وتنساب معها لتذهب إلى أبعد حدود مع النغمات بفكرها، فالمطلوب ممن يرقص أولاً وأخيراً الشعور بالنغمات والإحساس بوتيرة النفس والتقلبات فيه لتفريغ الفكر من الأفكار الباقية كافة، خصوصاً تلك المزعجة والسلبية، ولذلك تبيّن أن الرقص مضاد للتوتر لأن المرأة التي ترقص لا تركز إلا على اللحظة والرقص، مما يجعله تقنية علاجية تماماً كما تقنيات العلاج النفسي التي تدعو إلى التركيز على اللحظة لتعزيز الصحة النفسية".

وحتى في الدول الأوروبية وأنحاء العالم، كما في روسيا وأوكرانيا والصين، تنتشر صفوف الرقص وورش العمل وسط إقبال كثيف عليها، وتتميز الراقصات في الغرب بتقنيات عالية وهن أكثر براعة من راقصات الشرق الأوسط، كونهن يعتمدن على الرقص اللاسيكي كأساس لتعلم أصوله لدى أساتذة محترفين، لكنهن في المقابل يفتقدن الإحساس الذي تتميز به الراقصات الموجودات في بلادنا، بحسب الحاج، علماً أن أصول الرقص تبدأ مع الباليه الكلاسيكي ومنه تتفرع كل أنواع الرقص ومن ضمنها الشرقي.

وصحيح أن الأكاديمية تستقبل صغاراً من عمر ثلاث سنوات لتأسيسهم في مجال الرقص، لكن ما لوحظ أخيراً هو إقبال كثيف من قبل سيدات في منتصف العمر وما فوق، ومنهن من بلغن 70 و80 سنة، وهذا الإقبال المتزايد حصل بعد أن لمست بعضهن أن الرقص يشكل بديلاً عن الدواء لتأمين الراحة النفسية وراحة البال لتخطي الهموم والضغوط النفسية، وكثيرات اختبرن ذلك ومنهن من وصف لهن أطباء نفسيون الرقص لما فيه من تحرر نفسي وجسدي وفكري.

ويقول الحاج إنه "لا يمكن حصر الرقص في إطار معين، بل هو حرية مطلقة بكل تفاصيله وتحرير للروح أكثر من كونه تعليماً يستند إلى نقل أصول الرقص في الصفوف"، مضيفاً أنه "في مقابل الإقبال الكثيف على صفوف الرقص عامة وخصوصاً الرقص الشرقي، يترافق الانفتاح على الرقص مع غياب للاحتراف، ولذلك فخلال الأعوام الأخيرة لم يعد هناك بروز لأسماء راقصات محترفات لمعن كما في الحقبة الذهبية التي عرفها الرقص الشرقي، وحتى في بلاد أخرى فهناك ورش عمل تقام لتعليم الرقص بطريقة فوضوية، وفي غياب التقنيات الصحيحة والقواعد المتينة والأصول، وكأن من يحب الرقص يعلمه بكل بساطة، ويمكن القول إن العصر الذهبي للرقص الشرقي قد انتهى بعد غياب الراقصة المصرية ناديا جمال، ولم يعد هناك وجود للرقص الشرقي الأصيل، وأيضاً غابت الراقصات القادرات على تقديم عرض منفرد على موسيقى شرقية لعمالقة الفن الجميل، بإحساس ووفق أصول الرقص".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات